OVA5_Zeina

اعتزل ما يؤذيك

زينة  |  أكتوبر 2024


 

استيقظتُ صباحاً، وكعادتي، أول ما أفعله بعد فتح عيني هو وضع إناء القهوة على النار، فلا أستطيع بدء يومي دون قهوتي. رائحتها وحدها تحفِّزُني على النهوض والانطلاق بطاقة متجددة.

بعد ربع ساعة، استيقظت والدة أُسَيد، فقد أتت لزيارتنا منذ شهر تقريباً. أما أُسَيد، فقد سافر إلى مدينة أخرى لإلقاء محاضرة اليوم، لذا غادر المنزل منذ الليلة الماضية.

ألقت عليَّ حماتي تحية الصباح، ثمَّ وللمرَّة الثلاثين، أعادت جملتها المعتادة:

  • زينة، ألا تعلمين أن شرب القهوة صباحاً دون إفطار مضر بالصحة؟ يجب أن تفطري أوَّلاً ثمَّ تحتسي قهوتك!

ابتسمتُ ابتسامةً صغيرةً وقلت لها:

  • سأحاول إن شاء الله.

أنهيتُ قهوتي بسرعةٍ، ثمَّ بدأت بتحضير الإفطار لي ولها. تناولتُ شطيرتي على عجل، وكعادتي نهضتُ لتغيير ملابسي بينما كانت حماتي ما تزال تتناول طعامها، فأوقاتي ضيقة ولا أملك رفاهية الجلوس طويلاً.

لم تفوِّت حماتي الفرصة لتعليقٍ آخر:

  • يجب أن تستيقظي مبكراً أكثر حتَّى تتناولي إفطارك على مهلٍ وتأخذي راحتك.

ابتسمتُ مجدَّداً وكرَّرت ردِّي:

  • سأحاول إن شاء الله.

بدَّلتُ ملابسي، ورتَّبتُ المطبخ بعدما أنهت حماتي إفطارها، ثمَّ ارتديت حجابي وهممت بالمغادرة، لكنَّني تذكَّرت أن اليوم هو موعد قدوم المساعدة المنزلية. عندما انتقلنا إلى منزل أكبر، ومع ضغط العمل والالتزامات الأخرى، ناقشتُ الأمر مع أُسَيد، وقررنا إحضار مساعدة منزلية مرة أسبوعياً لتنظيف المنزل، لذا أخبرت حماتي:

  • خالة، اليوم ستأتي المساعدة المنزلية.

وكما توقَّعت، جاء تعليقها المعتاد:

  • وما حاجتكم إليها؟ أنتما شخصان فقط، وليس لديكما أطفال، ومنزلكما نظيف ومرتّب. لا حاجة إليها، أجد أنَّ الاستعانة بها ليست إلا مصاريف زائدة لا داعٍ لها!

لم أعلّق، فقط اكتفيت بالقول:

  • خالة، أنا منطلقة الآن إلى العمل، هل تحتاجين إلى شيء؟ هل ينقصك أي شيء؟

أجابت بلطف:

  • لا، شكراً. رضي الله عنكما أنتِ وأُسَيد.

ابتسمت وقلت لها:

  • سلمكِ الله، في أمان الله.

انتهى عملي في المعهد،  لقد مرَّت سنتان منذ حصولي على وظيفتي الرسمية، بعد تخرجي من الجامعة الافتراضية، قسم الأدب العربي. بدأتُ مشواري كمعلمة لغة عربية في معهد اللغات، ووجدت في هذه الوظيفة متعةً حقيقيةً، فليس هناك ما هو أجمل من تعليم لغة القرآن الكريم لغير الناطقين بها، والتعرف يومياً على ثقافات وشعوب جديدة.

بعد انتهاء الدوام، اتصلتُ بأُسَيد لأطمئن عليه. أخبرني أن قطاره سيصل بعد نصف ساعة، وأنه سيعود مباشرة إلى المنزل دون المرور بالكلية، فاقترحت عليه أن ألتقي به لنعود معاً.

بينما كنا في طريق العودة، بدأ أُسَيد يشكو من طلابه:

  • أشعر أن ضغطي يرتفع بسبب تصرفاتهم! لا أستطيع احتمال أن يتحدَّث أحدهم مع زميله أثناء المحاضرة، أو أن يكون شارد الذهن، أو يخرج هاتفه المحمول. كل هذه التصرفات برأيي تدلُّ على قلَّة احترامهم لي!

ضحكتُ وقلت له مازحة:

  • لكن لماذا تفترض أنَّهم لا يحترمونك؟ ربَّما نسي أحدهم نفسه وتحدَّث دون قصد، أو كان لديه سؤال مهم. لماذا تنفعل من أمورٍ بسيطةٍ كهذه؟

نظر إليَّ مستنكراً:

  • زينة، أنت لا تدركين عمَّا تتحدثين! هذه الأمور ليست بسيطةً إطلاقاً بالنسبة للأستاذ.

ابتسمتُ وقلت له بهدوء:

  • لكن لا تنسَ أنني أعمل أيضاً في مجال التعليم ولدي طلابي، وأخبروني غير مرَّة: أستاذة زينة، أنتِ لطيفة للغاية! ولكن هل أخبرك بسرٍّ؟ لا أحد منهم يعلم أن هذا اللطف في مصلحتي أولاً، ثمَّ في مصلحتهم، وهذا ما أدركته في الآونة الأخيرة.

نظر إليَّ متعجِّباً وسألني:

  • كيف يكون ذلك في مصلحتك؟ بالعكس، أنتِ تضغطين على نفسك وتكبتين انفعالاتك!

ضحكتُ وقلت:

  • هذا ما تظنه أنت، لكن الحقيقة أنني فقط أشتري السلام لنفسي وأعتمد مبدأ اعتزل ما يؤذيك.

