اسم الكاتب: سحر خواتمي

cards
مسرحيات

مسرحية البطاقات

  فكرة المسرحية   تدور المسرحية حول فتاة فضولية تمتلك عادة أساسية في حياتها: أن تسأل دائمًا “لماذا؟” لكل ما يحدث حولها. تعيش الفتاة مع أمها في جوّ يومي هادئ، حيث يجمع بينهما طقس ثابت كل صباح: جلسة قصيرة تحتسيان فيها القهوة وتتحدثان. من خلال هذه الجلسات، تتحول المواقف اليومية البسيطة إلى فرص للتفسير والتأمل، حيث تحاول الفتاة أن تفهم ما يحدث من حولها من خلال أسئلتها المتكررة. لدى الفتاة بطاقات صغيرة، تكتب فيها الأسئلة التي تخطر في بالها، ثمّ تدون الإجابة التي تحصل عليها أو التي تستنتجها من الحوار مع أمها أو من مراقبتها للأحداث. في البداية، تكون الأسئلة مرتبطة بأمور يومية واضحة، من خلال حديثهم بشكل عفوي. لكن مع الوقت، لا تبقى الأسئلة بسيطة، بل تصبح أعمق وأكثر تعقيدًا، ويبدأ معها عنصر رمزي في الظهور، يتمثل في الشيطان أو صوت داخلي مضاد. هذا الصوت يمنع الفتاة من السؤال تارة، ويزرع الشك في تفسيرها للأحداث تارة أخرى، ويقدم لها قراءات بديلة ومربكة. يتحوّل الأمر تدريجيًا إلى صراع داخلي بين: رغبتها في فهم الرسائل، وقوة مضادة تحاول إرباكها وإقناعها بأن تتجاهل تلك الأصوات بداخلها. الأفكار التي سيتمّ تقديمها، ستكون مرتبطة بالفتاة والأم على حدّ سواء، الأفكار متعلّقة بالأم ستكون على شكل ارتبكات، ونقاش، لكن المعالجة ستبقى عبر الفتاة ومحاولة فهمها للأمور.   الشخصيات مروة الأم الجارة إبليس (أو مونولوج داخلي)   الأدوات بطاقات الدراسة الصغيرة، كوبين، مرآة، عدّة مكياج، كيك من الحفلة، طاولتين وكراسي.   المؤثرات الصوتية الأذان، رنّة الموبايل. المشهد الأول   (غرفة الجلوس، على الطاولة كوبين، تدخل مروة إلى المسرح بحماس، وتعرّف عن نفسها) مروة: أنا مروة، فتاة  فضولية، ومنطلقة، بحب أعرف عن كل شي، وأسأل دومًا: “ليش؟” (تدخل الأم) الأم: فعلًا دائما بتسأل، هلكتني بأسئلتها! مروة: صباح الخير ماما. الأم: صباح النور والنوير. مروة: جبتلك معي أطيب كاسة شاي. (تناول مروة كوب الشاي لوالدتها) الأم: يسلم إيديك وعينيك أجت بوقتها، فايقة اليوم وحلقي عم يوجعني. مروة (تضع كوبها على الطاولة، وتلتفت بسرعة): هلق ليش الواحد حلقه بيوجعه؟ الأم (تبتسم وهي تهزّ رأسها): أيوا طلعوا البطاقات! بس مروة يعني مو على هيك سؤال! مروة (بمرح وفرح): عم أمزح. الأم: شلون الدوام؟ وشلونهم رفقاتك؟ مروة: بتعرفي ماما امبارح منى ما كانت على بعضها. الأم: كيف يعني؟ مروة: ما كانت تحكي متل العادة. الأم: يمكن في شي مضايقها! (الأم تفكر لحظة) أحيانًا بيكون الشخص تعبان، أو زعلان ومو قدران يحكي. مروة: دقيقة دقيقة رح أكتب معك. الأم: أو عنده شي وما قادر يشرحه، أو يمكن بحاجة لوقت لحاله، إنت كمان بتمري بهيك شي، صح؟ مروة: صحيح (ترتبك وبسرعة خاطفة تقول) أنا تأخّرت لازم أحضّر حالي. الأم: لسه في وقت! مروة: لا دوبي!   المشهد الثاني   (تنسحب الأم من المسرح، ويتحوّل المشهد إلى غرفة مروة، توضع أمامها مرآة وعدّة مكياج) مروة (تنظر لنفسها بتركيز): ممم… لا… مو هيك. (ترتّب حجابها، تشدّه قليلًا، ثمّ تتراجع خطوة وتنظر) مروة: لسه مو زابط. (تعدّل الحجاب مرة ثانية، ثم تتردّد لحظة، ترخي الحجاب قليلًا من عند منطقة الرقبة، وتنظر لنفسها) مروة (بصوت خافت): هيك أحلى. (تفتح علبة مكياج، تبدأ بوضع القليل، تتأكد من مظهرها مجددًا، وتكمل وضع المكياج الخفيف، وتقول وهي تضعه) مروة: ليش الواحد بحب يهتم بشكله؟ يالله ليش؟ (موجّه للجمهور) (تنتهي من المكياج وتفتح بطاقة وتكتب) مروة: لأنّه لما بكون مرتب وشكله حلو، بيحسّ حاله مرتاح، وتكون عنده ثقة بحاله، “إنّ الله جميل يحبّ الجمال”. مروة (تنظر إلى ساعتها وتأخذ حقيبتها): تأخّرت، لازم أمشي. (تخرج من المسرح)   المشهد الثالث   (تدخل الأم إلى المسرح مجددا، وهي تتصل الأم بجارتها نهاد)  الأم: مرحبا يا نهاد. الجارة: أهلًا كيفك؟ الأم: الحمد لله، زمان ما شفتك، كيفك؟ نزلي نشرب فنجان قهوة سوا. الجارة: تسلميلي، كلّه بخير الحمد لله، بس شفتي أيام مباركة وفضيلة، فعم يكون عندي برنامج كامل، بين ورد وقرآن. الأم: الله يتقبّل يا رب، ما فيكي تنزلي شوي، هيك نتحاكى، ناخد ونعطي، حاج كلّه عالتلفونات، والتشات. الجارة: خلص، هلأ بنزل منشرب قهوة، وبعدها ببلش بوردي إن شاء الله. الأم: يلا عم استناكي. (يرنّ الجرس -أو يطرق الباب- وتدخل الجارة) الأم: شو أخبارك؟ كيف الأولاد؟ الجارة: كلنا بخير الحمد لله، كيفها مروة؟ الأم: بخير، وكيفها الأمورة الصغيرة؟ الجارة: ييي خلص صارت صبية (بطريقة مرحة) وقال شو عازمة رفقاتها عالبيت بكرة (تضحك) صح تذكرت، بدي أعملهم كيك، ولازمتني طريقة الكيك يلي بتعمليه. الأم: تكرم عينك، أنه واحد؟ الجارة: يلي عملتيه بالعيد الماضي، وجبتيه عالجلسة بالمسجد. الأم: آه كيكة الجزر، ببعتلك الطريقة إن شاء الله. الجارة: شكرًا (تصمت قليلاً ثمّ تكمل) سبحان الله ومن هداك العيد ما عدنا شفناكي، وين هالغيبة؟ الأم: والله ما عدت لحقت أجي عالجلسة، مشاغل وزوج، وولاد، وسق، ونق، ومواعيد، شي دكاترة، شي مدارس، شي ما بيخلص، يعني بتعرفي. الجارة: الله يعطيك العافية ويقويك، إي، بس والله الواحد بحاجة دومًا يلتقي بالأخوات والأحباب. الأم: أكيد طبعًا، بس الحمد لله اليويتوب مليان دروس، كل يوم إلا ما أفتحلي فيديو من هون، مقطع من هوينك، كله فيه فائدة وموعظة. أبدًا ما تاركه حالي، يلي بده يعطي لولاده لازم يتعلّم كمان. الجارة: إي أكيد، لكن الجلسة شيء تاني، حاولي تجي اليوم. الأم: ما أظن أقدر، عندي كذا شغلة، وطبخة كمان. الجارة: صدقيني ما رح تفرق، نحن دومًا مشغولين، فرّغي هالساعتين، رح تلاقي بركة بالوقت وفرق كبير. الأم: المشكلة توقيت الجلسة أبدًا مو زابط، بيجي هيك بعزّ الانشغال، لذلك عم أقلّك كتير أسهل المحاضرات والدروس على النت، بتفتحيها وإنت رايقة بالوقت يلي بدك ياه. الجارة: طيب بدي أسألك سؤال. الأم: تفضلي! الجارة: إنت هلأ لما اتصلتي فيني شو قلتيلي؟ الأم: شو قلت؟ ليقوم زعلتك؟! الجارة (تضحك): لا أبدًا، قلتيلي: نزلي، خلي نشوف بعض، نحكي. الأم: إي! الجارة: نحن بشر وبحاجة نشوف بعض ونتقوّى ببعض، حلو تسمعي دروس على النت، أنا ما أقلل من فائدتها، لكن ما فيها تكون هي المصدر الوحيد، والمشكلة لما الواحد فينا بيقنع حاله إنه هيك خلاص اكتفى، ويترك مجالس العلم الحقيقية. الجلسة… صح بدك تقومي، وتلبسي، وتطلعي، وتروحي. لكن الجلسة مو بس معلومات تنسمع. الجلسة روح، وبركة، وصحبة صالحة، وطمأنينة، غير إنّك لما بتطلعي من البيت بنية طلب العلم، وتحضري بين أخواتك في الله، وتحسي بأجواء المسجد، هاد كلّه بيأثّر بالقلب بطريقة مختلفة تمامًا عن محاضرة عم تسمعيها بالبيت، وكل شوي بقاطعك ولد، أو تلفون، أو شغل بالمطبخ! أمّا بالجلسة، إنت عاطية كل وقتك وتركيزك، للشي يلي عم تسمعيه. هالقلب بده اهتمام، متل كل المواعيد يلي منهتم فيها وما منأجلها. يعني ما بيستاهل القلب موعد خاصّ فيه، يطمئن، ويتقوّى؟ الأم:

Courtroom
مسرحيات

مسرحية المحكمة

الشخصيات الأدوات والديكور الملاحظات المشهد الأول (القاضي يجلس على منصة مرتفعة، المساعد يقف أمامه ويفتش في الأوراق) المساعد (بملل): يا سيادة القاضي… يبدو أنّه لا يوجد لدينا أي زبائن في المحكمة في اليوم! القاضي (يرفع حاجبيه ويضرب الطاولة بالمطرقة القضائية): زبائن؟! نحن لا نستقبل زبائن، بل مدّعين! المساعد (يضحك بخجل): آه صحيح… المدّعون. القاضي (ينظر إليه بجديّة ثمّ يبتسم قليلاً): على أي حال، لا تقلق يا مساعدي العزيز، إذا أحببت، أستطيع أن أكون أوّل مدّعٍ، وأقدّم شكوى ضدك، وأحاسبك أنا شخصيًا! المساعد (مندهش ومذعور): لكنّني… لم أفعل شيئًا، سيدي القاضي! القاضي (يتنهد): حسنًا… انظر حولك! الأوراق مبعثرة في كلّ مكان… الشاي الذي طلبته وصلني باردًا، والدقّاقة تصدر صوتًا غريبًا، أظنّ أنّها تحتاج إلى تزييت. المساعد (مستغرب ومذعور): سيدي القاضي… سأرتّب الأوراق حالًا، أمّا الشاي فليس ذنبي، والدقّاقة… القاضي (يضرب الطاولة ضاحكًا): حسنًا حسنًا، أنا أمزح… (في تلك الأثناء نسمع ضجة، وتدخل الأم وابنتها) المشهد الثاني رزان (غاضبة): هذا غير معقول إطلاقًا! القاضي (مستغرب من الضجة): ما هذه الضجة؟ هدوء! (يضرب الطاولة بالمطرقة القضائية) رزان: سيدي القاضي … (بجديّة كما لو أنّها ستبدأ بسرد الشكوى، تقف قليلاً ثمّ تكمل) صباح الخير! القاضي (باستغراب): صباح النور والسرور! رزان: سيدي القاضي، أنا اليوم هنا لأقدّم شكوى ضد والدتي. القاضي: ما شاء الله، ونِعم التربية! تفضّلي يا ابنتي! رزان (بعصبية وانفعال): أمي تتدخل في كلّ شيء بحياتي! حتى أصغر قراراتي، تقول لي ماذا أفعل وماذا لا أفعل! أم رزان (بهدوء): رزان، يا قلبي… أنا لا أريد السيطرة، أنا أحبّك… وأحاول أن أحميك وأرشدك لتجنّب الأخطاء. رزان (تقاطعها): هذه ليست حماية، هذا تحكّم! تريدين أن تختاري كل شيء لي حسب مزاجك… أصدقائي، هواياتي، وحتى ملابسي! أم رزان: أنا؟ (يبدأ الجدال بينهما) القاضي (يقاطعهما ويضرب بالمطرقة): هدوء، هدوء يا “نساوين”، الله يرضى عليكم! المساعد: ليتنا بقينا على كأس الشاي البارد! القاضي (موجّها كلامه لرزان): حسنًا، هل لديك أدلّة على ذلك؟ المساعد (ينادي): فلتعرض المدعية رزان أدلّتها أمام المحكمة. رزان: سأروي لكم ما حدث البارحة، في الصباح، عندما كنت على وشك الخروج، نادتني أمي بانفعال: “كيف ستخرجين هكذا؟ الطقس اليوم بارد جدًا!” – لبست معطفًا، ثمّ حين رأتني قالت: “لا، هذا أيضًا خفيف! أضيفي طبقة أخرى!” حتّى شعرت أنني ذاهبة إلى القطب الشمالي، لا إلى المدرسة! وعند عودتي من المدرسة، جلست لأكتب واجباتي، وراحت تتدخل: “اكتبي هكذا… لا، امسحي هذه… أعيدي هذه!” هل هو دفتري أم دفترها؟ واجبي أم واجبها؟ وعندما أردت الخروج مع صديقاتي، بدأت التحقيق: “أين؟ متى؟ لماذا؟ ومع من؟ وكم ستبقين؟” شعرت أنّني في استجوابٍ رسميّ! وعندما كنت أتحدّث على الهاتف، سألتني عشر مرات: “مع من تتحدثين؟ ولماذا تضحكين؟” لدرجة أنّ صديقتي خافت وقالت: “سأكلمك لاحقًا!” وقبل أن آتي إلى المحكمة، قالت لي: “غيّري ملابسك، هذا اللباس لا يليق بالمحكمة!” القاضي (يسند خده على يده): عدنا إلى خزانة الملابس! رزان: لذا يا سيدي القاضي، أريد أن تنظر في هذا الأمر وتعيد لي حقّي وحريتي. (يُطرق باب المحكمة قبل أن يتحدث القاضي) المشهد الثالث المساعد (يفتح الباب): زبون آخر! أهلًا وسهلًا! (تدخل حنان ووالدتها، أمّا رزان ووالدتها فتتنحيان إلى طرف المسرح) القاضي: خير، اللهم اجعله خير! حنان: سيدي القاضي (بجديّة كما لو أنّها ستبدأ بسرد الشكوى، تقف قليلاً ثمّ قبل أن تكمل) القاضي (بطريقة يقلّد فيها رزان قبل قليل): صباح الخير! تفضّلي! حنان (بملامح استغراب فكاهية، ثمّ تعود للملامح العادية الجادّة والحزينة): سيدي القاضي، والدتي لا تهتم بي أبدًا! كأنّني غير موجودة… حتّى عندما أحتاجها، لا تجد وقتًا لي. أم حنان (هادئة): حنان، يا قلبي… أنا أحبك، وأحاول أن أعطيك الحرية لتختاري بنفسك، ولتتعلّمي من تجاربك، وتصبحي قوية ومستقلّة. رزان (تقاطعها): هذه ليست حرية، هذا إهمال! تريدين أن ترتاحي من مسؤوليتي، وتلتفتي فقط لنفسك! أم حنان: أنا؟ (يبدأ الجدال بينهما) القاضي (يضرب بالمطرقة): هدوء، هدوء يا “نساوين”، الله يرضى عليكم! المساعد: ليتنا بقينا على الأوراق المبعثرة! القاضي (موجّهًا كلامه لحنان): حسنًا، هل لديك أدلّة على ذلك؟ المساعد (ينادي): فلتعرض المدعية حنان أدلّتها أمام المحكمة. حنان: سأروي ما حدث البارحة، في الصباح، استيقظت وجهّزت نفسي، وكانت أمي موجودة، ابتسمت لي وقالت: “صباح الخير يا حبيبتي”، لكنّها لم تعبّر عن رأيها حول ملابسي، كنت أتمنّى لو قالت: “هذا أجمل” أو “هذا لا يناسب الطقس”، وعند عودتي من المدرسة، جلست لأخبرها عن يومي، لكنّها لم تسأل عن التفاصيل، فقط استمعت، وعندما أردت الخروج مع صديقاتي، قالت: “اذهبي واستمتعي”، دون أسئلة، دون قلق… ألا يهمّها أمري؟ وحتّى قبل المجيء إلى المحكمة اليوم، سألتها: “هل ملابسي مناسبة للمحكمة؟” فقالت: “أنتِ حرة يا حبيبتي، اختاري ما يعجبك”! القاضي (يسند خده على يده): عدنا إلى خزانة الملابس! حنان: لذا يا سيدي القاضي، أريد أن تنظر في هذا الأمر وتعيد لي حقّي في الاهتمام والرعاية. المشهد الرابع القاضي (وهو يفرك ذقنه): هل تفكّر بما أفكّر؟ المساعد: نعم يا سيدي القاضي. (يقف ويدور حول الطاولة ويتأمّل القاضي الفتاتين والوالدتين ثمّ يكرر سؤاله لمساعده) القاضي: هل خطر ببالك ما خطر ببالي؟ المساعد: نعم يا سيدي القاضي. القاضي (يعود إلى منصته ويضرب بمطرقته القضائية): حكمت المحكمة بتبديل الأمّهات والفتاتين… أم رزان ستكون أم حنان، وأم حنان ستكون أم رزان، حكمًا نهائيًا غير قابلٍ للطعن. (الفتاتان تتفاجآن وتتوسلان) رزان وحنان: لا سيدي، لا نريد تبديل أمّهاتنا! القاضي (بأسلوب فكاهي): “احترنا يا أقرع من وين نمشطك!” رزان: لقد فهمتَ الأمر بشكلٍ خاطئ يا سيدي! القاضي: أنا؟ (بطريقة تشبه طريقة الوالدتين سابقاً) حنان: أنا أحبّ والدتي، ولا أريد تبديلها، لكن أريد أن تفهمني أكثر. رزان: أنا كذلك… القاضي: جميل جميل، لكن ماذا عنكما؟ ألا تريدان أن تفهماهما أنتما أيضاً؟ القاضي (يتابع وهو يمشي ويتحرك): أخبراني، هل حاولت أيّ منكما أن تفهم لماذا فعلت والدتها كذا وكذا؟ هل حاولت أن تصغي لأسبابها؟ هل حاولت أن تستفسر وتسأل من أجل الفهم؟ لا من أجل الاستنكار؟! الأمّ، لا تحتاج أن تشرح تصرّفاتها، فحبّها للأبناء أمرٌ مفروغ منه. الأمّ، لا تُسأل: لماذا تفعلين هذا؟ فالإجابة دائمًا واحدة… لأنّها تحبّ. الأمّ، لا تحتاج لأن تُوضح نيّاتها، فحبّها للأبناء يفهمه القلب قبل الكلام. (ينفعل القاضي كما لو أنّه يخرج عن السياق، يمكن تأديته بطريقة انفعالية فكاهية) الأم! حضنٌ دافئٌ لا يُعوّض. الأم! قلبٌ كبيرٌ يسعُنا مهما أخطأنا. الأمّ! مدرسةٌ إذا أعددتها أعددت شعباً طيب الأعراق. الوالدتان: هوّن عليك سيدي القاضيّ! (يعود القاضي إلى الحالة الطبيعية ثمّ يوجّه الكلام للأمهات) القاضي: وأنتنّ عزيزاتي الأمّهات، أعلم أنّكن تردن مصلحة بناتكنّ وأولادكنّ، ومساعدي يعلم ذلك أيضًا، والجمهور كذلك يعلم (ينظر إلى الجمهور ويوجه السؤال لهم) أليس كذلك؟ لكن يا عزيزاتي، أحيانًا قد يتحوّل الحبّ الزائد إلى ضغطٍ

