فصول خاصّة

OVA6_Adam
فصول خاصّة

خسوف

آدم  |  سبتمبر 2025   كانت الساعة السادسة والنصف مساءً حين هبطت الطائرة على المدرج، بعد رحلة استغرقت أكثر من سبع ساعات. انتهيت من إجراءات الدخول، ثمّ توجهت إلى الصالة الخارجية، وبينما كنتُ أفعّل شريحة الهاتف سمعتُ أحدهم ينادي:   نوّرت لندن يا زعيم! استدرتُ حولي فإذا به أسيد؛ سلَّمت عليه وعانقته بقوة، ثمّ نظر إليّ وراح يعبث بشعري وهو يقول:   أين شعرك الكثيف البني؟ لقد شبِتَ باكرًا يا رجل! سألته وأنا أضحك:   وأنتَ ما هذا الكرش؟ فردّ بسخرية:   ستنضم إلينا عاجلًا أم آجلًا، انتظر وسترى. التفتُ وسألته:   أين يزن؟ ينتظرنا في السيارة، لديه اجتماع. ألا تنتهي اجتماعاته؟ هذه ضريبة العمل الحرّ. سحبت حقيبتي وانطلقنا معًا، وهناك في مرآب السيارات كان يزن يقف أمام السيارة؛ وحين لمحنا أنهى مكالمته ثمّ أسرع نحونا وهو يلوّح قائلاً:   آدم في ديارنا، يا للسعد والهناء! أكان من الضروري أن تنتظر كلّ هذه المدّة لتزورنا؟ يجب أن نشكر مديرك في العمل. أخذني بين ذراعيه، وبعد السلام الحارّ صعدنا إلى السيارة، فسألني أسيد وهو يستعدُّ للانطلاق:   ما رأيك أن أوصلك إلى الفندق أولًا لتأخذ قسطًا من الراحة؟ ثم نذهب للعشاء معًا. لا، لست متعبًا. ألم تقل قبل قليل إنّك متعبٌ للغاية؟ أجاب يزن:   استعاد نشاطه برؤيتنا. تنهّدتُ وأجبتهما بجديّة:   نعم! هذا صحيح! نظر أسيد إلى ساعته ثمّ قال:   أتعلمان؟ سيبدأ الخسوف الكلّي بعد قليل حالما يشرق القمر. فردّ يزن:   آه هذا صحيح، إذن نستطيع مشاهدة الحدث. انطلقنا، وحين أصبحنا على الطريق السريع بدأنا بالبحث عن القمر، فالسماء لم تكن قد أظلمت بعد. قال أسيد بينما كان يركّز في الطريق:   ابحثا في الجهة المقابلة لغروب الشمس، يجب أن تجداه. جعلت أحدّق في السماء، وفجأة وجدته بالفعل؛ بدا القمر كدائرةٍ زرقاء لها محيط زهريّ فاتح، لكن سرعان ما تغيّر المشهد عندما غربت الشمس تمامًا، إذ أصبح القمر واضحًا تمامًا: أحمر دامٍ! كان السائقون من حولنا يقودون سياراتهم ببطء، بينما توقف بعضهم على الطريق السريع للاستمتاع بمراقبة تلك الظاهرة الفريدة، فاقترح أسيد أن نتوقف قليلًا في أحد مواقف الاستراحة لنشاهد خسوف القمر الكلّي، ونصلّي المغرب، ثمّ نؤدي ركعتي صلاة الخسوف. قلت له:   لكنّي لستُ متوضئًا! نكزني يزن وأشار بيده إلى صندوق السيارة الخلفي، ففهمتُ أنّ أسيد يصطحب معه المعدات اللازمة للوضوء والصلاة. فتحت صندوق السيارة، وبالفعل وجدتُ كلّ ما أحتاجه: ماءً، مناشف، أحذية خفيفة، وسجاداتٍ للصلاة. توضأتُ وشرعنا في الصلاة وأمَّنا أسيد. لقد مرّت سنوات طويلة لم أصلِّ فيها خلف أسيد، ويبدو أنّ صوته خلال تلك السنوات أصبح أكثر عذوبة، وقراءته أكثر خشوعًا. فرغنا من الصلاة، وحينئذٍ كان القمر قد بدأ بالبزوغ مجددًا؛ لم تكن فترة الخسوف الكلّي طويلة في لندن، إنّما كانت عابرة وسريعة. توقفنا نحن الثلاثة نتأمّل هذا المشهد المهيب بهدوء، إلى أن قاطع أسيد تأمّلنا قائلاً:   الحمد لله على نعمة الإيمان! المساكين يتأمّلون المشهد بحرمان! تنهّد قليلاً ثمّ أردف:   ما أجمل الشعور الذي ينتابنا حين نقول: “سبحان الله” ونحن نتأمّل عجائب خلقه وبديع صنعه، ونرى عظمته وجلاله، ونستشعر فضله علينا. هذا القمر بجماله وضيائه وبزوغه وخسوفه وشروقه وكلّ تحركاته سُخِّر لنا نحن! اللهم لك الحمد. صمتَ لبرهة ثمّ وجّه كلامه للقمر قائلاً:   ربّنا وربّك الله. كررتُ ما قاله في سرّي، وعدنا إلى السيارة وانطلقنا إلى مركز مدينة لندن، وهناك تناولنا طعام العشاء معاً وحظينا بسهرة رائعة؛ كان حديثهما جادًا وماتعًا. لا أجمل من الجلوس مع أشخاص ودودين، مثقفين، متواضعين، منفتحين وواسعي الأفق. ولحسن الحظ كان الطقس جميلًا، فاستطعنا أن نتمشّى بمحاذاة نهر التايمز، وحين نفدت طاقتنا تمامًا ونال منّا النعاس، استسلمنا، فأوصلاني إلى الفندق ووعداني بأن يتفرغا لي يوميًا خلال مدّة زيارتي، بمجرد انتهائي من العمل. كنت متعبًا إلى حدٍّ كبير، ارتميت على السرير، ورغم كلّ ما اعتراني من نعسٍ وإرهاق، لم أستطع الخلود إلى النوم… مرّت ساعة وأنا على هذه الحال، أسترجع مشهد خسوف القمر وبزوغه السريع، وأفكّر… شعرت بعدها برغبة في الحديث مع سلام، فاتصلت بها.   سلامي؟ أهلاً آدم! هل أنت بخير؟ أنا بخير! لماذا أنتِ فزعة؟ ألم ترسل لي منذ ساعة أنّك ستنام؟ أجل، هذا صحيح. إذًا ما الأمر؟ اشتقت إليك؛ هل هناك أي مانع؟ لا أبداً! هل نام الأولاد؟ على وشك ذلك. جيد، هناك شيء أودّ أن أسألك عنه… تفضّل! أنا أسمعك سلام، أخبريني: هل أنا شخص سيئ بالمطلق؟ هل تتصل بي بهذا الوقت ومن خلف المحيط لتسألني هذا السؤال؟ أجبيني أرجوك! كما تشاء، لا، لستَ سيئًا بالمطلق! سلام! أعلم أنّي في بعض الأحيان وبشكل عابر وطارئ، حين أغضب، أصبح مظلمًا، أجرح، وأتمادى، وربما أظلم؛ لكن سرعان ما يبزغ الجزء الخيّر فيَّ مجددًا، أليس هذا صحيح؟ أجل صحيح، لا تقلق، كلنا نمرّ بأطوار مختلفة. صمتنا قليلاً، فرحت أسترجع أحداث الشهر الماضي، وأحاول إحصاء عدد المرات التي غضبت فيها وفقدتُ أعصابي، قاطعت سلام أفكاري وقالت بهدوء:   آدم! مهما يكن، ستبقى شمسي التي تنير حياتي. ثمّ أردفتْ بمرحٍ وحيوية:   لكن هذا لا يمنع أن تخفف عصبيتك! سيسعدني ذلك كثيرًا. أجبتها بجدية:   سأحاول، أعدك سلام! إن شاء الله، والآن حاول أن تخلد إلى النوم؛ لديك جدول مهمات طويل غدًا، تصبح على خيرٍ وسلام! أحبّك كثيراً. وأنا أحبّك أكثر.