رفع حاجبيه وقال ممازحاً:

  • استراتيجية جديدة لزينة!

ضحكتُ وقلت:

  • ليست جديدة، لكنني فهمتها بعمقٍ الآن. أنت تعرف أنَّني إنسانة مسالمة بطبيعتي، لكنَّني أدركت في الآونة الأخيرة أن هذه المسالمة كانت في مصلحتي الشخصية أولاً وأخيراً، وليس فقط لصالح الآخرين. عندما أتجنَّب الجدالات والنقاشات التي لا طائل منها، فإنَّني أحافظ على راحتي النفسية، وأوفِّر طاقتي لأمور أكثر أهمية. لماذا أُرهِق نفسي في نقاشاتٍ لا تضيف إلى حياتي شيئاً؟

ابتسم وقال:

  • لكن في حياتك، لا تواجهين ضغطاً سوى مع بعض الطلاب، أليس كذلك؟

ضحكتُ مجدَّداً وقلت:

  • تظن ذلك؟! أنا أطبِّق هذا المبدأ مع كل شخصٍ في حياتي تقريباً!

–        ومن يضايقكِ حتَّى تعتزليه؟

–        الفكرة ليست في اعتزال الأشخاص، بل في اعتزال الدخول معهم في مهاترات لا داعي لها، كما نصحنا النبي ﷺ حين قال: أنا زعيمٌ ببيتٍ في ربض الجنة لمن ترك الجدال ولو كان محقَّاً.

سألني باستغرابٍ:

  • هل يمكنكِ توضيح ذلك بمثال؟

ضحكت وقلت:

  • آمل ألا يزعجك هذا المثال، لكنه الأقرب إلينا الآن، لأننا نعيشه يومياً وسنعيشه طوال الأشهر المقبلة.
  • وما هو؟

ابتسمت وقلت:

  • والدتك، حفظها الله. هل رأيتني يوماً أدخل معها في جدال؟ هل لاحظت أنني ناقشتها حول تعليقاتها المتكرِّرة؟

صمت أُسَيد ولم يعلق بشيءٍ. تابعت قائلةً:

  • أنا لا أفعل ذلك بدافع التسامح فقط، ولا بدافع كرم الأخلاق وحده، بل لأنني ببساطة لا أريد أن أرهق نفسي بنقاشات لا جدوى منها. ما الفائدة من محاولة تغيير قناعاتها؟ هل سينقص مني أي شيء إن تجاهلت بعض الملاحظات؟ بل العكس، سأحافظ على سلامي الداخلي وأوفر طاقتي لأمور أكثر أهمية. فلماذا أرهق أعصابي في معارك صغيرة لا تضيف إلى حياتي شيئاً؟ سواء كسبت الجدال أم خسرته، لن يغير ذلك شيئاً من الواقع.

حاول أُسَيد التخفيف من جدِّية الحديث وقال مبتسماً:

  • لكن لديكِ زوج لن تحتاجي إلى استخدام هذا المبدأ معه!

ابتسمتُ ابتسامةً خفيفةً وقلت:

  • أُسَيد، هل تسمع أذنيك ما ينطق به لسانك؟ هل تريدني أن أضرب لك أمثلة؟

ضحك، لكنَّنا في تلك اللحظة وصلنا إلى المنزل، فلم نستطع استئناف ذلك الحوار. تناولنا طعامنا، ثمَّ قررنا الذهاب إلى المركز التجاريّ لشراء بعض الحاجيات، وفي الوقت نفسه لتتمكَّن والدته من الخروج قليلاً وتغيير الأجواء.

وأثناء تجولنا، لفت انتباهي معطف جميل عليه خصم، اخترت اللون الأسود، وبينما كنت على وشك الذهاب إلى الغرفة الخاصّة لتجربته، قالت لي حماتي:

  • اللون الزهري أجمل، ويليق بلون بشرتكِ أكثر!

ابتسمتُ وقلت لها بلطف:

  • سأجربه بعد الأسود.

فما لا تعرفه حماتي أنَّ أُسَيد لا يحبذ الألوان الزاهية. ارتديت المعطف الأسود وخرجت من الغرفة الخاصَّة، وما إن رآني أُسَيد حتَّى رفع حاجبيه إشارةً إلى أنَّه لا يغطي الركبة بالكامل. فهمتُ مقصده، فأعدت المعطف إلى مكانه دون أن أجادل أو أعلّق بكلمةٍ.
خرجنا من المحل، وسرعان ما تلاحقت في ذهني مواقف عديدة، وكأن شريطاً سينمائياً يمر أمام عيني. تذكّرت قرار أُسَيد بعدم حضور حفلة زفافنا النسائية، ورفضه لوضعي أي مساحيق تجميل عند الخروج إلى الشارع، كما أنَّه لا يفضِّل نشر الصور على وسائل التواصل الاجتماعي.

كانت هناك أمور كثيرة اعتدت القيام بها في منزل والديّ ولم تكن ممنوعة، لكنني تخلّيت عنها دون أن أخوض معارك مع أُسَيد. لم يؤثر ذلك سلباً عليّ، لا في الدنيا ولا في الآخرة، ولم أكن بحاجة إلى إثبات ذاتي من خلال مثل هذه الأمور أو الدخول في جدالات لا طائل منها. ببساطة، اخترت تجنُّب ما يؤذيني من نقاشات لا جدوى منها، وتغاضيت دون أن أغفل عن جوهر الأمور.

وبينما كنّا نسير نحو مرآب السيارات، أمسك أُسَيد بيدي بقوَّةٍ وحنانٍ معاً، ونظر إليّ مبتسماً، وكأنه يودُّ أن يقول: “فهمتُك تماماً”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top