مسرحية أيام شوال
مسرحيات

مسرحية أيام شوال

  الخط الأساسي للمسرحية   الشخصيات الأساسيّة أيام شوال: شوال 1، شوال 3، شوال 9، وممكن تاريخ يوم الحفلة أو (شوال 11) الرواي حنان: لا تظهر على المسرح. المسرحية   الراوي: كان يا ما كان، كان في صبية اسمها حنان مرّ عليها أحلى رمضان كان قلبها عمران بالإيمان، والنفس بسكينة وأمان تنام وتفيق، ومعها القرآن، صلوات الخمسة ونوافل كمان ذكر ودعاء ومناجاة وأحلى الكلام وضياع وقت؟ لأ… ما كان! والكل مبسوط منها ورضيان مرّ رمضان، وأجى العيد بسلام، بس يا ترى، شو صار يا خلّان؟!   (على الشاشة: نعود إلى ليالي رمضان، كي يُفهم سياق تسلسل التقويم وتحريكه، نرى مسجد، تُسمع أنغام: رمضان تجلى وابتسم، ثمّ يا رفاقي ودّعوا شهر الصيام، يظهر التاريخ 28 رمضان، ثمّ 29 رمضان، ثمّ تتحول الأنغام إلى تكبيرات العيد. مع ظهور شوال 1، يدخل ويحيّي الجمهور، يتحرّك التقويم: شوال 2 (دون دخول)، ثمّ 3 (دخول)، ثم تخفّ الأهازيج، ثمّ 4،5،6،7،8 (يدخل شوال 9)، في المحصلة: لدينا الآن على المسرح: شوال 1، شوال 3، شوال 9) (مع دخول 9 شوال) شوال 9: مرحبا، كيفكم، كيفك يا عيد؟ (وهو يخاطب شوال 1) شوال 1: كالعادة، سعيد! شوال 1: وأنتو كيفكم؟ شوال 3، شوال 9: الحمد لله! شوال 3: بما أنّه اجتمعنا هالجمعة الحلوة، شو رأيكم نلعب لعبة؟ شوال 9: اي! ليش لأ، شو نلعب؟ شوال 3: شو رأيكم نلعب “تلفون خربان” شوال 1: اي، بس عن شو نعمل الموضوع؟ شوال 9: شو رأيكم نحكي عن شو عملت حنان لما مرّينا عليها؟ شوال 1: إي فكرة حلوة كتير! أنا رح أبدأ (يتحمّس الجميع، ويوافقون، يجلسون على الكراسي بالترتيب من 1 إلى 9)   (وتبدأ الجولة الأولى)   شوال 1 (يهمس بثقة في أذن شوال 3 بصوت مسموع للجمهور): حنان فاقت على صلاة الفجر، صلت السنة، بعدها الفرض، وبدأت يومها بأذكار الصباح شوال 3 (يهمس في أذن شوال 9 بشيء من الاستغراب): حنان فاقت على صلاة الفجر، صلت السنة، بعدها الفرض، ورجعت نامت. شوال 9 (يستغرب مما يسمع ثمّ يقول بشيءٍ من الحزن): حنان فاقت على صلاة الفجر، صلت الفرض فقط! (هنا يظهر الحزن على الجميع، يستدرك شوال 1 الأمر) شوال 1: رح نرجع نحاول مرّة تانية!   (الجولة الثانية)   شوال 1 (بثقة): حنان قرأت ورد القرآن بتدبّر شوال 3 (بشيء من الاستغراب): حنان قرأت صفحتين فقط! شوال 9 (بشيء من الحزن): ما قرأت حنان إلا المعوذات قبل ما تنام! (يظهر الحزن على الجميع مجددًا، ويحاول شوال 1 استدراك الأمر) شوال 1: شو هاد؟ رح نرجع نحاول! إلا ما تزبط!   (الجولة الثالثة)   شوال 1 (مع مزيج من الثقة والقلق): حافظت حنان على وقتها، وما استخدمت تلفونها إلا لمعايدة الأقارب والأصدقاء شوال 3 (بخيبة أمل): ضيعت حنان ساعة كاملة لحتى تختار فلتر لصور العيد يلي بدها تبعتها لرفقاتها شوال 9 (بحزن وأسى): فعّلت حنان كل الحسابات اللي سكرتها في رمضان، وعم تضيع ساعات على الريلز! (يظهر الحزن على الجميع) شوال 1: شو هالكلام؟! شوال 9 كتير عم تتغيّر معك الأشياء، هالمرّة رح أختار شغلة مضمونة!   (الجولة الرابعة)   شوال 1 (بثقة مفتعلة): صلّت حنان فروضها الخمس في أول الوقت، ومع السنن الرواتب. شوال 3 (وهو يهزّ برأسه ويرفع حاجبيه): صلّت حنان فروضها الخمس فقط! (ينظر شوال 1 وشوال 3 إلى شوال 9 بقلق) شوال 9: صلّت حنان فروضها الخمس… (يتنفسون الصعداء، ثمّ يكمل بحزن) لكن عم تأخّر الصلاة كتير! (ينظر الثلاثة إلى التقويم على الشاشة وهو يتحرّك، إلى 10، ثمّ 11) شوال 1: ما معقول؟ ليش هيك عم يصير؟! شوال 3: يا جماعة، رح ينضم إلنا شوال 11 بعد شوي، أنا خايف يتدهور وضع حنان أكتر! شوال 9: ليكو وصل شوال 11! (يعمّ الصمت، تُخفّض الإضاءة قليلًا، صوت دقّات خفيفة على الباب، تلتفت الأيام نحو الباب ببطء) (يدخل 11 شوال بخطوات مترددة، رأسه منخفض، وملامحه حزينة) شوال 11: السلام عليكم! الأيام (بصوت غير متماسك): وعليكم السلام! كيف الوضع؟ كيف صارت حنان؟ شوال 11: والله ما لي عرفان شو بدي أقول! حنان فوتت صلاة الظهر اليوم! الجميع: معقول؟ شوال 11: وتدهورت أخلاقها في البيت! شوال 3: مستحيل هي مو حنان نفسها يلي حكتلنا عنها أيام رمضان! شوال 9: كيف وصلنا لهون؟ ما عم أصدق؟ شوال 11: بدأنا بالتهاون، بعدها بالتأجيل، بعدها صار عادي! وكل يوم بتقول بكرة بعمل، وبكرة بلتزم، وبكرة وبكرة، وما عم تعمل شي! شوال 3، شوال 9: ضاع كلّ شي! شوال 1 (بشيء من القوة بعد الضعف): لأ، ما فات الأوان، لسه في أمل! شوال 9: أمل؟ شوال 1: إي أمل، مو شرط يكون الشخص دومًا بالقمة… مرّات بكون قوي، ومرّات ضعيف، بس المهم أنّه يحاول ويضل ثابت على الطريق الصحيح، يحافظ على فروضه وما يتهاون فيها، ويرجع شوي شوي، للذكر، والقرآن، ويبعد عن ضياع الوقت، والذنوب، تمامًا متل ما كان عم يعمل برمضان، ولازم الشخص يكون معه مين يعينه، يذكّره، ويقويه، ويتسلّح دومًا بالعزم، بالتصميم، بالإخلاص، بقوة الإيمان، وأكيد بالعمل! (ممكن إضافة الحوار التالي، لتقديم درس المعلمة، فالمسرحية تحتاج إلى درس وعظي لتفصيل الأساليب والخطوات التي تعين على الثبات بعد رمضان إن شاء الله) شوال 9: بس كيف؟ شوال 3: هلأ رح نشوف كيف… تمّت   شكر خاصّ: لفتيات ومعلمات مجموعة “قدوة”، ولمشرفات مسجد الرحمة في مدينة دارمشتات.   ملف المسرحية PDF ملف الخلفيات PDF