OVA5_Zeina
فصول خاصّة

اعتزل ما يؤذيك

زينة  |  أكتوبر 2024   استيقظتُ صباحاً، وكعادتي، أول ما أفعله بعد فتح عيني هو وضع إناء القهوة على النار، فلا أستطيع بدء يومي دون قهوتي. رائحتها وحدها تحفِّزُني على النهوض والانطلاق بطاقة متجددة. بعد ربع ساعة، استيقظت والدة أُسَيد، فقد أتت لزيارتنا منذ شهر تقريباً. أما أُسَيد، فقد سافر إلى مدينة أخرى لإلقاء محاضرة اليوم، لذا غادر المنزل منذ الليلة الماضية. ألقت عليَّ حماتي تحية الصباح، ثمَّ وللمرَّة الثلاثين، أعادت جملتها المعتادة:   زينة، ألا تعلمين أن شرب القهوة صباحاً دون إفطار مضر بالصحة؟ يجب أن تفطري أوَّلاً ثمَّ تحتسي قهوتك! ابتسمتُ ابتسامةً صغيرةً وقلت لها:   سأحاول إن شاء الله. أنهيتُ قهوتي بسرعةٍ، ثمَّ بدأت بتحضير الإفطار لي ولها. تناولتُ شطيرتي على عجل، وكعادتي نهضتُ لتغيير ملابسي بينما كانت حماتي ما تزال تتناول طعامها، فأوقاتي ضيقة ولا أملك رفاهية الجلوس طويلاً. لم تفوِّت حماتي الفرصة لتعليقٍ آخر:   يجب أن تستيقظي مبكراً أكثر حتَّى تتناولي إفطارك على مهلٍ وتأخذي راحتك. ابتسمتُ مجدَّداً وكرَّرت ردِّي:   سأحاول إن شاء الله. بدَّلتُ ملابسي، ورتَّبتُ المطبخ بعدما أنهت حماتي إفطارها، ثمَّ ارتديت حجابي وهممت بالمغادرة، لكنَّني تذكَّرت أن اليوم هو موعد قدوم المساعدة المنزلية. عندما انتقلنا إلى منزل أكبر، ومع ضغط العمل والالتزامات الأخرى، ناقشتُ الأمر مع أُسَيد، وقررنا إحضار مساعدة منزلية مرة أسبوعياً لتنظيف المنزل، لذا أخبرت حماتي:   خالة، اليوم ستأتي المساعدة المنزلية. وكما توقَّعت، جاء تعليقها المعتاد:   وما حاجتكم إليها؟ أنتما شخصان فقط، وليس لديكما أطفال، ومنزلكما نظيف ومرتّب. لا حاجة إليها، أجد أنَّ الاستعانة بها ليست إلا مصاريف زائدة لا داعٍ لها! لم أعلّق، فقط اكتفيت بالقول:   خالة، أنا منطلقة الآن إلى العمل، هل تحتاجين إلى شيء؟ هل ينقصك أي شيء؟ أجابت بلطف:   لا، شكراً. رضي الله عنكما أنتِ وأُسَيد. ابتسمت وقلت لها:   سلمكِ الله، في أمان الله. انتهى عملي في المعهد،  لقد مرَّت سنتان منذ حصولي على وظيفتي الرسمية، بعد تخرجي من الجامعة الافتراضية، قسم الأدب العربي. بدأتُ مشواري كمعلمة لغة عربية في معهد اللغات، ووجدت في هذه الوظيفة متعةً حقيقيةً، فليس هناك ما هو أجمل من تعليم لغة القرآن الكريم لغير الناطقين بها، والتعرف يومياً على ثقافات وشعوب جديدة. بعد انتهاء الدوام، اتصلتُ بأُسَيد لأطمئن عليه. أخبرني أن قطاره سيصل بعد نصف ساعة، وأنه سيعود مباشرة إلى المنزل دون المرور بالكلية، فاقترحت عليه أن ألتقي به لنعود معاً. بينما كنا في طريق العودة، بدأ أُسَيد يشكو من طلابه:   أشعر أن ضغطي يرتفع بسبب تصرفاتهم! لا أستطيع احتمال أن يتحدَّث أحدهم مع زميله أثناء المحاضرة، أو أن يكون شارد الذهن، أو يخرج هاتفه المحمول. كل هذه التصرفات برأيي تدلُّ على قلَّة احترامهم لي! ضحكتُ وقلت له مازحة:   لكن لماذا تفترض أنَّهم لا يحترمونك؟ ربَّما نسي أحدهم نفسه وتحدَّث دون قصد، أو كان لديه سؤال مهم. لماذا تنفعل من أمورٍ بسيطةٍ كهذه؟ نظر إليَّ مستنكراً:   زينة، أنت لا تدركين عمَّا تتحدثين! هذه الأمور ليست بسيطةً إطلاقاً بالنسبة للأستاذ. ابتسمتُ وقلت له بهدوء:   لكن لا تنسَ أنني أعمل أيضاً في مجال التعليم ولدي طلابي، وأخبروني غير مرَّة: أستاذة زينة، أنتِ لطيفة للغاية! ولكن هل أخبرك بسرٍّ؟ لا أحد منهم يعلم أن هذا اللطف في مصلحتي أولاً، ثمَّ في مصلحتهم، وهذا ما أدركته في الآونة الأخيرة. نظر إليَّ متعجِّباً وسألني:   كيف يكون ذلك في مصلحتك؟ بالعكس، أنتِ تضغطين على نفسك وتكبتين انفعالاتك! ضحكتُ وقلت:   هذا ما تظنه أنت، لكن الحقيقة أنني فقط أشتري السلام لنفسي وأعتمد مبدأ اعتزل ما يؤذيك. رفع حاجبيه وقال ممازحاً:   استراتيجية جديدة لزينة! ضحكتُ وقلت:   ليست جديدة، لكنني فهمتها بعمقٍ الآن. أنت تعرف أنَّني إنسانة مسالمة بطبيعتي، لكنَّني أدركت في الآونة الأخيرة أن هذه المسالمة كانت في مصلحتي الشخصية أولاً وأخيراً، وليس فقط لصالح الآخرين. عندما أتجنَّب الجدالات والنقاشات التي لا طائل منها، فإنَّني أحافظ على راحتي النفسية، وأوفِّر طاقتي لأمور أكثر أهمية. لماذا أُرهِق نفسي في نقاشاتٍ لا تضيف إلى حياتي شيئاً؟ ابتسم وقال:   لكن في حياتك، لا تواجهين ضغطاً سوى مع بعض الطلاب، أليس كذلك؟ ضحكتُ مجدَّداً وقلت:   تظن ذلك؟! أنا أطبِّق هذا المبدأ مع كل شخصٍ في حياتي تقريباً! ومن يضايقكِ حتَّى تعتزليه؟ الفكرة ليست في اعتزال الأشخاص، بل في اعتزال الدخول معهم في مهاترات لا داعي لها، كما نصحنا النبي ﷺ حين قال: أنا زعيمٌ ببيتٍ في ربض الجنة لمن ترك الجدال ولو كان محقَّاً. سألني باستغرابٍ:   هل يمكنكِ توضيح ذلك بمثال؟ ضحكت وقلت:   آمل ألا يزعجك هذا المثال، لكنه الأقرب إلينا الآن، لأننا نعيشه يومياً وسنعيشه طوال الأشهر المقبلة. وما هو؟ ابتسمت وقلت:   والدتك، حفظها الله. هل رأيتني يوماً أدخل معها في جدال؟ هل لاحظت أنني ناقشتها حول تعليقاتها المتكرِّرة؟ صمت أُسَيد ولم يعلق بشيءٍ. تابعت قائلةً:   أنا لا أفعل ذلك بدافع التسامح فقط، ولا بدافع كرم الأخلاق وحده، بل لأنني ببساطة لا أريد أن أرهق نفسي بنقاشات لا جدوى منها. ما الفائدة من محاولة تغيير قناعاتها؟ هل سينقص مني أي شيء إن تجاهلت بعض الملاحظات؟ بل العكس، سأحافظ على سلامي الداخلي وأوفر طاقتي لأمور أكثر أهمية. فلماذا أرهق أعصابي في معارك صغيرة لا تضيف إلى حياتي شيئاً؟ سواء كسبت الجدال أم خسرته، لن يغير ذلك شيئاً من الواقع. حاول أُسَيد التخفيف من جدِّية الحديث وقال مبتسماً:   لكن لديكِ زوج لن تحتاجي إلى استخدام هذا المبدأ معه! ابتسمتُ ابتسامةً خفيفةً وقلت:   أُسَيد، هل تسمع أذنيك ما ينطق به لسانك؟ هل تريدني أن أضرب لك أمثلة؟ ضحك، لكنَّنا في تلك اللحظة وصلنا إلى المنزل، فلم نستطع استئناف ذلك الحوار. تناولنا طعامنا، ثمَّ قررنا الذهاب إلى المركز التجاريّ لشراء بعض الحاجيات، وفي الوقت نفسه لتتمكَّن والدته من الخروج قليلاً وتغيير الأجواء. وأثناء تجولنا، لفت انتباهي معطف جميل عليه خصم، اخترت اللون الأسود، وبينما كنت على وشك الذهاب إلى الغرفة الخاصّة لتجربته، قالت لي حماتي:   اللون الزهري أجمل، ويليق بلون بشرتكِ أكثر! ابتسمتُ وقلت لها بلطف:   سأجربه بعد الأسود. فما لا تعرفه حماتي أنَّ أُسَيد لا يحبذ الألوان الزاهية. ارتديت المعطف الأسود وخرجت من الغرفة الخاصَّة، وما إن رآني أُسَيد حتَّى رفع حاجبيه إشارةً إلى أنَّه لا يغطي الركبة بالكامل. فهمتُ مقصده، فأعدت المعطف إلى مكانه دون أن أجادل أو أعلّق بكلمةٍ.خرجنا من المحل، وسرعان ما تلاحقت في ذهني مواقف عديدة، وكأن شريطاً سينمائياً يمر أمام عيني. تذكّرت قرار أُسَيد بعدم حضور حفلة زفافنا النسائية، ورفضه لوضعي أي مساحيق تجميل عند الخروج إلى الشارع، كما أنَّه لا يفضِّل نشر الصور

