مقالات عامّة

All
مقالات عامّة

في الذكرى العاشرة لإطلاق مشروع «فيء الغمام»

بعض الأفكار لا تمرّ في حياتنا مرورًا عابرًا؛ تأتي في وقتها، ثم تمكث. تكبر معنا، وتتبدّل ملامحها كلما تبدّلنا، حتى إذا عدنا إليها بعد سنوات طويلة، اكتشفنا أنّنا لم نتركها أصلًا، وإنّما كنا نهيّئ أنفسنا لها. وحين أتأمّل اليوم مراحل هذا المشروع، وأستعيد دوافعه الأولى، أكتشف أنّ فكرة «فيء الغمام» لم تبدأ قبل عشر سنوات كما قد يبدو، وإنّما بدأت قبل ذلك بعشر سنوات أخرى. من «أيام الجهاد» إلى «فيء الغمام». حين كنت يافعة، وضعت مسودة مشروع فكريّ يتناول جهاد النفس، وكنت أريد أن يكون موجّهًا إلى الشباب والشابات اليافعين، انطلاقًا من حقيقة بسيطة: أن لكل إنسان نقاط قوة ينبغي أن ينمّيها، ونقاط ضعف ينبغي أن يعرفها ويجاهدها. كانت الفكرة آنذاك أقرب إلى كتاب خواطر وتأمّلات فكرية، وكانت تحمل اسم «أيام الجهاد». لم أكن أملك يومها الأدوات الفنية التي أملكها اليوم، ولم أكن قد نضجت بما يكفي لأعرف كيف أقدّم هذه الأفكار بالطريقة التي أريدها. لكن الفكرة بقيت هناك، في مكانٍ ما، تنتظر. وبعد عشر سنوات، شعرت أنّ الفكرة نضجت، وأنني وجدت أخيرًا القالب الذي يمكن أن أبني عليه هذه الأفكار. وجدت أنّ الرواية هي الطريق الأقرب. فأنا أؤمن أنّ القصة أقدر على الوصول إلى الإنسان من الموعظة المباشرة، ولا سيما حين يكون المخاطَب يافعًا. فالإنسان قد يقاوم فكرة تُلقى عليه، لكنّه غالبًا لا يقاوم قصة يعيشها. وقد يسمع نصيحة فينسى مضمونها، لكنّه قد يتذكر شخصية أحبّها، أو موقفًا أثّر فيه، أو جملة علقت في ذهنه، أو قرارًا اختلف معه، ثمّ يعود بعد سنوات فيفهم ما لم يكن قادرًا على فهمه يوم قرأه أول مرّة. وهنا تحديدًا تكمن الفكرة التي بنيت عليها فيء الغمام. لم أرد أن تكون الروايات دروسًا تربوية متنكرة في هيئة قصص، ولا أردت أن أجلس فوق رأس القارئ لأقول له: هذا صحيح، وهذا خطأ، وهكذا ينبغي أن تحبّ، وهكذا ينبغي أن تختار، وهذا هو الصواب الذي عليك أن تتبعه. كنت أريد شيئًا أكثر هدوءًا، وأعمق أثرًا. أردت أن أصل إلى القارئ من خلال القصة، لا أن أقتحم عليه قناعاته من خلال التعليمات. لماذا اليافعون تحديدًا؟ لدي اهتمام كبير بالشأن التربوي، وربما ازداد هذا الاهتمام مع مرور السنوات، لأنني أرى الجيل الحالي محاصرًا، على مدار الساعة، بكمّ هائل من الأفكار والصور والمفاهيم الملتبسة. ليس الحديث هنا عن قضية واحدة. هناك أفكار مغلوطة تُقدَّم لهم عن: العلاقات، والحبّ، والزواج، والمرأة، والرجل، والحقوق، والواجبات، والاستقلالية، والقيم، والمشاعر، والنجاح، والجمال، والمال، والشهرة، وحتى الطعام! والأصعب من كثرة ما يُعرض عليهم أن كثيرًا منه يأتيهم في صور جذابة ومسلية، لا في صورة «فكرة» تحتاج إلى أن يوافقوا عليها أو يرفضوها. إنّها تدخل من الأبواب الصغيرة: مقطع قصير، شخصية