Heart_theater
مسرحيات

مسرحية القلب السليم

  شخصيات المسرحية   شخصية إبليس: مركز الثقل في المسرحية، يجب أن تكون الممثلة متمكنة من اللغة ولديها مهارة بالتمثيل ولديها لغة جسد قوية. الشخصية: ذكية، ماكرة، شريرة، تبرع في التلاعب بالكلمات، ونبرات الصوت تفهم النكتة وتتفاعل معها، وفي آخر المسرحية سيطرأ تغيير بسيط على الأداء. اللباس: عباءة طويلة داكنة، قرنين بلون أحمر كرزي، ملامح تعطي انطباع الغموض والشر. يوتيوب: الشخصية: تحب أن تكون مركز الانتباه، تميل إلى الشرح المطوّل. اللباس والأداء: أحمر، اللوجو على الصدر، وتحمل على طرف خصرها لوحة (skip ad). واتساب: الشخصية: شخصية فضولية، تحشر أنفها في الأحاديث. اللباس: أخضر، اللوجو على الصدر، لديه الكثير من الإيموجي، واستيكرات ملصقة عليه، في كلّ مرة تتحدث، تعمل حركة “الفقشة” بطريقة ظريفة. فيسبوك: الشخصية: تبدو أكبر سنّا من الآخرين، اجتماعية. اللباس: أزرق، اللوجو على الصدر. إنستغرام: الشخصية: فتاة أنيقة، مبهرجة، دائمة الابتسام. الملابس: ملابس عصرية ملونة (برتقالي وبنفسجي)، اللوجو على الصدر، إكسسوارات ملفتة. تيك توك: الشخصية: أصغرهن سناً، ساذجة، إجاباتها غير مترابطة بسبب عدم قدرتها على التركيز. الملابس: ملابس باللون الأسود، اللوجو على الصدر، قبعة مقلوبة أو هودي، تتراقص طيلة الوقت. شخصيات المشاهد التمثيلية: هناء: عمرها 14 سنة تقريباً. لديها فضول لاكتشاف الجديد، لا تزال مشوشة، مزاجها متقلّب بالمعدل العادي لليافعين، عاطفية. ستتطور الشخصية لتصبح أكثر توازناً، تعرف ماذا تريد، وما هو المطلوب منها، وتحاول تنفيذه. والدة هناء: متوترة بعض الشيء، ومرتبكة في شأن التربية، ستتطور لتفهم مسؤولية التربية بشكل أوضح وتطوّر أدواتها وطريقتها مع ابنتها. منى: صديقة هناء، والداعم النفسي لها. المعلمة، وبنات الحلقة (لمشاهد الصور).     المسرحية   الفصل الأول   المشهد الأساسي (الاجتماع) والذي يتضمّن أربعة مشاهد تمثيلية فرعية (تبدأ المسرحية، والمنصة فارغة، الكراسي مصفوفة، وهناك لافتة مغطاة، ونضع ملف صوتي يجمع عدة أصوات للتنبيهات (للنوتيفيكيشن)، وصوت ضغطة الإعجابات (اللايكات)، وبعض الأصوات المشهورة في إعلانات اليوتيوب، وما إلى ذلك… ووسط هذه الأصوات يصعد إبليس المنصة، يتحرك قليلاً ثم يرفع الغطاء عن اللافتة (أو تكون معروضة على البروجيكتر) فيظهر عنوان المؤتمر: “المؤتمر السنوي للإفساد العالمي“، يبتسم ويفرك يديه بمكر ثمّ يجلس على الكرسي، يتفحّص بعض الأوراق المرمية على الطاولة التي أمامه، ويهزّ رأسه مبدياً رضاه وإعجابه، ثمّ ينظر إلى ساعته). هناك عنصر رمزي في المسرحية، وهو قلب أبيض كبير معلّق، يرمز إلى قلب هناء، والذي ستلصق عليه نكات، كل نكتة تعبر عن أثر سيء على القلب السليم. إبليس (متلفّتًا): أَيْنَ هُمْ؟ سَيَبْدَأُ الِاجْتِمَاعُ حَالًا. (يصل فيسبوك، يحيّيه إبليس بطريقة تحثّ الجمهور على التصفيق، وحين ينتهي التصفيق) إبليس: تَعَالَ يَا فيسبوك، تَعَالَ يَا قُرَّةَ الْعَيْنِ، وَمُهْجَةَ الْفُؤَادِ، اجْلِسْ هُنَا. (صوت تصفيق، يدخل فيسبوك بكبرياء وثقة وعلى وجهه ابتسامة صغيرة، ويجلس على الكرسي وهو يقول بفخر أو يظلّ واقفا، حسب ديكور ومساحة المسرح) فيسبوك: شكرًا، شكرًا! إبليس: وَالآنَ رَحِّبُوا مَعِي بمَلِكِ الْفِيدْيُوهَاتِ، وَإِمْبِرَاطُورِ الْوَهْمِ والشُّورتَات. يوتيوب: شكراً. (صوت تصفيق، يدخل ويحيي الجميع، ويشير إليه إبليس بالجلوس) إبليس: وَالآنَ بِالْجَمِيلَةِ الرَّشِيقَة، الرَّائعةِ الرَّقِيقَة: إنستغرام، مَلِكَةُ الْعِشْقِ وَالْغَرَامِ. (تصفيق، وتدخل إنستغرام كما لو أنّها على منصة عرض أزياء، ترسل قبلات مع تنفيذ حركة القلب -بكلّ أشكالها- للجماهير وتجلس) إبليس: واتساب تَبّاً لهُ، أينَ هو؟ (ثمّ يدخل واتساب وهو يضحك) واتساب: آسِف، كَانَ لَدَيَّ مُحَادَثَةٌ مُهِمَّة. إبليس: وَأَخِيرًا وَلَيْسَ آخِرًا، زعيمُ التَّفاهَة، وخبيرُ الانحِطَاطِ والبلاهة، هَا هُوَ تيك تووووووك. (يدخل تيك توك بطريقة “مهرجلة”، يمشي من الخلف إلى الأمام، ومن اليمين إلى اليسار، إلى أن يتذمّر منه إبليس، ويجلسه بنفسه في الكرسي) (يجلس الجميع، بشكل أفقي يتوسطهم إبليس، لتكون وجوه الجميع مقابلة للجمهور، مع انحناءة بسيطة على الجوانب، الترتيب كالتالي من اليمين إلى اليسار: إنستغرام، فيسبوك، إبليس، يوتيوب، واتساب، تيك توك، ثمّ يفتتح إبليس الاجتماع قائلاً) إبليس: كَمَا تَعْلَمُونَ يَا أَعِزَّائِي، نَعَقِدُ الْيَوْمَ اجْتِمَاعَنَا السَّنَوِيَّ، لِنَتَفَقَّدَ مُنْجَزَاتِنَا مَعَ الْمَدْعُوَةِ “هَنَاء”، وَنَدْرُسَ التَّحَدِّيَات، كَيْ نَتَعَاوَنَ فِيمَا بَيْنَنَا، لِنَصِلَ إِلَى أَفْضَلِ نَتَائِجَ فِي الإِفْسَادِ. هَيّا يَا يوتيوب، سَنَبْدَأُ مِنْ عِنْدِكَ الْيَوْمَ، أَخْبِرْنِي عَنْ آخِرِ إِنْجَازَاتِك، لَكِنْ أَرْجُوكَ بِدُونِ إِعْلَانَات. (يقف يوتيوب ليشرح إنجازاته بفخر، يفتح حاسوبه وممكن مشاركة ما يراه عبر البروجكتر، وإذا كان المسرح صغيرا وليس فيه تقنيات الإضاءة، من الأفضل أن يخرج البقية، ليبقى التركيز على المتحدثين في المقطع). يوتيوب: سيدي العزيز، إِلَيْكُمْ تَقْرِيرًا عَنْ إِنْجَازَاتِي، لَقَدْ تَابَعَتْ هناء خِلَالَ الْعَامِ الْمَاضِي: خَمْسَ مَسَلْسَلَاتٍ، بِمَجْمُوعِ مِئَةٍ وَسِتِّينَ حَلْقَة. ثَمَانِيَةَ أَعْمَالِ أَنِمِي، بِمَجْمُوعِ مِئَتَيْ حَلْقَة، عُرِضَ فِيهَا كُلُّ أَنْوَاعِ السِّحْرِ وَالْكُفْر (إضافة كلمة بالياباني). سِتَّةَ أَفْلَامٍ، وَأَرْبَعُونَ مقْطَعًا عَنْ أَخْبَارِ مشاهير السوشيال ميديا، بِالإِضَافَةِ إِلَى أَكْثَرَ مِنْ أَلْفِ مقْطَعٍ قَصِيرٍ تَافِه. الْمَجْمُوعُ الْعَامُ لِلْسَّاعَاتِ يَا سيدي: يُعَادِلُ اثْنَيْ عَشَرَ يَوْمًا كَامِلًا مِنْ عُمُرِهَا فِي هَذَا الْعَامِ وَحْدَه! إبليس (بإعجاب): جميل، جميل! (بقية الشخصيات تعبّر عن تفاعلها مع الأخبار، ببعض الرقصات والحركات الترند حسب كلّ منصة). يضع يوتيوب نكات حمراء اللون على القلب الأبيض. (يقترب يوتيوب مجدداً، وهو يقول) يوتيوب: وَفِي الْمَحْصِلَةِ، هِيَ لَا تَنَامُ جَيِّدًا، تَأَخَّرَتْ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِ مَرَّاتٍ عَلَى الْمَدْرَسَةِ، وَتَدَهْوَرَتْ عَلاَمَاتُهَا فِي مَادَّتَي الرِّيَاضِيَاتِ وَالتَّارِيخِ بِسَبَبِ ضَيَاعِ الْوَقْت، كَمَا أَصْبَحَتْ تَشْرُدُ كَثِيرًا أَثْنَاءَ الْحِصَص، وَبَدَأَتْ تُعَانِي مِنْ تَعَبٍ فِي الْعَيْنَيْن. (ويلوّح يوتيوب لإبليس، ليدخلا إلى المشهد التمثيلي الأوّل) (في المسرحية ستكون المشاهد التمثيلية أمام الخط الذي يجلس فيه البقية -حسب ترتيب الديكور- في كلّ مرة نخرج لمشهد تمثيلي، يصبح التركيز على المشهد، وينضم إلى المشهد أحد الأدوات، مع إبليس، ثمّ يعود التركيز إلى المشهد العام، مع خروج شخصيات المشاهد التمثيلية).   المشهد التمثيلي الأوّل (تدخل هناء إلى المشهد تبدو على غرفتها الفوضى، تجلس ثمّ تقول) هناء: ما هذا الملل؟ (يجلس يوتيوب على يمينها، وإبليس على يسارها، وتفتح هاتفها) يوتيوب: افْتَحِي هَذَا الفيديو عَنْ جورجينا، وَالْآن افْتَحِي ذَاك، لِمَاذَا لَا نُتَابِعُ هَذَا الْفِلْم؟ طَيِّب، مَا رَأْيُكِ بِهَذَا الْمُسَلْسَلِ؟ ابْدَئِي فِيهِ، وَنَسْتَطِيعُ إِنْهَاءَهُ خِلَالَ يَوْمَيْنِ فَقَطْ، أَعِدُكِ بِذَلِك… صوت الأم (تنادي): هناء، هناء، تَعَالَيْ يَا ابْنَتِي! هناء: يووووه (على وشك إغلاق الهاتف) إبليس: لَا تُغْلِقِي هَاتِفَكِ، اصْبِرِي قَلِيلًا. (يصفّر إبليس لإنستغرام ويقول) إبليس: هَيَّا إنستغرام، تَعَالَيْ بِسُرْعَةٍ! (يتبادل يوتيوب وإنستغرام المكان، مع حركة “give me five”).   المشهد التمثيلي الثاني (تتابع هناء التقليب في هاتفها، تقترب إنستغرام وتجلس على يمينها، وإبليس لا يزال على يسارها) إنستغرام (وهي تلعب بشعرها وتمضغ علكة): تَعَالَي يَا هناء لِنُلْقِيَ نَظْرَةً سَرِيعَةً عَلَى الإنستا، اُنْظُرِي مَاذَا تَلْبَسُ هَذِهِ؟ واو، كَمْ يَبْدُو الْفُسْتَانُ جَمِيلًا! إبليس: سَيَبْدُو أَجْمَلَ لَوِ ارْتَدَيْتِهِ أَنْتِ! تَبًّا لِهَؤُلَاءِ الْمَشَاهِيرِ، أَنْتِ أَجْمَلُ مِنْهُمْ، بِالْمُنَاسَبَةِ لِمَاذَا لَا تُقُومِينَ بِتَحْمِيلِ صُوَرٍ لَكِ عَلَى صَفْحَةٍ عَامَّةٍ؟ صَدِّقِينِي سَتَحْصُلِينَ عَلَى مُتَابِعِينَ كُثُرٍ، أَنْتِ جَمِيلَةٌ، وَرَشِيقَةٌ، وَأَنِيقَةٌ… هناء: صَفْحَةٌ لِي؟ إبليس: نَعَمْ! لِمَ لا؟! هناء: لَكِنَّ وَالِدَتِي لَن تَقْبَلَ بِذَلِكَ. إبليس: لَن تَعْلَمْ، ضَعِي اسْمًا مُسْتَعَارًا. هناء: لَا لَا،