OVA4-Rasha
فصول خاصّة

ليلة الأمنيات

رشا  |  يوليو 2011   اقترب رمضان، اخترت قلماً مميَّزاً، أخرجت دفتري الخاص، وجلست استعداداً للكتابة والعصف الذهني. بدأت بسم الله الرحمن الرحيم، ثمَّ كتبت في مطلع الصفحة: قائمة الدعوات لرمضان 1432 هـ سردت في المقدِّمة أمنياتي الكبيرة والأساسية: ثمَّ أسهبت في دعواتٍ لطلب العون والمدد والتيسير لما يجعلني أهلاً لنيل القسم الأول: كتبت بعدها الدعوات لأهلي وأحبائي وأصدقائي، بأن يرزقهم الله الصحَّة، والعافية، والسعادة في الدنيا والآخرة، هكذا إلى أن وصلت إلى قسم “الدعوات الخاصَّة جدَّاً”! وهنا توقَّفت عن الكتابة، ورحت أفكِّر برويَّةٍ، وإذ بالذكريات تتدفَّق إلى مخيلتي، لم أستطع مقاومتها، وضعت القلم جانباً، وابتسمت رغماً عنِّي حين رجعت سبعة عشر عاماً إلى الوراء. هناك في بيت جدي وجدَّتي -رحمهما الله- وتحديداً في شهر مارس من عام 1994، كانت الأمطار في ذلك اليوم تهطل بغزارةٍ، ارتدينا معاطفنا أنا وأخواتي الثلاث وانتظرنا والدي ووالدتي، وحين جَهِزنا جميعاً انطلقنا في سيارة أجرة متَّجهين إلى منزل جدِّي. وصلنا قبيل أذان المغرب، فتوجَّهت والدتي وأختي الكبيرة مباشرةً إلى المطبخ لتعاون جدَّتي في التحضيرات الأخيرة لوجبة الإفطار. لم تمر بعدها إلا دقائق معدودة حتّى وصل خالي سمير وزوجته وأولاد خالي؛ يمان وآدم. تطوَّعتُ للمساعدة في تجهيز مائدة الإفطار، إلا إنَّني لم أكن ذات نفعٍ كبيرٍ، إذ كنت متعبةً من الصيام، فقد كان اليوم الأوَّل الذي أتمُّ فيه الصيام حتَّى آذان المغرب بعد محاولاتٍ كثيرةٍ طيلة الشهر. أذَّن المغرب، فبدأنا بتناول الطعام أخيراً، لكنِّي تفاجأت بأنِّي لم أتمكَّن من تناول الأطعمة التي كنت أتوق إليها وأحلم بها طيلة النهار، إذ شعرت بالامتلاء بعد لقمتين فقط! وبعدما انتهينا من وجبة الإفطار؛ انطلق والداي وأختاي، وخالي وزوجة خالي ويمان لأداء صلاة العشاء والتراويح جماعةً في المسجد، فهذه الليلة مميَّزٌة جدَّاً! لم تقبل والدتي باصطحابي أنا وأختي الصغيرة رقية، لأنَّ المسجد سيكون مزدحماً للغاية، فهذه الليلة مميَّزة جدَّاً! انطبق الأمر ذاته على آدم، ولم يصطحبه خالي، وطلبوا منَّا المكوث في المنزل مع جدِّي وجدَّتي اللذين يُفضِّلان أداء الصلاة في البيت مع بعضهما جماعةً، فصحَّة جدِّي لا تساعده كثيراً في الخروج من المنزل. وافقنا ظنَّاً منَّا بأنَّنا سنحظى بفرصةٍ رائعةٍ للعب والتسلية، لكنَّ شيئاً من هذا لم يحدث. لم يكد يفرغ البيت من الكبار حتَّى نادانا جدِّي وطلب منَّا أن نتوضأ، كي نصلِّي معه، فهذه الليلة مميَّزٌة جدَّاً! وبعدما حوَّلنا أرضية الحمام إلى مسبحٍ، وقفنا إلى جوار جدَّتي نستعدُّ للصلاة. كبَّر جدِّي، فكبَّرنا، وشرعنا بالصلاة. كنت أقف بالمنتصف بين جدَّتي وآدم، بينما جلست رقية بالقرب منَّا تلعب ببعض الأواني البلاستيكية الفارغة، وكما هو متوقَّع! راح آدم يتحرَّك كثيراً، ويصدر أصواتاً مريبةً، لم أستطع كتم ضحكتي، فانفجرت من الضحك، وفعل آدم الأمر ذاته، فما كان من رقية إلا أن وقفت أمام جدتي تنظر إلينا لتفهم ما الذي يجري. أتممنا الصلاة، وحين سلَّم جدِّي، توقَّعنا أن يوبِّخنا بشدَّةٍ، لكنَّه اكتفى ببضع ملاحظات، وذكَّرنا مجدَّداً بأنَّ هذه الليلة مميَّزة جدَّاً! صلَّينا بضع ركعاتٍ مع جدِّي ومن ثمَّ قررنا أن نحظى باستراحةٍ. جلسنا أنا وآدم في زاوية الغرفة، وتمتمنا بصوتٍ خافتٍ ونحن نتقاسم بعض الحلوى فيما بيننا، ثمَّ سألتُه: لماذا يردّدون بأنَّ هذه الليلة مميزة جدَّاً؟ أجابني آدم بثقةٍ: الليلة هي ليلة القدر. وما معنى ليلة القدر؟ يعني إذا دعونا الله فيها، قد يحقِّق لنا ما نريده. وضعت الحلوى جانباً وعدَّلت من جلستي، ثمَّ سألته باهتمام: حقًّا؟ أيّ شيء؟ نعم! خفق قلبي، وسرحت بأفكاري، فقاطعني آدم بمكرٍ: ماذا ستطلبين من الله؟ أجبته: لا أدري بعد، دعني أفكِّر. سكتُّ قليلاً، ثمَّ قلت: أريد أن تلد أمّي ولدًا. نظر إليّ متعجّبًا وقال: ولماذا؟ لأنّهم يتحدَّثون دائمًا حول هذا الأمر، وأشعر أنّ أمّي حزينة، وقلقةً من أن تنجب بنتاً خامسة. لكن عمَّتي ستطلب ذلك بالتأكيد، اختاري شيئًا لكِ أنتِ. لكنّي أريد أخًا. أنا كأخيك، اختاري شيئًا لا تملكينه. حسناً. عاودت التفكير مجدَّداً، ثمَّ هتفتُ بحماسةٍ: عرفت ماذا سأطلب. ماذا؟ تنهَّدت وقلت له: أريد أن يحبّني الجميع. ضحك آدم وقال: الجميع يحبّك! هززت رأسي نافيةً، وقلت بحزنٍ: لا أشعر بذلك. ولماذا؟ قلت وأنا أعبث بطرف ثوبي: في الصفِّ، لا أحد ينتبه لي، هناك فتاتان تحبُّهما المعلمة، هما فقط من تمدحهما وتضحك لهما، والكلّ يجلس معهما. وفي البيت، رانيا هي الكبيرة، ورهام تضحك دائمًا، ورقية هي الصغيرة، أمَّا أنا فلا أحد يهتمّ بي. يعود أبي إلى البيت ولا يناديني، ولا يسمعني حين أقول له: “تصبح على خير”، وأمِّي… تنساني أحيانًا، لا تسألني إن أعجبني الطعام، ولا تتذكَّرني حين تذهب إلى السوق، تجلب لأخواتي أشياء جميلة، وأحصل أنا على أشيائهم القديمة فقط. ولا أذكر أنَّها قالت لي يومًا إنِّي جميلة، بينما أسمعها تمدح أخواتي دائمًا… فأفكِّر: هل أنا قبيحة؟ نظر إليَّ آدم متفاجئًا، ثمّ قال بسرعةٍ: لا، لستِ قبيحة. ثم فكّر قليلًا وأضاف وهو يبتسم: لكن ربما أنتِ غبية قليلًا. قطَّبتُ حاجبي وقلت بحزن: لا تقل ذلك يا آدم، لقد أحزنتني. رفع يديه كأنَّه يدافع عن نفسه وقال: لا أقصد هذا! افهميني… عليكِ أن تختاري شيئًا لا تملكينه، شيئًا تتمنَّينه كثيرًا. ثمّ قال بثقةٍ طفولية: الجميع يحبّك، أنا متأكِّد من ذلك. ورغم أنِّي لم أقتنع كثيراً بكلام آدم، لكنِّي عزمت أن أختار أمنيةً تمتاز بالمواصفات التي ذكرها لي، فيبدو أنّه ذا خبرةٍ جيدةٍ بالأمر، وبعد تفكيرٍ دام لدقائق عديدة، نظرت إليه بحزمٍ وقلت له بثقةٍ لا مثيل لها: وجدتها. هيَّا أخبريني، ماذا ستطلبين؟ شبكت أصابع يديّ ببعضهما وقلت له وعيناي على وشك ذرف الدموع من السعادة: أريد أن أُدعَى إلى حفلة عيد ميلاد. نظر إليَّ دون أن يقول شيئًا، ثم قال بعد لحظةٍ وهو يحاول ألا يضحك: حفلة عيد ميلاد؟ أومأتُ برأسي بسرعةٍ وقلت: نعم، لم يدعُني أحدٌ إلى حفلة عيد ميلاد من قبل. قال: حسنًا، يبدو طلبًا جيدًا. سألته بتحدٍّ: وأنت ماذا ستطلب؟ رفع حاجبيه بلؤمٍ وأجابني: هذا سرٌّ. لماذا؟ لأنّه سرّ هذا ليس عدلًا، أنا أخبرتك بكلّ شيء! نهض وهرب إلى الغرفة المجاورة وهو يقول: لن أخبرك! لحقت به لأتشاجر معه، لكن دون جدوى. بعدها انزوى كلُّ واحدٍ منّا في زاويةٍ إلى أن عاد آباؤنا من الصلاة. حينها ودَّعنا جدّيّ وخرجنا معاً، كانت الأمطار قد توقَّفت، وبينما كانت أمي تودِّع خالي وعائلته على الرصيف المقابل لمنزل جدِّي، لوَّح لي آدم وهو يقف خلف خالي سمير، وأشار إلي بأن أقترب نحوه، أفلتُ يد والدتي واقتربتُ نحوه وأنا ما أزال غاضبةً منه، فهمس قائلاً: سأخبرك عن طلبي تعالي معي. أومأت إليه بالإيجاب، فمشينا بضع خطواتٍ في الشارع ذاته، إلى أن وصلنا إلى واجهة الدكَّان الصغير الذي يقع في مطلع الشارع. أشار آدم إلى أحد الرفوف التي يمكننا رؤيتها من خلال زجاج الواجهة وقال: أترين تلك الكرة البيضاء؟ هززت