محبوبة، قصة، نكتة، أغنية، مشهد، تعليق عابر… ومع التكرار تتحول الأشياء إلى تصورات، والتصورات إلى قناعات، والقناعات إلى طريقة في النظر إلى الحياة. لهذا لم أكن أريد أن أواجه هذا العالم بخطابٍ وعظيّ تقليديّ. فإذا كان الشاب والفتاة يقضيان ساعات طويلة مع القصص والشخصيات والمحتوى المرئي والمسموع، فلماذا لا نقدّم لهما قصة جميلة، ممتعة، ومكتوبة بعناية، تحمل في داخلها ما نريد أن نقوله؟ اليافع قد لا يفهم كل التفاصيل… لكنّه يشعر أدرك أن «فيء الغمام» قد تناسب الأكبر عمرًا أيضًا، لكنني، في الوقت نفسه، أعود دائمًا إلى اليافعين. هل تذكرون عندما كنا يافعين؟ كنّا نقرأ، لكننا لم نكن ندرك كل التفاصيل. لم نكن نفهم بالضرورة كل طبقات العمل، ولا نلتقط كل الإشارات، ولا نحلل الشخصيات كما نفعل اليوم. لكننا كنا نشعر. كنا نشعر أنّ هذا العمل مختلف، وأنّ هذه الشخصية محبوبة، وأنّ هذه القصة تركت في داخلنا شيئًا لا نعرف ماذا نسميه. وأنا أعوّل كثيرًا على هذه الجزئية. لا أحتاج أن يفهم اليافع كل ما أردت قوله. يكفيني أحيانًا أن يشعر أن العمل جميل ومميز، وأن تعلق في ذاكرته جملة أو جملتان، أو موقف، أو شخصية. يكفيني أن يحبّ شخصية مثل أسيد، أو آدم، أو عمر، أو يمان. وأريد للفتاة القارئة أن تعجب بهذه الشخصيات أيضًا، وأن تعيد، من خلال ما تقرؤه، رسم خطوط مختلفة لفارس أحلامها. خطوط تختلف عن الصورة التي باتت تُروَّج اليوم في كثير من الأحيان: المال، والشهرة، والاستعراض، والسخرية، والتفاهة التي تُقدَّم وكأنّها خفة ظل. أريد أن ترى الفتاة أن الشاب يمكن أن يكون جذابًا من دون أن يكون مستعرضًا، قويًا من دون أن يكون فظًا، ناجحًا من دون أن يكون متكبرًا، ومحبوبًا من دون أن يكون تافهًا. وأريد للشاب القارئ، في المقابل، أن يرى أنّ الأدب، والالتزام، والحشمة، والاحترام، والحياء، ليست عوائق أمام الفتاة لتكون شخصية ممتلئة بالحياة، والذكاء، والمشاعر، والمغامرة. أريد أن تتغير في ذهنه صورة الفتاة الجذّابة: ليست الأكثر جرأة، ولا الأكثر استعراضًا، ولا الأكثر لفتًا للانتباه، وإنّما تلك التي تجمع بين الحيوية والحياء، وبين القوة والأدب، وبين الذكاء والالتزام. أريد أن تتسع أمامه صورة الفتاة التي يمكن أن يختارها، كما أريد أن تتسع أمامها صورة الشاب الذي يمكن أن تختاره شريكًا. أن يفهما الفرق بين الإعجاب العابر والحب الحقيقي. أن يدركا أنّ الحياة لا تنتهي عند الارتباط، بل تبدأ معه مرحلة جديدة من المسؤولية والتفاهم. أن يعرف كل منهما لماذا يحبّ وماذا يحبّ، وأن يدرك لماذا يختار وماذا يختار. وأن يعرف ما الذي عليه أن يناقش قبل الارتباط، وما الأشياء التي تستحق أن يركّز عليها. أن يدرك أن لا وجود للمثالية، وأنّ لكل شخص جوانبه الجميلة وعيوبه، وأنّ الاختيار لا يعني البحث عن شخص كامل، وإنّما عن شخص يمكن تقبّل عيوبه، والتفاهم معه، وبناء حياة مشتركة على أساس من الوعي والاحترام. يمكن أن يقرأ اليافع عن شخصية اتخذت قرارًا، ثم يتوقف ليسأل نفسه: لماذا فعلت ذلك؟ هل كان قرارها صحيحًا؟ ماذا كنت سأفعل لو كنت مكانها؟ ثم ربما يناقش الرواية مع شخص أكبر منه، أو مع صديق، أو مع والديه، أو حتى مع نفسه. وهنا أصل إلى ما أريده تحديدًا من القصص السبع: أن تفتح احتمالات كثيرة أمام القارئ في علاقة الشاب بالفتاة، وفي الحب، والاختيار، والندم، والتردد، والمسؤولية، والالتزام، والنضج. أن تجعل اليافع يناقش شخصيات الرواية وقراراتها ودوافعها وأخطاءها، بدل أن يتلقى مني حكمًا جاهزًا عليها. هذه المناقشة، في رأيي، أهم من أن أعطيه الإجابة، لأنني لا أريد أن أفرض عليه الأفكار فرضًا، وإنّما أريد أن أساعده: كيف يفكر. وهنا أصل إلى فكرة أخرى أؤمن بها كثيرًا: الترفيه لا يمكن أن يكون وسيلة كافية، بمفرده، لبناء الشخصية وتحصيل المعرفة الاجتماعية والسلوكية، لكنه يحفّز الإنسان على البحث، ويثير فضوله، وقد يعرّفه إلى فكرة أو كتاب أو شخصية أو قضية لم يكن ليبحث عنها من تلقاء نفسه. ويستطيع، من خلال التكرار والمشاهدة والتعلق بالشخصيات، أن يعزّز قيمًا

Ulter
مقالات عامّة

البدائل الآمنة والهادفة في المجال القصصيّ والروائيّ

جميلةٌ هي القصَّة، قريبةٌ من الوجدان، ومحبَّبةُ إلى النَّفس، وحين تُعرَض شخصياتها بإحكامٍ وإتقان، وتُدرس أفكارها بحكمةٍ ودقّة؛ تؤتي ثمارها بيسرٍ وسهولةٍ.   لا شكَّ أنَّ لكلِّ كاتبٍ رؤيته الخاصَّة، ولكلِّ عملٍ فنّيٍّ رسالة وهدف، منها النبيل ومنها عكس ذلك، فثمَّة من يستميت لزراعة الشوك والحنظل والصبَّار، ويبثُّ السمَّ في العسل، فيكرِّس وقته، وجهده، وفكره، وإبداعه في سبيل ذلك.   دعونا ندرج الروايات والقصص بأشكالها -سواء كانت مقروءة، أو مرئية، أو مسموعة- تحت بند الفنّ الترفيهي، وهو أمرٌ لستَ ملزماً بممارسته، لكنَّك تلجأ إليه لتروِّح به عن نفسك، وتطَّلع على عوالم مختلفة، فتوسِّع أفقك.   على أيامنا –نحن جيل الثمانينيات والتسعينيات- كانت تلك الأعمال أمراً ثانوياً ومحدوداً. فالمقروء منها، هو ما وُجِدَ في مكتبة البيت، أو ما استطعنا استعارته من مكتبات أصدقائنا وأقربائنا، أمَّا المسموع والمرئي؛ فهو ما يصدر عن الإذاعة والتلفاز، من مسلسلات وأفلام، وهي محدودة بطبيعة الحال، وتُعرَض بحضور أفراد العائلة كافَّة.   اختلف الأمر كثيراً هذه الأيام، وبات مثيراً للقلق! فلكلِّ فردٍ من أفراد العائلة جهازه الخاصّ، يقرأ ويسمع ويشاهد ما يشاء، ومتى يشاء.   وفي ظلِّ هذه التطورات الحاصلة وإمكانية استعراض “كلّ” المنتجات عبر شبكة الانترنت، بتنا بحاجةٍ ماسَّةٍ إلى أن نولي فئة “اليافعين” اهتماماً كبيراً وعنايةً واسعة وحمايةً شاملةً.   