OVA6_Adam
فصول خاصّة

خسوف

آدم  |  سبتمبر 2025   كانت الساعة السادسة والنصف مساءً حين هبطت الطائرة على المدرج، بعد رحلة استغرقت أكثر من سبع ساعات. انتهيت من إجراءات الدخول، ثمّ توجهت إلى الصالة الخارجية، وبينما كنتُ أفعّل شريحة الهاتف سمعتُ أحدهم ينادي:   نوّرت لندن يا زعيم! استدرتُ حولي فإذا به أسيد؛ سلَّمت عليه وعانقته بقوة، ثمّ نظر إليّ وراح يعبث بشعري وهو يقول:   أين شعرك الكثيف البني؟ لقد شبِتَ باكرًا يا رجل! سألته وأنا أضحك:   وأنتَ ما هذا الكرش؟ فردّ بسخرية:   ستنضم إلينا عاجلًا أم آجلًا، انتظر وسترى. التفتُ وسألته:   أين يزن؟ ينتظرنا في السيارة، لديه اجتماع. ألا تنتهي اجتماعاته؟ هذه ضريبة العمل الحرّ. سحبت حقيبتي وانطلقنا معًا، وهناك في مرآب السيارات كان يزن يقف أمام السيارة؛ وحين لمحنا أنهى مكالمته ثمّ أسرع نحونا وهو يلوّح قائلاً:   آدم في ديارنا، يا للسعد والهناء! أكان من الضروري أن تنتظر كلّ هذه المدّة لتزورنا؟ يجب أن نشكر مديرك في العمل. أخذني بين ذراعيه، وبعد السلام الحارّ صعدنا إلى السيارة، فسألني أسيد وهو يستعدُّ للانطلاق:   ما رأيك أن أوصلك إلى الفندق أولًا لتأخذ قسطًا من الراحة؟ ثم نذهب للعشاء معًا. لا، لست متعبًا. ألم تقل قبل قليل إنّك متعبٌ للغاية؟ أجاب يزن:   استعاد نشاطه برؤيتنا. تنهّدتُ وأجبتهما بجديّة:   نعم! هذا صحيح! نظر أسيد إلى ساعته ثمّ قال:   أتعلمان؟ سيبدأ الخسوف الكلّي بعد قليل حالما يشرق القمر. فردّ يزن:   آه هذا صحيح، إذن نستطيع مشاهدة الحدث. انطلقنا، وحين أصبحنا على الطريق السريع بدأنا بالبحث عن القمر، فالسماء لم تكن قد أظلمت بعد. قال أسيد بينما كان يركّز في الطريق:   ابحثا في الجهة المقابلة لغروب الشمس، يجب أن تجداه. جعلت أحدّق في السماء، وفجأة وجدته بالفعل؛ بدا القمر كدائرةٍ زرقاء لها محيط زهريّ فاتح، لكن سرعان ما تغيّر المشهد عندما غربت الشمس تمامًا، إذ أصبح القمر واضحًا تمامًا: أحمر دامٍ! كان السائقون من حولنا يقودون سياراتهم ببطء، بينما توقف بعضهم على الطريق السريع للاستمتاع بمراقبة تلك الظاهرة الفريدة، فاقترح أسيد أن نتوقف قليلًا في أحد مواقف الاستراحة لنشاهد خسوف القمر الكلّي، ونصلّي المغرب، ثمّ نؤدي ركعتي صلاة الخسوف. قلت له:   لكنّي لستُ متوضئًا! نكزني يزن وأشار بيده إلى صندوق السيارة الخلفي، ففهمتُ أنّ أسيد يصطحب معه المعدات اللازمة للوضوء والصلاة. فتحت صندوق السيارة، وبالفعل وجدتُ كلّ ما أحتاجه: ماءً، مناشف، أحذية خفيفة، وسجاداتٍ للصلاة. توضأتُ وشرعنا في الصلاة وأمَّنا أسيد. لقد مرّت سنوات طويلة لم أصلِّ فيها خلف أسيد، ويبدو أنّ صوته خلال تلك السنوات أصبح أكثر عذوبة، وقراءته أكثر خشوعًا. فرغنا من الصلاة، وحينئذٍ كان القمر قد بدأ بالبزوغ مجددًا؛ لم تكن فترة الخسوف الكلّي طويلة في لندن، إنّما كانت عابرة وسريعة. توقفنا نحن الثلاثة نتأمّل هذا المشهد المهيب بهدوء، إلى أن قاطع أسيد تأمّلنا قائلاً:   الحمد لله على نعمة الإيمان! المساكين يتأمّلون المشهد بحرمان! تنهّد قليلاً ثمّ أردف:   ما أجمل الشعور الذي ينتابنا حين نقول: “سبحان الله” ونحن نتأمّل عجائب خلقه وبديع صنعه، ونرى عظمته وجلاله، ونستشعر فضله علينا. هذا القمر بجماله وضيائه وبزوغه وخسوفه وشروقه وكلّ تحركاته سُخِّر لنا نحن! اللهم لك الحمد. صمتَ لبرهة ثمّ وجّه كلامه للقمر قائلاً:   ربّنا وربّك الله. كررتُ ما قاله في سرّي، وعدنا إلى السيارة وانطلقنا إلى مركز مدينة لندن، وهناك تناولنا طعام العشاء معاً وحظينا بسهرة رائعة؛ كان حديثهما جادًا وماتعًا. لا أجمل من الجلوس مع أشخاص ودودين، مثقفين، متواضعين، منفتحين وواسعي الأفق. ولحسن الحظ كان الطقس جميلًا، فاستطعنا أن نتمشّى بمحاذاة نهر التايمز، وحين نفدت طاقتنا تمامًا ونال منّا النعاس، استسلمنا، فأوصلاني إلى الفندق ووعداني بأن يتفرغا لي يوميًا خلال مدّة زيارتي، بمجرد انتهائي من العمل. كنت متعبًا إلى حدٍّ كبير، ارتميت على السرير، ورغم كلّ ما اعتراني من نعسٍ وإرهاق، لم أستطع الخلود إلى النوم… مرّت ساعة وأنا على هذه الحال، أسترجع مشهد خسوف القمر وبزوغه السريع، وأفكّر… شعرت بعدها برغبة في الحديث مع سلام، فاتصلت بها.   سلامي؟ أهلاً آدم! هل أنت بخير؟ أنا بخير! لماذا أنتِ فزعة؟ ألم ترسل لي منذ ساعة أنّك ستنام؟ أجل، هذا صحيح. إذًا ما الأمر؟ اشتقت إليك؛ هل هناك أي مانع؟ لا أبداً! هل نام الأولاد؟ على وشك ذلك. جيد، هناك شيء أودّ أن أسألك عنه… تفضّل! أنا أسمعك سلام، أخبريني: هل أنا شخص سيئ بالمطلق؟ هل تتصل بي بهذا الوقت ومن خلف المحيط لتسألني هذا السؤال؟ أجبيني أرجوك! كما تشاء، لا، لستَ سيئًا بالمطلق! سلام! أعلم أنّي في بعض الأحيان وبشكل عابر وطارئ، حين أغضب، أصبح مظلمًا، أجرح، وأتمادى، وربما أظلم؛ لكن سرعان ما يبزغ الجزء الخيّر فيَّ مجددًا، أليس هذا صحيح؟ أجل صحيح، لا تقلق، كلنا نمرّ بأطوار مختلفة. صمتنا قليلاً، فرحت أسترجع أحداث الشهر الماضي، وأحاول إحصاء عدد المرات التي غضبت فيها وفقدتُ أعصابي، قاطعت سلام أفكاري وقالت بهدوء:   آدم! مهما يكن، ستبقى شمسي التي تنير حياتي. ثمّ أردفتْ بمرحٍ وحيوية:   لكن هذا لا يمنع أن تخفف عصبيتك! سيسعدني ذلك كثيرًا. أجبتها بجدية:   سأحاول، أعدك سلام! إن شاء الله، والآن حاول أن تخلد إلى النوم؛ لديك جدول مهمات طويل غدًا، تصبح على خيرٍ وسلام! أحبّك كثيراً. وأنا أحبّك أكثر.

Min_Almaa
مراجعات أدبية

مراجعة رواية “من الماء” للكاتبة مُزنة كمال

الرواية لا تُقرأ فقط، بل تُشاهد وتُسمع أيضًا! وبينما كنتُ أُقلّب صفحات رواية “من الماء” للكاتبة والأديبة الراقية “مزنة كمال”، سمعتُ خرير الماء… تارةً يقطر برقة، وتارةً يجري باضطراب.. تارةً ينساب بهدوء، وتارةً يتدفّق بغزارة.. تأخذنا هذه المرّة سلسلة “نقصّ عليك” إلى المغرب العربي، وتحديدًا إلى مدينة فاس، تلك المدينة التي لطالما قرأنا عنها في كتب الجغرافيا أيام المدرسة، وها نحن في الرواية نرى بعض معالمها بتفاصيل دقيقة وواضحة. ومع مشهد العصفور النشيط، والحرّ الطليق، تُستهلّ الرواية التي تحكي لنا عن قصة “إبراهيم”، الفتى اليافع، الذي يرى نفسه أسيرًا للمواقيت، ومقيّدًا بمواعيد جدوله اليومي. تدور الفكرة الأساسية للرواية حول ضرورة تنمية حبّ الاستكشاف لدى اليافعين، كما تعرض أهمية تنظيم الوقت، وتحثّ على ممارسة الرياضة والعناية بالصحة البدنية، وتسلّط الضوء على تأثير الذكريات في الإنسان؛ فالمواقف البسيطة، العفوية، الصادقة، والنابعة من القلب، هي التي تنغرس في الوجدان، وتبقى عالقة في الذاكرة. ومع طعم شاي النعناع المغربي، تصحبنا مزنة إلى معلمٍ فريد في قلب مدينة فاس، إلى المدرسة البوعنانية؛ هناك، حيث تمتزج روعة النقوش الإسلامية بهيبة العلم، وتتناثر بين جدرانها أصداء التاريخ، وهمسات طلابٍ مضوا، وبقيت آثارهم تنبض في المكان. “يموت الناس ويبقى الحجر.” ورغم أنّ الرواية موجّهة لليافعين، فإنني أرى أنّ الكبار بحاجةٍ إلى الاطلاع على هذا النوع من الأدب، لا سيّما الآباء والأمهات، ليلتقطوا منها الإشارات المنثورة بين السطور، فيسمعوا من الفتى اليافع كيف يفكّر، ما يحبّ وما يكره، ما الذي يعلق في ذهنه من ذكريات الطفولة، ما الكلمات التي تشجّعه، وأيّها تُثبط عزيمته، وما المواقف التي تدعمه أو تشعره بالخذلان. “ومن يومها، لم أجد من يشجّعني في نزالاتي، أو يهتف لي إن ربحت، أو يربت على كتفي إن خسرت.”   ” كنتُ واثقًا من أنّك ستفعلها.” لم تقتصر الرواية على المحتوى الجميل فحسب، بل جاء التحرير مميزًا وجذّابًا، وتكاملت معه الرسومات، لتمنح القارئ متعةً بصرية تُكمل روعة السرد. ومن الجميل بالذِّكر، أنّ الكاتبة أبدعت في توظيف صفات وتشبيهات الماء في الرواية، فنسجتها بأسلوبٍ فنيّ ينساب بفطنةٍ وجمال، كما ينساب الماء في مجراه الطبيعي دون تكلّف. “صمتَ قليلًا، تاركًا إيّاي أغوص في بركةٍ من دهشةٍ وحنين.”   “وشعرتُ بأنّ ماء الأعين قد غسل كلّ ما علق في النفوس من مشاعر سلبية، في نفسي وفي نفس والدي.” رواية “من الماء” هي عمل لطيف ومنعش للروح، يرسخ مفاهيم واعية وغنيّة في أذهان اليافعين، حول كيفية تفاعلهم مع الزمن، والعلم، والتجارب والأحداث الماضية. فأيامنا كقطرات، تنساب واحدةً تلو الأخرى، وكلّ قطرة تمضي، وتحمل معها ذكرى خاصة بها: عِبرة، عَبرة… ضحكة، دمعة… حلمٌ جميل، وومضة أمل… نبضة قلب، وغصّة ألم… وكلّ تجربة تستحق التأمّل، التقدير، والامتنان، حتى تلك القاسية منها؛ فالحياة مدٌّ وجزرٌ، لا تستقر على حال، وعلينا أن نستمرّ في السعي، كي نجعلها نهرًا جاريًا بما ينفع الناس، حتّى إذا ما التفتنا خلفنا، وجدنا أنّ نهرًا قد تشكّل من كلّ ما ظننّاه عابرًا.   بقلم.. سحر خواتمي