فصول خاصّة

تاجٌ من نور

أُسَـيد  |  أكتوبر 2000 كان قلبي يرتجف فرحاً، أنهي السورة، فأسمع تكبير من حولي، ثمَّ أستأنف، هكذا إلى أن أنهيت تلاوة سورة الناس، وبعدما كبَّر الجميع، أخذتُ نفساً طويلاً، أغمضتُ عينيّ، وبمقام “الكرد” الذي يفضّله شيخي وأستاذي طارق استفتحتُ ختمةً جديدةً، نظرت نحوه نظرةً خاطفةَ فوجدَّته متأثِّراً بشدَّةٍ، ابتسمتُ وأومأتُ إليه بحبٍّ ورحت أتلو سورة الفاتحة ببطءٍ ورويَّةٍ، وبعدما أمَّن الجميع، تلوت خمس آياتٍ من مطلع سورة البقرة، ومن ثمَّ أخفضت رأسي استعداداً لدعاء ختم القرآن الكريم. لطالما حلمت بهذه اللحظة، منذ أن بدأت بحفظ القرآن وأنا أحاول أن أسرع في الإنجاز وأنافس أصدقائي في الحلقة، لكن لم يقبل والدي بذلك، واتَّفق مع الأستاذ طارق على جدولٍ خاصٍّ لي يكون فيه الحفظ مرتبطاً مع التفسير، وعلى إثر ذلك؛ سبقني أغلب أصدقائي بختم القرآن الكريم. تعلَّمت التجويد بشكلٍ سماعي وتلقيني في المسجد منذ أن كنت في الخامسة من عمري، وحفظت الأجزاء الخمسة الأخيرة على مدى ثلاث سنوات، وحين أصبحت في الثامنة من عمري بدأتُ بحفظ سورة البقرة، أحفظ السورة، وأدرس تفسيرها، وما إن أفرغ من تلاوتها وعرضها على أستاذي حتَّى يمتحنني بتفسيرها، فأنتقل إلى السورة التالية، هكذا إلى أن تأتي العطلة الصيفية فأستذكر وأراجع كلَّ ما حفظته. مرَّت السنوات وتوالت تباعاً، وأتى اليوم الذي انتظرته طويلاً. عندما عدتُ من المدرسة، تناولت طعام الغداء وبعدما أنهيت واجباتي المدرسيَّة وارتحت قليلاً، انطلقت أنا ووالدي وأخي الكبير حذيفة إلى المسجد لأداء صلاة المغرب. يبعد مسجد أبي بكر عن منزلنا بضعة أمتار، سلكتُ طريقه مئات المرّات، ذهاباً وإياباً، صباحاً ومساءً، لكن اليوم كنت أمشي وأنا أستشعر خطواتي خطوة خطوة، سألني حذيفة وهو يراقبني: هل أنتَ متوتر؟ أجبته بثقةٍ: لا إطلاقاً! ابتسم ووضع يده على كتفي وراح يدعو لي ويتمنَّى لي التوفيق في ختم القرآن الكريم، وحين وصلنا إلى المسجد؛ أخذنا مكاننا بين الصفوف لأداء صلاة المغرب، وبعد الصلاة، جلسنا في ركن المسجد، فالتفَّ أصدقائي في حلقة حفظ القرآن حول الأستاذ طارق، وانضمّ إليهم والدي وحذيفة، بينما بقيت أنا في الطرف المقابل لهم. ألقى الأستاذ طارق السلام عليّ وسألني: هل أنتَ مستعدٌّ يا أُسَيد؟ أجبته والابتسامة تعلو شفتيّ: إن شاء الله. حرَّك يمينه نحوي قائلاً: توكَّلنا على الله، هيّا يا أُسَيد رتِّل بسم الله. كنتُ سعيداً ومتحمِّساً للغاية، وبسلاسةٍ رحتُ أتلو الآيات تباعاً بابتسامةٍ لم أستطع إخفاءها. كيف سأخفيها وقلبي يكاد أن يطير؟ لم يكن الطريق للوصول إلى هنا سهلاً، فالأستاذ طارق لا يتهاون البتَّة، خطأ واحد في التشكيل كفيلٌ بإلغاء التسميع كاملاً، وإعادته في موعدٍ جديدٍ. كنت أرتِّل الآيات، وأنا أسترجع ذكرياتي مع ملاحظاته وتعليقاته حول مخارج الحروف وصفاتها، والمدود وتوازنها، والأحكام التجويدية ودقّتها. …. لا تُشرك الخيشوم في غير موضعه يا أُسَيد! انتبه! لا تهمس حرف التاء وهو متحرِّك. رحمك الله! حتَّى لو كنت مصاباً بالزكام، حاول ألا تشرك الخيشوم يا بني! سمعتُ ثلاث راءاتٍ يا أُسَيد! انتبه للراء المشدَّدة، حين تأتي مكسورةً! قف عند كلمة “الأرض” بثقةٍ، ولا تتهرَّب من “استطالة” الضاد يا أُسَيد! أُسَيد! صوتك ليس صافياً اليوم، هل عدنا لإشراك الخيشوم مع المدود؟!   