ومن الجدير بالملاحظة أنَّ “اليافعين” هذه الأيام ينقسمون إلى شريحتين أساسيتين: إمَّا قارئ نهم، أو يافعٌ غير مهتمٍّ بالقراءة وبالكاد يقرأ كتبه المدرسيَّة، أمَّا الشريحة المتوسِّطة بينهما، فلم تعد هي الأغلبية كما في العادة. ونتيجةً لذلك، نجد أنَّ القارئ اليافع، لن يكتفيَ بقراءة الأدب المخصص لليافعين فقط، إذ لديه نهمٌ شديدٌ للقراءة، ممَّا يجعله يتقدَّم خطوةً إلى الأمام ويبدأ بمطالعة الأعمال الأكثر تعقيداً والمقدَّمة للراشدين بطبيعة الحال.   وفي هذا السياق، يتعيَّن على من يكتب ويؤلِّف منتجاتٍ أدبيَّة للـ”الراشدين”، أن يأخذ بعين الاعتبار أنَّ عمله قد يصل إلى أيدي اليافعين، وحتَّى لو لم يلم اليافع بكلِّ الأفكار والمعاني، ولم يصل إلى العمق الكامل وراء رسالة العمل، إلا أنّه ومن المهم ضمان أنَّ المنتج القصصي أو الفنّي لن يسبب أيَّ أذىً غير محسوبٍ من خلال ترويج الأفكار العقائدية المنحرفة، والتطبيع مع الانحرافات بكلّ أطيافها، وإشاعة القسوة والعنف والمشاهد الخادشة للحياء.   ويكمن السؤال الأهمّ: “هل نحن ملزمون بتوفير البدائل؟ ولماذا؟”   يطرح الكاتب سامي فسيح في مقالته: “البديل الشرعي وضعف الانقياد..” سؤالاً مهمَّاً ومحوريَّاً: “هل يلزم الشرع الإتيان بالبدائل في أمور الترفيه؟” ويسرد بعدها جواباً منطقياً وواضحاً يغطِّي محاور عديدة: “قد تتدخل الشريعة ببديل مباح في أمور الترفيه إذا كان فيها ما يُستَنكر، إلا أنه لا يلزمها الإتيان دائما بالبدائل المسموح بها شرعاً لكون باب الترفيه من الأبواب الواسعة والمتجددة في الزمان والمكان، فهو مجال واسع للإبداع البشري لم يقيده الشرع إذا كان في إطار المباح…”، “إن الترفيه إذن من أمور الدنيا المباحة ما دامت تحترم الضوابط الشرعية، والشرع لا يقيدها إلا إذا بدا له فيها قفز إلى جهة الممنوع شرعاً، وقد قال رسول الله ﷺ في قصَّة تأبير النخل أنتم أعلم بأمور دنياكم، وما أحلى الترفيه إذا كان يخدم قضايا الأمة الإسلامية، وينطلق من ثوابتها وأصولها باعتبارها ركائز يبنى عليها الترفيه.” [1]   أوافقه الرأي، فنحن لا نتحدَّث هنا عن بديلٍ لسدِّ الجانب الترفيهي فقط، إنَّما بغرض الاستفادة من تلك الأداة، لإعادة التطبيع مع الأفكار والمبادئ والقواعد السليمة، ووسيلة لعرض واقعٍ حيِّ وعمليٍّ للقيم والمفاهيم النظرية التي نسعى إلى نشرها.   فنحن –على سبيل المثال- بحاجةٍ إلى إحياء صور أكثر نُبلاً وانضباطاً واحتراماً للعلاقة بين الرجل والمرأة، بهدفها، وشكلها، ومضمونها، وحدودها، إذ إنّ التشويه الحاصل في السنوات الأخيرة وصل إلى مرحلةٍ غير مقبولةٍ بتاتاً، ونتيجةً لذلك، علينا أن نهدم أولاً ما تمّ تطبيعه في أذهان الجيل الجديد ومن ثمَّ نعيد بناء صورة معتدلة وطبيعية، لعلَّنا نساعدهم على إيجاد إجابات لأسئلةٍ كـ: لماذا نتزوج؟ لماذا علينا أن نكوِّن أسرة؟ هل المرأة مسؤولة عن خدمة الرجل؟ هل يحقُّ للرجل أن يدير شؤون الأسرة؟ هل؟ هل؟ هل…. تلك الأسئلة التي غدت كمعضلاتٍ غير قابلة للحلِّ نتيجة التشويش والتشويه المتعمَّد من قبل الحركات النسوية، و”شريعة” التنمية البشرية التي تؤكِّد مبدأ الفردانية، وعدم ضرورة الإصلاح الذاتي، وتؤصِّله بشعاراتٍ ما أُريد بها إلا الباطل: لا تخض أي تجربة قد تزعجك! لا تجبر نفسك على التغيير للأفضل! كن كما أنتَ بمساوئك ولا تستمع للآخرين!   البدائل المتاحة   إذا بحثنا في الأعمال المطروحة على أنَّها بدائل سنجد أنَّ أغلبها يتمركز حول المحورين التاليين: التاريخي أو الديني، وبالتأكيد فإنَّ ثمة إشكالية كبيرة في الاقتصار على هذين المحوريين فقط! فالأعمال التاريخيَّة، الحقيقة منها والخيالية، هي أعمال جيِّدة وتحمل في طيَّاتها كثيراً من العبر والصور المُشرقة، لها فوائدها في توضيح المفاهيم والأصول الأساسيَّة بعيداً عن تعقيدات المجتمع الحديث، كما لا يمكن إنكار دورها في تعزيز الانتماء والفخر، لكن ورغم ذلك لا يمكن اعتبارها بديلاً متكاملاً، فهي تطرح المُشكلات بقالبٍ قديمٍ، حتَّى لو أُسقِطَت واستُمدَّت من الواقع الحالي، إذ تبقى أدوات الحلّ وثقافة الشخصيَّات، وأنماط تفكيرها، متناسبة مع حقبةٍ قديمةٍ، ومجدَّداً يجد القارئ نفسه بعيداً عن الشخصيات، وليس قريباً إليهم بما يكفي لاتِّخاذهم نموذجاً متكاملاً يعبِّر عنه أو يمثِّله. أمّا عن الأعمال الدينية، فالتصنيف بحدِّ ذاته غير مفهومٍ بالنسبة لي، إذ لا وجود له على أرض الواقع! كيف يكون العمل دينياً؟! قد تُقدَّم قصَّة قصيرة للأطفال الصغار تحكي عن فضل الأمانة، والصدق، والإيثار، والأخلاق الحميدة كافَّة، وتأخذ انطباعاً دينياً عامَّاً، فتظهر الأمُّ في القصَّة محجَّبةً طوال الوقت، وذات خُلقٍ وحكمةٍ، لغتها لطيفة للغاية ومفرداتها منتقاة بعناية، ونجدها تكرِّر: زوجي الصالح، ابني العزيز، وما إلى ذلك، لسانها يلهج بالذكر والدعاء، وابتسامتها لا تفارق شفتيها، أمَّا الأب، فما إن يصل إلى المنزل، حتَّى ينغمس ويعاون أهل البيت فيما هم فيه، بابتسامةٍ ورضا وصفاءٍ ونقاء… أجد أنَّ بناء شخصياتٍ كتلك في قصَّةٍ قصيرةٍ موجَّهةٍ للأطفال هو طرحٌ مقبولٌ نسبياً، لكن في الأعمال التي تستهدف الشريحة الأكبر سناً، يصبح الأمر شائكاً بعض الشيء، إذ لا يمكننا تقديم شخصية كاملة متكاملة، لا تخطئ، وإلا سنقع في فخ الشخصيّة المثالية، والتي سنتطرَّق إليها لاحقاً. ومع هذا وذاك، ورغم أنَّ الساحة الأدبية والفنيّة لا تخلو من الأعمال البديلة ضمن التصنيفات الاجتماعية والعاطفية والدراما، إلا إنَّ نسبتها ضئيلة مقارنةً مع الحاجة الكبيرة والملحّة.   نقاط الضعف والأخطاء المتكرِّرة في البدائل المتاحة في التصنيفات الاجتماعية   دعونا في البداية نتفق على الأمور التالية، وهي أنَّ القارئ: ذكيُّ للغاية. يملُّ من الرسائل المباشرة. يقرأ الرواية بدافع الاستمتاع في المقام الأول، ومن ثمَّ تلقي الحكم والعبر، وفي كلِّ الأحوال هو لا يقرأ الرواية بهدف نهل العلم والمعرفة. لديه خبرة جيدة في تحليل الشخصيات والحبكات والأحداث. يكشف

Scroll to Top