قصص قصيرة

متى ستعود؟

ارتديت معطفي الكستنائيّ، ورتّبت أغراضي، ومن ثمّ توجّهت نحو المطبخ، هناك حيث كانت والدتي منهمكةً في تحضير طعام الفطور، قالت وقد رأتني على وشك المغادرة: أومأت برأسي وتناولت قطعة صغيرةً من الجبن، ثمّ ودّعتها وانطلقت إلى عملي. وهناك مضى يومي بشكلٍ اعتياديّ، بدءًا من الاجتماعات، مروراً بوجبة الغداء السريعة، انتهاءً بتسليم الملفات والنتائج المطلوبة، ومن ثمّ حان وقت عودتي إلى المنزل. حزمت حقيبتي وخرجت من الشركة عند الساعة الخامسة مساءً، وانطلقت في طريقي. وبينما كنت أمشي رنّ هاتفي، وإذ بها رسالة قد وصلتني للتوّ، قرأتها فتسمّرت في مكاني، وبدأ العرق يتصبّب من جبيني كزخّات المطر، وتسارعت نبضات قلبي، وشعرت بصعوبةٍ بالغةٍ في التنفس، ومن ثمّ وقعت أرضاً. يا إلهي! ما هذه الرسالة! لا أعلم كم من الوقت مضى وأنا على هذه الحال، بعدها حاولت أن أتمالك أعصابي ونهضت لأكمل طريقي، لكنّي صدمت بما رأيت، فقد اختفت الطرقات من أمامي، وبهتت الألوان شيئاً فشيئاً حتى صار كلّ ما حولي رمادّياً ومخيفاً، وبدت الجدران والمباني التي تحيط بي هلاميّةً لا عماد لها، ذعرت، ما هذا الرعب الذي يحاوطني؟! جعلت أجري كما لو أنّي في نفقٍ مظلمٍ لا نهاية له، كنتُ أرى أناساً يتحرّكون بجانبي لكنّي لم أكن قادراً على تمييز وجوههم أو ملامحهم. خطر ببالي أن أنظر إلى السماء، علّي أجد فيها ما يدلّني على الاتجاه الصحيح، رفعتُ بصري فلم أجد الشمس التي كانت هناك منذ قليل، بل رأيت قرصاً كبيراً يتوسط كبد السماء المظلمة، كما لو أنّه ثقباً أسود على وشك ابتلاعي، فما كان منّي حينها إلا أن أغمضت عينيّ وجريت بلا هدىً أو رشاد. سألت نفسي: هل أنا في حلمٍ أم حقيقة؟ وبينما أنا أجري وأجري ارتطمت بجدارٍ كبير، فتحت عينيّ فوجدتني قد وصلت إلى المنزل، رحت أبحث عن مفاتيحي لكن بلا جدوى، فقد كانت حقيبتي فارغة تماماً، قلبتها رأساً على عقب ولم أجد فيها شيئاً! ما الذي يجري؟! استجمعت ما تبقى لديّ من قوّة ودفعت باب المنزل بكتفي، فانكسر ودخلت وأنا أرتجف، نظرت حولي فوجدت الأثاث مهترئاً ومحطماً، والأغراض متناثرة على الأرض، فصرخت بأعلى صوتي: سمعت صوتها وهي تجيبني: مشيت وأنا بالكاد أجرّ نفسي، وحين وصلت إلى الغرفة وجدتها تجلس في مكانها المعتاد، تضع نظارتها على عينيها وتحيك مفرشاً صغيراً. ركضت نحوها وعانقتها، وبقيت على هذه الحال بضع دقائق، فعادت دقات قلبي إلى معدلها الطبيعيّ، واستقر كلّ شيءٍ في مكانه، فنهضت ونظرت من خلال النافذة، لأجد بأنّ الأرض قد عادت هي الأرض، والسماء هي السماء، والألوان هي الألوان. عادوت النظر إلى أمّي، فسألتني: أجبتها: أومأتْ لي بالإيجاب، فأمسكتُ هاتفي ومسحت تلك الرسالة التي وصلتني منها قبل قليل. متى ستعود؟ أنا أحتضر! يا إلهي، لقد كانت أمّي “تنتظر” فحسب. تأمّلتها بحبٍّ، ومن ثمّ حضنتها مجدداً. لا، لست من هواة أفلام الرعب، ولا أدري عن حبكاتهم وأحداثهم، لكنّي واثقٌ بأنّه لا يوجد ما هو أكثر رعباً من فكرة فقدانكِ يا أمّي.     بقلم: سحر خواتمي | نُشرت ضمن الإصدار السابع لكتاب “عابرون”  | دار عابر |  2025  