ذكرياتٌ كثيرة لا يمكن نسيانها لثلاثين جزءاً تلوتهم على مسامعه، سورةً بسورة، وكلمةً بكلمة، وحكماً بحكم، وضاداً بضاد! نِعم المعلّم بابتسامته اللطيفة، وخلقه الحسن، لم يسأم ولم يمل من التنبيه والتصويب بإحسانٍ وصبرٍ، وعلى مدى عشر سنوات، لم ينهرني يوماً، أو يشعرني بالإحباط من أخطائي، فهو يعلم أنِّي أبذل جهداً كبيراً وأحاول بكلِّ ما أوتيت من عزيمةٍ وهمَّةٍ. همست في سرِّي: بسم الله… ثمَّ رفعت يديّ وكذلك فعل الجميع، وشرعت بالدعاء… الحمد لله رب العالمين.. الحمد لله الذي أنزل الكتاب هدىً للمتقين، وخلقنا من نفسٍ واحدةٍ، وخلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنّور.. بسم الله خير الأسماء، بسم الله الذي لا يخفى عليه شيءٌ في الأرض ولا في السماء، اللهمّ إنِّي أسالك بأنَّ لك الحمد لا إله إلّا أنتَ وحدك لا شريك لك، يا بديع السموات والأرض يا ذا الجلال والإكرام.. اللهمَّ ارحمنا بالقرآن، واجعله لنا إماماً ونوراً وهدىً ورحمةً، ذكّرنا منه ما نسينا، وعلِّمنا منه ما جهلنا وارزقنا تلاوته آناء الليل وأطراف النّهار، واجعله لنا حجَّةً يا ربّ العالمين، نوِّر قلوبنا بالقرآن، وزيِّن أخلاقنا بالقرآن، ونجِّنا من النار بالقرآن، وأدخلنا الجنة بالقرآن، واجعله لنا في الدنيا صاحباً، وفي القبر مؤنساً، ويوم القيامة شفيعاً. اللهمّ أكرم والديّ، وأكرم كلَّ من علَّمني كتابك الكريم، واجعل لهم بكلِّ حرفٍ من القرآن أجراً عظيماً، واجزهم عنِّي خير الجزاء والإحسان، وارفع مقامهم في الدنيا والآخرة برحمتك يا أرحم الراحمين. ربِّ أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت عليّ وعلى والديّ وأن أعمل صالحاً ترضاه وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين. ربِّ زدني علماً، وهب لي حكماً وألحقني بالصالحين، واجعل لي لسان صدقٍ في الآخرين واجعلني من ورثة جنَّة النعيم. قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا، هو خيرٌ مما يجمعون. وصلى الله وسلّم وبارك على سيدنا ونبيّنا محمّدٍ وعلى آله وأصحابه الأخيار وسلَّم تسليماً كثيراً، والحمد لله ربِّ العالمين. تنهَّدت ومن ثمَّ رفعت رأسي فوجدت الأستاذ طارق مقبلاً نحوي ودموعه على وجنتيه، ضمَّني إليه وهو يقول: بارك الله بك يا أُسَيد، وجعلك شعلةً من العلم والإيمان. ثمّ وضع يديه على كتفي، هزَّني بقوةٍ ممزوجةٍ بالثقة والتفاؤل وأردف: وقوياً كالأسد، في كلِّ شأنك. في تلك اللحظة فقط لم أتمالك نفسي، شعرتُ برغبةٍ في البكاء، غرزتُ وجهي في ساعدي وأنا أذرف الدموع، فربَّت والدي على ظهري، وأقبل حذيفة وابن عمِّي منير وبقية أصدقائي ليباركوا لي. قبَّلت يد والدي الذي كان فخوراً ومبتهجاً، فكرَّر دعواته لي، ثمَّ قال: والدتك وأختاك في ساحة المسجد ينتظرنك بفارغ الصبر، لا تتأخَّر عليهن. حقَّاً؟ بالطبع! استأذنتُ الجميع، وهممت بالخروج من قسم الرجال، فناداني الأستاذ طارق: أُسَيد، ستؤمّنا في صلاة العشاء، كُن مستعدَّاً. فاجأني باقتراحه، الذي غمر فؤادي سعادةً، أومأتُ له بالإيجاب وانطلقتُ إلى ساحة المسجد، وحين لمحتني والدتي لوَّحت لي، فجريت نحوها كما لو أنِّي أطير، فاحتضنتني وهي تدعو لي بأجمل الدعاء، بينما كانت أختاي تمدحانني بأرقِّ وأعذب الكلمات، ثمَّ ألبستني أختي أميرة عباءة “حافظ القرآن”، ووشاحاً مطرزاً عليه اسمي بإتقان. وبينما كنتُ أصف لهنّ مشاعري، أذّن المؤذّن لصلاة العِشاء، فسألتُ والدتي: هل ستصلّين العشاء في المسجد؟ أجابتني: نعم، إن شاء الله. تحمَّست كثيراً، وقلت لهنّ: جميل جدَّاً، إذن نلتقي بعد الصلاة في المنزل. وانطلقت عائداً إلى قسم الرجال دون إخبارهنّ أنِّي من أَؤُم المصلين، جددت وضوئي وعدَّلت مظهري، وحين أُقيمت الصلاة، قدَّمني الإمام مكانه، وعدَّل ارتفاع مكبِّر الصَّوت ليناسب طولي، ومن ثمَّ قال: هيَّا أيُّها الحافظ، أسمعنا تلاوتك الليلة، بارك الله بك. كبَّرتُ فكبَّر الجميع، وبدأت بالصلاة بهدوءٍ وتأنٍّ، اخترتُ سورة الحشر لتلاوتها بعد الفاتحة، وفي العادة قد تصدر أصوات