OVA5_Zeina
فصول خاصّة

اعتزل ما يؤذيك

زينة  |  أكتوبر 2024   استيقظتُ صباحاً، وكعادتي، أول ما أفعله بعد فتح عيني هو وضع إناء القهوة على النار، فلا أستطيع بدء يومي دون قهوتي. رائحتها وحدها تحفِّزُني على النهوض والانطلاق بطاقة متجددة. بعد ربع ساعة، استيقظت والدة أُسَيد، فقد أتت لزيارتنا منذ شهر تقريباً. أما أُسَيد، فقد سافر إلى مدينة أخرى لإلقاء محاضرة اليوم، لذا غادر المنزل منذ الليلة الماضية. ألقت عليَّ حماتي تحية الصباح، ثمَّ وللمرَّة الثلاثين، أعادت جملتها المعتادة:   زينة، ألا تعلمين أن شرب القهوة صباحاً دون إفطار مضر بالصحة؟ يجب أن تفطري أوَّلاً ثمَّ تحتسي قهوتك! ابتسمتُ ابتسامةً صغيرةً وقلت لها:   سأحاول إن شاء الله. أنهيتُ قهوتي بسرعةٍ، ثمَّ بدأت بتحضير الإفطار لي ولها. تناولتُ شطيرتي على عجل، وكعادتي نهضتُ لتغيير ملابسي بينما كانت حماتي ما تزال تتناول طعامها، فأوقاتي ضيقة ولا أملك رفاهية الجلوس طويلاً. لم تفوِّت حماتي الفرصة لتعليقٍ آخر:   يجب أن تستيقظي مبكراً أكثر حتَّى تتناولي إفطارك على مهلٍ وتأخذي راحتك. ابتسمتُ مجدَّداً وكرَّرت ردِّي:   سأحاول إن شاء الله. بدَّلتُ ملابسي، ورتَّبتُ المطبخ بعدما أنهت حماتي إفطارها، ثمَّ ارتديت حجابي وهممت بالمغادرة، لكنَّني تذكَّرت أن اليوم هو موعد قدوم المساعدة المنزلية. عندما انتقلنا إلى منزل أكبر، ومع ضغط العمل والالتزامات الأخرى، ناقشتُ الأمر مع أُسَيد، وقررنا إحضار مساعدة منزلية مرة أسبوعياً لتنظيف المنزل، لذا أخبرت حماتي:   خالة، اليوم ستأتي المساعدة المنزلية. وكما توقَّعت، جاء تعليقها المعتاد:   وما حاجتكم إليها؟ أنتما شخصان فقط، وليس لديكما أطفال، ومنزلكما نظيف ومرتّب. لا حاجة إليها، أجد أنَّ الاستعانة بها ليست إلا مصاريف زائدة لا داعٍ لها! لم أعلّق، فقط اكتفيت بالقول:   خالة، أنا منطلقة الآن إلى العمل، هل تحتاجين إلى شيء؟ هل ينقصك أي شيء؟ أجابت بلطف:   لا، شكراً. رضي الله عنكما أنتِ وأُسَيد. ابتسمت وقلت لها:   سلمكِ الله، في أمان الله. انتهى عملي في المعهد،  لقد مرَّت سنتان منذ حصولي على وظيفتي الرسمية، بعد تخرجي من الجامعة الافتراضية، قسم الأدب العربي. بدأتُ مشواري كمعلمة لغة عربية في معهد اللغات، ووجدت في هذه الوظيفة متعةً حقيقيةً، فليس هناك ما هو أجمل من تعليم لغة القرآن الكريم لغير الناطقين بها، والتعرف يومياً على ثقافات وشعوب جديدة. بعد انتهاء الدوام، اتصلتُ بأُسَيد لأطمئن عليه. أخبرني أن قطاره سيصل بعد نصف ساعة، وأنه سيعود مباشرة إلى المنزل دون المرور بالكلية، فاقترحت عليه أن ألتقي به لنعود معاً. بينما كنا في طريق العودة، بدأ أُسَيد يشكو من طلابه:   أشعر أن ضغطي يرتفع بسبب تصرفاتهم! لا أستطيع احتمال أن يتحدَّث أحدهم مع زميله أثناء المحاضرة، أو أن يكون شارد الذهن، أو يخرج هاتفه المحمول. كل هذه التصرفات برأيي تدلُّ على قلَّة احترامهم لي! ضحكتُ وقلت له مازحة:   لكن لماذا تفترض أنَّهم لا يحترمونك؟ ربَّما نسي أحدهم نفسه وتحدَّث دون قصد، أو كان لديه سؤال مهم. لماذا تنفعل من أمورٍ بسيطةٍ كهذه؟ نظر إليَّ مستنكراً:   زينة، أنت لا تدركين عمَّا تتحدثين! هذه الأمور ليست بسيطةً إطلاقاً بالنسبة للأستاذ. ابتسمتُ وقلت له بهدوء:   لكن لا تنسَ أنني أعمل أيضاً في مجال التعليم ولدي طلابي، وأخبروني غير مرَّة: أستاذة زينة، أنتِ لطيفة للغاية! ولكن هل أخبرك بسرٍّ؟ لا أحد منهم يعلم أن هذا اللطف في مصلحتي أولاً، ثمَّ في مصلحتهم، وهذا ما أدركته في الآونة الأخيرة. نظر إليَّ متعجِّباً وسألني:   كيف يكون ذلك في مصلحتك؟ بالعكس، أنتِ تضغطين على نفسك وتكبتين انفعالاتك! ضحكتُ وقلت:   هذا ما تظنه أنت، لكن الحقيقة أنني فقط أشتري السلام لنفسي وأعتمد مبدأ اعتزل ما يؤذيك. رفع حاجبيه وقال ممازحاً:   استراتيجية جديدة لزينة! ضحكتُ وقلت:   ليست جديدة، لكنني فهمتها بعمقٍ الآن. أنت تعرف أنَّني إنسانة مسالمة بطبيعتي، لكنَّني أدركت في الآونة الأخيرة أن هذه المسالمة كانت في مصلحتي الشخصية أولاً وأخيراً، وليس فقط لصالح الآخرين. عندما أتجنَّب الجدالات والنقاشات التي لا طائل منها، فإنَّني أحافظ على راحتي النفسية، وأوفِّر طاقتي لأمور أكثر أهمية. لماذا أُرهِق نفسي في نقاشاتٍ لا تضيف إلى حياتي شيئاً؟ ابتسم وقال:   لكن في حياتك، لا تواجهين ضغطاً سوى مع بعض الطلاب، أليس كذلك؟ ضحكتُ مجدَّداً وقلت:   تظن ذلك؟! أنا أطبِّق هذا المبدأ مع كل شخصٍ في حياتي تقريباً! ومن يضايقكِ حتَّى تعتزليه؟ الفكرة ليست في اعتزال الأشخاص، بل في اعتزال الدخول معهم في مهاترات لا داعي لها، كما نصحنا النبي ﷺ حين قال: أنا زعيمٌ ببيتٍ في ربض الجنة لمن ترك الجدال ولو كان محقَّاً. سألني باستغرابٍ:   هل يمكنكِ توضيح ذلك بمثال؟ ضحكت وقلت:   آمل ألا يزعجك هذا المثال، لكنه الأقرب إلينا الآن، لأننا نعيشه يومياً وسنعيشه طوال الأشهر المقبلة. وما هو؟ ابتسمت وقلت:   والدتك، حفظها الله. هل رأيتني يوماً أدخل معها في جدال؟ هل لاحظت أنني ناقشتها حول تعليقاتها المتكرِّرة؟ صمت أُسَيد ولم يعلق بشيءٍ. تابعت قائلةً:   أنا لا أفعل ذلك بدافع التسامح فقط، ولا بدافع كرم الأخلاق وحده، بل لأنني ببساطة لا أريد أن أرهق نفسي بنقاشات لا جدوى منها. ما الفائدة من محاولة تغيير قناعاتها؟ هل سينقص مني أي شيء إن تجاهلت بعض الملاحظات؟ بل العكس، سأحافظ على سلامي الداخلي وأوفر طاقتي لأمور أكثر أهمية. فلماذا أرهق أعصابي في معارك صغيرة لا تضيف إلى حياتي شيئاً؟ سواء كسبت الجدال أم خسرته، لن يغير ذلك شيئاً من الواقع. حاول أُسَيد التخفيف من جدِّية الحديث وقال مبتسماً:   لكن لديكِ زوج لن تحتاجي إلى استخدام هذا المبدأ معه! ابتسمتُ ابتسامةً خفيفةً وقلت:   أُسَيد، هل تسمع أذنيك ما ينطق به لسانك؟ هل تريدني أن أضرب لك أمثلة؟ ضحك، لكنَّنا في تلك اللحظة وصلنا إلى المنزل، فلم نستطع استئناف ذلك الحوار. تناولنا طعامنا، ثمَّ قررنا الذهاب إلى المركز التجاريّ لشراء بعض الحاجيات، وفي الوقت نفسه لتتمكَّن والدته من الخروج قليلاً وتغيير الأجواء. وأثناء تجولنا، لفت انتباهي معطف جميل عليه خصم، اخترت اللون الأسود، وبينما كنت على وشك الذهاب إلى الغرفة الخاصّة لتجربته، قالت لي حماتي:   اللون الزهري أجمل، ويليق بلون بشرتكِ أكثر! ابتسمتُ وقلت لها بلطف:   سأجربه بعد الأسود. فما لا تعرفه حماتي أنَّ أُسَيد لا يحبذ الألوان الزاهية. ارتديت المعطف الأسود وخرجت من الغرفة الخاصَّة، وما إن رآني أُسَيد حتَّى رفع حاجبيه إشارةً إلى أنَّه لا يغطي الركبة بالكامل. فهمتُ مقصده، فأعدت المعطف إلى مكانه دون أن أجادل أو أعلّق بكلمةٍ.خرجنا من المحل، وسرعان ما تلاحقت في ذهني مواقف عديدة، وكأن شريطاً سينمائياً يمر أمام عيني. تذكّرت قرار أُسَيد بعدم حضور حفلة زفافنا النسائية، ورفضه لوضعي أي مساحيق تجميل عند الخروج إلى الشارع، كما أنَّه لا يفضِّل نشر الصور

OVA4-Rasha
فصول خاصّة

ليلة الأمنيات

رشا  |  يوليو 2011   اقترب رمضان، اخترت قلماً مميَّزاً، أخرجت دفتري الخاص، وجلست استعداداً للكتابة والعصف الذهني. بدأت بسم الله الرحمن الرحيم، ثمَّ كتبت في مطلع الصفحة: قائمة الدعوات لرمضان 1432 هـ سردت في المقدِّمة أمنياتي الكبيرة والأساسية: ثمَّ أسهبت في دعواتٍ لطلب العون والمدد والتيسير لما يجعلني أهلاً لنيل القسم الأول: كتبت بعدها الدعوات لأهلي وأحبائي وأصدقائي، بأن يرزقهم الله الصحَّة، والعافية، والسعادة في الدنيا والآخرة، هكذا إلى أن وصلت إلى قسم “الدعوات الخاصَّة جدَّاً”! وهنا توقَّفت عن الكتابة، ورحت أفكِّر برويَّةٍ، وإذ بالذكريات تتدفَّق إلى مخيلتي، لم أستطع مقاومتها، وضعت القلم جانباً، وابتسمت رغماً عنِّي حين رجعت سبعة عشر عاماً إلى الوراء. هناك في بيت جدي وجدَّتي -رحمهما الله- وتحديداً في شهر مارس من عام 1994، كانت الأمطار في ذلك اليوم تهطل بغزارةٍ، ارتدينا معاطفنا أنا وأخواتي الثلاث وانتظرنا والدي ووالدتي، وحين جَهِزنا جميعاً انطلقنا في سيارة أجرة متَّجهين إلى منزل جدِّي. وصلنا قبيل أذان المغرب، فتوجَّهت والدتي وأختي الكبيرة مباشرةً إلى المطبخ لتعاون جدَّتي في التحضيرات الأخيرة لوجبة الإفطار. لم تمر بعدها إلا دقائق معدودة حتّى وصل خالي سمير وزوجته وأولاد خالي؛ يمان وآدم. تطوَّعتُ للمساعدة في تجهيز مائدة الإفطار، إلا إنَّني لم أكن ذات نفعٍ كبيرٍ، إذ كنت متعبةً من الصيام، فقد كان اليوم الأوَّل الذي أتمُّ فيه الصيام حتَّى آذان المغرب بعد محاولاتٍ كثيرةٍ طيلة الشهر. أذَّن المغرب، فبدأنا بتناول الطعام أخيراً، لكنِّي تفاجأت بأنِّي لم أتمكَّن من تناول الأطعمة التي كنت أتوق إليها وأحلم بها طيلة النهار، إذ شعرت بالامتلاء بعد لقمتين فقط! وبعدما انتهينا من وجبة الإفطار؛ انطلق والداي وأختاي، وخالي وزوجة خالي ويمان لأداء صلاة العشاء والتراويح جماعةً في المسجد، فهذه الليلة مميَّزٌة جدَّاً! لم تقبل والدتي باصطحابي أنا وأختي الصغيرة رقية، لأنَّ المسجد سيكون مزدحماً للغاية، فهذه الليلة مميَّزة جدَّاً! انطبق الأمر ذاته على آدم، ولم يصطحبه خالي، وطلبوا منَّا المكوث في المنزل مع جدِّي وجدَّتي اللذين يُفضِّلان أداء الصلاة في البيت مع بعضهما جماعةً، فصحَّة جدِّي لا تساعده كثيراً في الخروج من المنزل. وافقنا ظنَّاً منَّا بأنَّنا سنحظى بفرصةٍ رائعةٍ للعب والتسلية، لكنَّ شيئاً من هذا لم يحدث. لم يكد يفرغ البيت من الكبار حتَّى نادانا جدِّي وطلب منَّا أن نتوضأ، كي نصلِّي معه، فهذه الليلة مميَّزٌة جدَّاً! وبعدما حوَّلنا أرضية الحمام إلى مسبحٍ، وقفنا إلى جوار جدَّتي نستعدُّ للصلاة. كبَّر جدِّي، فكبَّرنا، وشرعنا بالصلاة. كنت أقف بالمنتصف بين جدَّتي وآدم، بينما جلست رقية بالقرب منَّا تلعب ببعض الأواني البلاستيكية الفارغة، وكما هو متوقَّع! راح آدم يتحرَّك كثيراً، ويصدر أصواتاً مريبةً، لم أستطع كتم ضحكتي، فانفجرت من الضحك، وفعل آدم الأمر ذاته، فما كان من رقية إلا أن وقفت أمام جدتي تنظر إلينا لتفهم ما الذي يجري. أتممنا الصلاة، وحين سلَّم جدِّي، توقَّعنا أن يوبِّخنا بشدَّةٍ، لكنَّه اكتفى ببضع ملاحظات، وذكَّرنا مجدَّداً بأنَّ هذه الليلة مميَّزة جدَّاً! صلَّينا بضع ركعاتٍ مع جدِّي ومن ثمَّ قررنا أن نحظى باستراحةٍ. جلسنا أنا وآدم في زاوية الغرفة، وتمتمنا بصوتٍ خافتٍ ونحن نتقاسم بعض الحلوى فيما بيننا، ثمَّ سألتُه: لماذا يردّدون بأنَّ هذه الليلة مميزة جدَّاً؟ أجابني آدم بثقةٍ: الليلة هي ليلة القدر. وما معنى ليلة القدر؟ يعني إذا دعونا الله فيها، قد يحقِّق لنا ما نريده. وضعت الحلوى جانباً وعدَّلت من جلستي، ثمَّ سألته باهتمام: حقًّا؟ أيّ شيء؟ نعم! خفق قلبي، وسرحت بأفكاري، فقاطعني آدم بمكرٍ: ماذا ستطلبين من الله؟ أجبته: لا أدري بعد، دعني أفكِّر. سكتُّ قليلاً، ثمَّ قلت: أريد أن تلد أمّي ولدًا. نظر إليّ متعجّبًا وقال: ولماذا؟ لأنّهم يتحدَّثون دائمًا حول هذا الأمر، وأشعر أنّ أمّي حزينة، وقلقةً من أن تنجب بنتاً خامسة. لكن عمَّتي ستطلب ذلك بالتأكيد، اختاري شيئًا لكِ أنتِ. لكنّي أريد أخًا. أنا كأخيك، اختاري شيئًا لا تملكينه. حسناً. عاودت التفكير مجدَّداً، ثمَّ هتفتُ بحماسةٍ: عرفت ماذا سأطلب. ماذا؟ تنهَّدت وقلت له: أريد أن يحبّني الجميع. ضحك آدم وقال: الجميع يحبّك! هززت رأسي نافيةً، وقلت بحزنٍ: لا أشعر بذلك. ولماذا؟ قلت وأنا أعبث بطرف ثوبي: في الصفِّ، لا أحد ينتبه لي، هناك فتاتان تحبُّهما المعلمة، هما فقط من تمدحهما وتضحك لهما، والكلّ يجلس معهما. وفي البيت، رانيا هي الكبيرة، ورهام تضحك دائمًا، ورقية هي الصغيرة، أمَّا أنا فلا أحد يهتمّ بي. يعود أبي إلى البيت ولا يناديني، ولا يسمعني حين أقول له: “تصبح على خير”، وأمِّي… تنساني أحيانًا، لا تسألني إن أعجبني الطعام، ولا تتذكَّرني حين تذهب إلى السوق، تجلب لأخواتي أشياء جميلة، وأحصل أنا على أشيائهم القديمة فقط. ولا أذكر أنَّها قالت لي يومًا إنِّي جميلة، بينما أسمعها تمدح أخواتي دائمًا… فأفكِّر: هل أنا قبيحة؟ نظر إليَّ آدم متفاجئًا، ثمّ قال بسرعةٍ: لا، لستِ قبيحة. ثم فكّر قليلًا وأضاف وهو يبتسم: لكن ربما أنتِ غبية قليلًا. قطَّبتُ حاجبي وقلت بحزن: لا تقل ذلك يا آدم، لقد أحزنتني. رفع يديه كأنَّه يدافع عن نفسه وقال: لا أقصد هذا! افهميني… عليكِ أن تختاري شيئًا لا تملكينه، شيئًا تتمنَّينه كثيرًا. ثمّ قال بثقةٍ طفولية: الجميع يحبّك، أنا متأكِّد من ذلك. ورغم أنِّي لم أقتنع كثيراً بكلام آدم، لكنِّي عزمت أن أختار أمنيةً تمتاز بالمواصفات التي ذكرها لي، فيبدو أنّه ذا خبرةٍ جيدةٍ بالأمر، وبعد تفكيرٍ دام لدقائق عديدة، نظرت إليه بحزمٍ وقلت له بثقةٍ لا مثيل لها: وجدتها. هيَّا أخبريني، ماذا ستطلبين؟ شبكت أصابع يديّ ببعضهما وقلت له وعيناي على وشك ذرف الدموع من السعادة: أريد أن أُدعَى إلى حفلة عيد ميلاد. نظر إليَّ دون أن يقول شيئًا، ثم قال بعد لحظةٍ وهو يحاول ألا يضحك: حفلة عيد ميلاد؟ أومأتُ برأسي بسرعةٍ وقلت: نعم، لم يدعُني أحدٌ إلى حفلة عيد ميلاد من قبل. قال: حسنًا، يبدو طلبًا جيدًا. سألته بتحدٍّ: وأنت ماذا ستطلب؟ رفع حاجبيه بلؤمٍ وأجابني: هذا سرٌّ. لماذا؟ لأنّه سرّ هذا ليس عدلًا، أنا أخبرتك بكلّ شيء! نهض وهرب إلى الغرفة المجاورة وهو يقول: لن أخبرك! لحقت به لأتشاجر معه، لكن دون جدوى. بعدها انزوى كلُّ واحدٍ منّا في زاويةٍ إلى أن عاد آباؤنا من الصلاة. حينها ودَّعنا جدّيّ وخرجنا معاً، كانت الأمطار قد توقَّفت، وبينما كانت أمي تودِّع خالي وعائلته على الرصيف المقابل لمنزل جدِّي، لوَّح لي آدم وهو يقف خلف خالي سمير، وأشار إلي بأن أقترب نحوه، أفلتُ يد والدتي واقتربتُ نحوه وأنا ما أزال غاضبةً منه، فهمس قائلاً: سأخبرك عن طلبي تعالي معي. أومأت إليه بالإيجاب، فمشينا بضع خطواتٍ في الشارع ذاته، إلى أن وصلنا إلى واجهة الدكَّان الصغير الذي يقع في مطلع الشارع. أشار آدم إلى أحد الرفوف التي يمكننا رؤيتها من خلال زجاج الواجهة وقال: أترين تلك الكرة البيضاء؟ هززت

مراجعات أدبية

مراجعة رواية “الشلال” للكاتب أحمد دعدوش

  أن تجعل قارئاً ينغمس في قراءة روايةٍ لا تنتمي للتصنيف الذي يفضّله، فهذه علامة إبداع. لستُ من هواة التصنيف الذي تنتمي إليه رواية “الشلال”، ومع ذلك لم أستطع إلا أن أقرأها بشغفٍ واستمتاع. بلغةٍ سلسلةٍ، وبإتقانٍ، ورويّة، يبني الكاتب شخصية “همام” بوضوحٍ منذ الصفحات الأولى، بدءاً من خيالات “همام”، مروراً بمكان عمله، وحواراته مع صديقه “كيتشي”، لنكون على استعدادٍ تامٍّ للإصغاء إلى تفاصيل رحلة بطلنا “همام” إلى قرية “كيتشي”، هناك حيث يطمح  إلى خوض تجربةٍ روحيّةٍ فريدة. أشعر أنّها تجربتي الأخيرة، إما أن أبلغ الاستنارة أو ستكون النهاية! هكذا كانت كلمات “همام” وهو مقبلٌ على تجربته الأخيرة، إذ كان لديه رغبة عارمة في الوصول إلى أعلى مستوى في عالم الأرواح، ومهارات التخاطر والتأمّل، وبسعيٍ حثيث، وتخففٍ من كلّ ما يمنع وصوله إلى تلك الرغبة، أصرّ “همام” أن يصمد أمام كلّ المصاعب التي أقحمه بها الشامان، بدءاً من تجربة الكوخ، مروراً بحفلة الآيوواسكا “المرخصّة قانونياً!” والتي أصابتنا جميعاً بالدوار والغثيان، انتهاءً بتجربة العبور، والتي رأينا فيها مع “همام” حركة البومة، وسرعة اختفائها، وسمعنا صوت الثعلب وهو يتحدّث، ووقع أقدامه في دائرة الوهم. لم تكن تلك التجارب مرضيةً لـ”همام”، الذي ذهب إليها متعباً، وعاد منها أكثر إنهاكاً، وضياعاً، وتيهاً. تمرّ أسابيع ثمّ تأتي لحظة لقاء “همام” بالدكتور “فراس”، لتأخذ بعدها الأحداث منحىً مختلفاً. “فراس” الذي تحلّى بالمواصفات الأساسية والضروريّة للمؤثّر، ألا وهي: العلم، والحكمة، والرحمة، والصبر، والتواضع. ومع توطد علاقة الصديقين، دمج الكاتب أفكاراً عديدة مع بعضها البعض ببراعة، ولم يقتصر على موضوع الرواية الأساسي، فتطرّق إلى القضية الفلسطينية، وتناقض مفهوم الإله في العقد القديم، كما وظّف زيارة معلّم حقيقيّ “متحف آغا خان” في سياق الأحداث بطريقة سلسلة لترسيخ وتصحيح بعض المفاهيم الخاطئة عن عالم الأرواح، والشياطين، وتوضيح أصل المذاهب الصوفية. تمرّ الأيام، ويتعلّق “همام” بالمسجد أكثر وأكثر، ويعبّر عن ذلك بسؤالٍ دافئٍ للغاية: ما الذي فعلتَه بي يا مسجد؟! يتعلّم، ويدرس، ويقرأ، ويجتهد -رغم تدهور حالته الصحيّة- إلى أن يصبح مستعدّاً للإيمان، ليأتي مشهد إسلامه مؤثّراً وحسناً للغاية. وما إن يطمئن قلبه بالإيمان، وتسكن روحه بالقرآن، وينجو ويتخلّص من درك وأوهام الشيطان، حتّى نقترب من النهاية: “الثالث والعشرين من شهر نوفمبر”، النهاية الظاهرية فقط، فيودّع الدكتور “فراس” صديقه “همام”، ليلتقيه بعد ذلك في حلمٍ جميل، هناك حيث تلتقي الأرواح بإذن ربّها.   الرواية مليئة بالمعاني الجميلة، وتتميّز بنقاط قوة عديدة ومهارة في سرد الأحداث، لعلّ أبرزها:   أمّا عن الحبكات: وعلى الرغم من تصريح “همام” ذاته بعدم اهتمامه بالأنمي، إلا أنّي لم أستطع منع نفسي من رسم شخصيته، وبالمناسبة، أهو “همّامٌ” أم “هُمام”؟ أظنّه الأخير والله أعلم. بكلّ الأحوال، وأيّاً كان اسمه، فقد كان شجاعاً، ومقداماً، ونبيلاً وعظيم الهمَّة، واجه مخاوفه، وأوهامه بشجاعة، ليعطي درساً لكلّ واحدٍ منّا، بأن يتخلّى عن أي شلالٍ وهميّ يلتجئ إليه، ويجعل صلاته ونسكه ومحياه ومماته لله ربّ العالمين، لا شريك له.     بقلم وريشة.. سحر خواتمي    

Scroll to Top