فصول خاصّة

من سيعرفها مثلي؟

عمــر  |  نوفمبر 2012 أنهيت عملي وتوجَّهت مباشرة إلى بيت خالتي حسناء، وقبل أن أصل اتصلتُّ بها لأتأكَّد بشكلٍ غير مباشر من أنَّ سلام ليست في المنزل. كنت على مدار الأيام السابقة أنسِّق كلماتي قدر الإمكان وأبحث عن الطريقة الأنسب لشرح الموضوع. وقفت أمام المنزل، وتوكَّلت على الله، ثمَّ طرقت الباب.   أهلاً خالتي. أهلاً يا حبيبي، تفضَّل، أين زوجتك؟ هي زيارة سريعة، أودّ أن أطمئنَّ عليكم. أهلاً وسهلاً بك متى شئت، هل تشرب الشاي أم القهوة؟ شكراً، لقد شربت كثيراً من المنبِّهات اليوم. سأحضر لك بعض العصير. جلسنا معاً في غرفة المعيشة، وبعدما تبادلنا بعض الأحاديث الروتينيَّة، انتقلتُ إلى صلب الموضوع وقلت لها:   خالتي، سأكون صريحاً، هناك أمرٌ أودُّ مناقشته معك. صمتُّ قليلاً، ثمَّ أردفتُ:   الأمر متعلِّقٌ بسلام. نظرتْ خالتي نحوي بقلقٍ، وقالت:   عسى خيراً! لا تقلقي! خيرٌ إن شاء الله، لكن أودُّ أن أعرف وجهة نظرك حول بعض الأمور. تفضّل يا بنيّ. كما تعلمين، فإنَّ سلام قد رفضت كرم مرَّاتٍ عديدة. هل سبَّب لكَ هذا الرفض أي إحراج مع أهل زوجتك؟ لا إطلاقاً، هذه حياتها، ولا مشكلة في الرفض، وفي كلِّ الأحوال هي ما تزال صغيرة ولست داعماً لفكرة ارتباطها الآن. رغم أنِّي لا أوافقك الرأي، لكن أكمل ما عندك. حسناً.. بصراحة، فإنَّ صديقاً لي تحدَّث معي منذ فترة حول رغبته في طلب يد سلام. من هو؟ هل أعرفه؟ لا أعتقد أنَّك تعرفينه، اسمه آدم. ابتسمت خالتي، بل لعلَّها ضحكت بصوتٍ منخفضٍ وقالت:   أنا التي أعرفه، آدم الشابّ الأسمر والطويل، أليس كذلك؟ أجبتها مستغرباً:   نعم هو! فسألتني:   وما المشكلة؟ تنهَّدتُ ثمَّ أجبتها:   لا أشعر أنَّ سلام قادرة على اتِّخاذ قرارٍ صائب حول اختيار شريك حياتها. عمر، هلَّا أوضحت أكثر! صمتُّ ولاحظتْ خالتي ارتباكي، فالأمر محرج للغاية، كيف سأخبرها أنَّ سلام معجبة بآدم، وأنِّي لا أجده شخصاً مناسباً لها، وأخشى أنَّها قد توافق على الارتباط به بعجلةٍ واندفاعٍ وهي غير مدركة للعواقب! قاطعتْ خالتي تساؤلاتي تلك وهي تقول:   إذن، فصاحب أكبر صورةٍ في معرض سلام، قد أقبل بالفعل. ابتلعتُ ريقي بصعوبةٍ، وسألتها:   خالتي! ماذا تعرفين عن آدم؟ أجابتني ببساطةٍ:   أعرف أنَّه الشخص الوحيد الذي استطاع أن يلفت انتباه ابنتي المدلَّلة سلام، لا أعتقد أنَّها تحبّه، لكنَّها معجبة به بشدَّة، أليس كذلك؟ لماذا لم تسأليني عنه إذن؟ عمَّ سأسألك؟ ألم تشعري بالقلق حيال الأمر؟ ربتتْ خالتي على كتفي وهي تجيب:   عن أيِّ قلقٍ تتحدَّث؟! لقد كنتُ سعيدة باكتشاف ذلك. لا أخفيك أنَّها قد بالغت بحجم وتوضُّع صورة آدم في المعرض، لكن ومع ذلك، فقد كانت الصورة جميلة. قطّبت حاجبيّ كما لو أنِّي أحتاج إلى توضيحٍ أكثر، نظرتْ خالتي إليّ بحنانٍ ثمَّ قالت:   عمر! ما المشكلة بالضبط؟ اسألني بوضوح. حسناً، دعينا نبدأ من البداية. أيّ بداية تقصد بالضبط؟ المعرض؟ زيارة المدينة القديمة؟ الساعة الضائعة؟ أم حفل زفافك؟ أنتِ تعلمين التفاصيل، هل أخبرتك سلام بمدى إعجابها به؟! لا إطلاقاً، هي لم تخبرني إلى الآن بشكلٍ صريح. دعني أسألك، منذ أيام عادت سلام مرتبكةً من مكتبك، على ما يبدو أنَّك أخبرتها بنيَّة آدم في طلب يدها، هل هذا ما جعلها مضطربة؟ نعم هذا ما حدث. أخذت خالتي نفساً عميقاً، ثمَّ قالت:   هذا جيد. نظرت إليها باستغرابٍ مجدَّداً ولسان حالي يقول: “ما الجيد في الأمر؟” لم تجبني خالتي على الفور، جلبتْ كأساً وصبَّت لي بعض العصير، ومن ثمَّ جلست وراحت تتحدَّث برويَّة وهدوء:   اسمعني يا عمر، رغم أنَّ سلام لم ترتد المدرسة، وكان تعليمها منزليّاً، لكنّها كانت اجتماعيَّة، ولديها دائرة أصدقاء في كندا، حين أصبحت سلام في سنِّ يافعة، كنتُ قريبةً منها، وواضحةً وصريحةً، فهمتْ سلام في سنٍّ مبكرةٍ أنَّ الشُّبَّان المسلمين هم المرشَّحون فقط للإعجاب أو الحبِّ سمِّه ما شئت. كان لا بدّ من توضيح هذه الفكرة وتأكيدها مع كلّ فرصة متاحة، كنتُ أخشى عليها من كسرة القلب، وضياع الدين، فأنا لا أستطيع أن أراهن على حبٍّ يجعل شابّاً يسلم إسلاماً حقيقيّاً، ولذلك لا أجد ضرورة في أن تقحم سلام نفسها في تحدٍّ كهذا. وحين التحقت سلام بالجامعة، وكبرت دائرة معارفها، وزملائها وأصدقائها، كنتُ مترقبة على الدوام؛ من سيلفت نظرها؟ ومتى؟ وأين؟ من أي بلد؟ كيف ستكون أخلاقه؟ وتربيته؟ وبيئته؟ والتزامه؟ أنهت سلام دراستها ولم أشعر أنَّها قد وقعت في حبِّ أيٍّ ممن التقت بهم. عمر! ليس من السهل أن تضبط الفتاة مشاعرها وهي محاطة بأجواء مائعة للغاية، لا تنسَ أنّ صديقاتها ومنذ سن الخامسة عشر، صادقن الشبّان، وعِشنَ قصص حبٍّ. لا يمكن المقارنة بين فتاةٍ تعيش في مجتمعٍ محافظ وأخرى في مجتمعٍ متحرِّرٍ، فالأولى جلّ من حولها من الفتيات يخضن التجربة ذاتها، ويتحدَّثن حول مغامراتٍ متشابهة ومتقاربة؛ هل رأيتِ هذا الشاب الوسيم؟ يا إلهي كم أحبّ هذا المطرب! تقابلت اليوم مع ابن الجيران عند الدكّان، كم كان شهماً حين دفع عنِّي الحساب! وما إلى ذلك… أمَّا من تعيش في مجتمعٍ غربيّ متحرٍّر، فبإمكانك إطلاق العنان لمخيلتك عن مغامرات من حولها من الفتيات. هل فهمت لماذا لا أراها صغيرةً على الارتباط؟ يا عمر، تأخير الزواج هو أمرٌ دخيل على مجتمعاتنا، ومنحىً غير طبيعيٍّ للشبّان والشابّات، أوصلنا إليه تعقيد الحياة، وغلاء المعيشة، وتعسير الزواج، والتعامل مع اليافعين كما لو أنَّهم أطفال، وعدم تجهيز فئة الشباب لفكرة الاستقلالية والمسؤولية في سنٍّ مبكرة، في حين أنَّنا لسنا مضطرين لكلّ ذلك! بكل الأحوال، إنَّ ارتفاع متوسط سنّ الزواج أمرٌ جرى على الأغلبيّة، لذا فالفتاة وقريناتها لن يشعرن بالضغط في مجتمعنا كما لو كانت الفتاة في بلدٍ أجنبيّ ومتحرِّرٍ، هي وحدها من تعفُّ نفسها، وهي وحدها من تتقي الله. لم تمسك يوماً بيد شابّ، ولم تسمع كلام غزل، وببساطة لم تجرِّب أن تُحِب وتُحَب. هل تفهمني عمر؟ أومأت برأسي بالإيجاب، فأردفتْ خالتي كلامها:   طيلة تلك السنوات، لم يكن الأمر بهذه السهولة، أن أستشفَّ مشاعر سلام من كلماتها، وانفعالاتها، لكن مع الوقت أصبح لديّ خبرة جيدة، لذا وحين ظهر آدم، شعرتُ بإعجابها به عن طريق كلماتٍ مقتضبةٍ وتعليقاتٍ بسيطةٍ صدرتْ منها بعفويةٍ عن شابٍّ هو صديق عمر، ركبتْ معه في سيارته يوم الزفاف، وبَّخها لأنَّها كانت تلتقط الصور بتهوُّرٍ وكادت أن تؤذي نفسها! يجيد رقصة “الدبكة” بمهارةٍ وخفَّة لا مثيل لها، شابٌّ رافق عمر وتابع مباراة لكرة القدم في أحد مقاهي المدينة القديمة، وهو ذاته الذي أعاد إليها ساعتها الضائعة، كنتُ أنتظر الإشارة التالية لتتأكَّد شكوكي، وبالفعل لم يمضِ بعدها وقتٌ طويلٌ حتّى قرَّرت سلام إنشاء معرضها، واختارت لصورته أفضل ركنٍ في المعرض، لا بل وضعت شمساً على زاويتها. يا إلهي كم هي عفوية هذه الفتاة؟! نظرتْ خالتي نحوي، لتجدني محتاراً للغاية، فسألتني:

فصول خاصّة

طيفٌ بعيدٌ

آدم  |  سبتمبر 2024 انتهى دوامي، وبينما أنا في طريق العودة، اتَّصلتُ بسلام لأرى إن كانت بحاجةٍ إلى شيءٍ ما أجلبه معي، فأجابتني أنها تحتاج فقط إلى “وصولي حالاً”، فهي غاضبة من حِسان، لم أسهب كثيراً، وحين وصلت سألتها: ما الخطب؟ فأجابتني: الموضوع ذاته! حسناً دعيني أتصرَّف، سأتحدَّث إليه! توجَّهت إلى غرفته، فنقرت الباب قائلاً: أنا بابا، افتح لي! وبالفعل، فتح لي الباب، فدخلت لأجده حزيناً تخيِّم الكآبة عليه، قلت في نفسي: سبحان الله ها هو ذا المشهد يتكرَّر بحذافيره! مضى أكثر من عشرين عاماً، كنتُ حينها أكثر تمرُّداً وأشدّ عناداً من حِسان، لذا قرَّرت أن أترفَّق به، فأنا أشعر بما يشعر به، وأفهمه، وعليّ أن أحتويه اليوم كما تمنَّيت لو احتواني والداي في تلك الأيام. أقفلت باب الغرفة كي لا تقاطعنا جوري، وجلست على الأريكة الصغيرة في غرفة حِسان، وحين أقبل وجلس أمامي، سألته: أما تزال حزيناً؟ أنا لا أفهم سبب اعتراضكما؟ لماذا تقفان عائقاً في وجه أحلامي؟ لن يقف أحدٌ في وجه أحلامك! إذن سألتحق بالفريق الرسمي لأحترف كرة القدم. لكنَّنا لا ندعم هذه الفكرة إطلاقاً. أرأيت؟! ها أنت ذا تقف عائقاً في وجه أحلامي حِسان يا بنيّ! تعلَّم أن تسأل قبل أن تجادل، افهم وجهة نظر من يحاورك، ولا تلقِ الاتِّهامات جزافاً! على الأقل اسألني: “ما السبب؟” تنهَّد بغضبٍ، ثمَّ سأل بتململٍ: وما السبب؟ دعني أشرح لك الأمر برويَّةٍ. تفضَّل! إنَّ لقرار التحاقك بالفريق الرسميّ والاحتراف تبعات؛ أولها التفرُّغ للتدريب والتمارين، وأخشى أن يؤثِّر ذلك على مستواك وطموحك الدراسي، والأمر الآخر هو أنَّك قد تجعل من هذا المجال مهنتك في الحياة، وهذا ما لا نحبِّذه يا بني، لذا ما الفائدة التي ستجنيها إن التحقت بالفريق الرسمي؟ ستتعلَّق بكرة القدم أكثر وأكثر، وتهدر وقتاً وجهداً في التدريب، وبالتالي ستحصر أحلامك وطموحاتك بها! وما الضير في ذلك؟ أنا لا أفهمك يا أبي! ما المشكلة في أن أصبح لاعب كرة قدم؟ توجَّهتُ نحو الخزانة التي في غرفته، والتي نضع فيها بعض مجلَّدات الصور، وأخرجت أحدها، رحت أقلِّب فيه إلى أن وجدتها، جلست مجدَّداً إلى جوار حِسان وأشرت إلى الصورة وأنا أقول: أنت تعرف هذه الصورة، أليس كذلك؟ نعم، إنَّها لك، حين كنتَ في المدرسة. نعم، هذا صحيح. عندما كنت في عمرك، كان حلمي أن أحترف كرة القدم، وكما حدث معك، عرض علي مدربي أن أحترفها، لكنَّ جدَّتك رفضت الأمر برمَّته، وسألتها السؤال ذاته: “ما الضير في أن أصبح لاعب كرة قدم؟”، لم تشرح جدَّتك السبب لي، ولعلَّها شرحت باقتضاب، لكنِّي لم أفهم حينها دوافع رفضها، فحزنت كثيراً، وبقيت لسنواتٍ ألومها. هل رأيت؟ هل تودُّ تكرار التجربة ذاتها معي؟ بالطبع لا! أنا هنا لأشرح لك الأسباب التي أدركتها فيما بعد. لم يعجبه كلامي، فأشاح وجهه غاضباً، لكنِّي تابعت قائلاً: اسمعني حِسان، نختلف نحن البشر عن بعضنا البعض كما ترى، لكلٍّ منَّا قدرات ومهارات وكفاءات واهتمامات خاصَّة به. نخوض الحياة، فيتوسَّع أفقنا وتتعمَّق خبراتنا، نتعلَّم وندرس لنرفع مستوى كفاءتنا، نخالط الناس ونكتشف مجالاتٍ جديدة ومعارف وثقافاتٍ متنوعة، فنركِّز اهتماماتنا بما ينفعنا، وننمي مهاراتنا بالقدر الذي نحتاج إليه. وكما تعلَم، على الشخص في وقتٍ ما أن يختار عمله ومهنته، وهنا بالضبط وقبل الشروع في تحديد اختصاصنا المهني، علينا أن نطرح على أنفسنا ثلاثة أسئلة، أولها: ما مهاراتي؟ أين شغفي؟ ماذا أحب؟ ماذا أجيد؟… استدار نحوي وقاطعني مباشرةً وهو يقول: هذا السؤال بسيط وجوابي هو: “كرة القدم”. أعلم، لكن لنفرض أنَّ لدي مهارات أخرى، عليّ إذن أن أفكِّر، أيّ مجال من تلك المجالات أودّ أن أحترفه، وأجعله مهنتي، وأيّ المجالات سأتركها في حيز الهوايات. وفي هذه الحال، عليّ أن أكون صادقاً مع نفسي، ولا سيَّما إن كنتُ على يقين بأنَّ لديّ المقومات الكافية لخوض المجال الأكثر تحدِّياً، والدعم اللازم للاستمرارية فيه.. لم أفهمك. حِسان! أنت في الأساس لم تطَّلع على أنواع العلوم المتعدِّدة، ولا يمكنك أن تكتشف شغفك الحقيقي الآن ما لم تجرِّبها كلها، وتطلَّع على مجالات الحياة التي ستعرض عليك أثناء الدراسة، لذا سأنتقل إلى السؤال الثاني. نظرت إليه لأتأكَّد من أنَّه ما يزال يصغي إليّ، ثمَّ أردفت: لتكون واثقاً من قرارك، عليك أن تبحث وتسأل: هل مهتني وكسبي للمال من هذه المهنة حلال؟ انتفض وسألني: وما الحرام في كرة القدم؟ أنا لا أقصد كرة القدم، إنَّما أشرح لك الخطوات فقط. لنفترض أنِّي أعمل في مجال المحاسبة، هذا لا يعني أنَّ كلَّ الوظائف تناسبني، فعليَّ ألا أعمل في بنوك تتعامل بالرِّبا على سبيل المثال. لنفترض اخترت المجال الطبي، عليَّ ألا أخوض في أمورٍ فيها شبهات، فمثلاً أبتعد عن إجراء عمليات لا توافق أحكام الشريعة، وقِس على ذلك. مجدَّداً، ما الحرام في كرة القدم؟ إن كنتَ قد بحثتَ وسألتَ بالفعل ووجدت أنَّ كسب المال عن طريق لعب كرة القدم حلال! حينها ننتقل إلى السؤال الثالث: هل نتاج عملي سينفع الناس ويعود عليهم بالفائدة؟ نعم، إمتاع الناس وإبهاجهم لا يقلُّ أهمية عن أي عملٍ آخر. حسناً، هلَّا ذكرت لي فوائد أخرى؟ الرياضة جيدة للصحة. ماذا بعد؟ صمت، فنهضتُ ورحت أتجوَّل في الغرفة، ثمَّ سألته: حِسان، انظر حولك… هل ترى ما سخَّره الله لك؟ العقل، والصحة، والأسرة، والعلم، والقدرة المادية والجسدية والنفسية، والأرض، والسماء، والمطر، والغيوم، والبحر، والقمر، والشمس…. أكلّ هذا سخره الله لك، كي تلعب كرة القدم فقط؟ لم يجبني، صمتُ قليلاً، فتذكَّرت في تلك اللحظة الجملة التي قالها لي يمان يوماً: “آدم، ستقف يوم القيامة، وتُسأل عن عمرك فيما أفنيته، وعن مالك من أين اكتسبته، وعن جسمك فيما أبليته، قل لي: هل سيكون ردُّك: كرة القدم.. كرة القدم.. كرة القدم..؟ هل ستكون فخوراً بهذه الإجابات؟ أنتَ خليفة هنا في الأرض، ألا تفهم؟!” توجَّهت نحوه مجدَّداً، أخذتُ نفساً عميقاً ووضعت يديّ على كتفيه وقلتُ له برفقٍ: أنتَ خليفة هنا في الأرض، لذا يجب أن تستغلَّ قدراتك، وتقدِّم أفضل ما عندك في المكان الصحيح. ما سعر فلان؟ ومتى وأين ومَن اشتراه؟ كم عدد أهدافه؟ والبطولات التي فاز بها؟ كم عدد الميداليات التي حصل عليها؟ ومتى سيعتزل وماذا سيفعل بعد الاعتزال؟ من اشترى هذا النادي؟ وما الشركات الممولة والراعية؟ وأسئلة كثيرة لا حصر لها… هل ترضى بأن تحجِّم قدراتك العقلية على هذه الأمور فقط؟ هل سيقتصر تأثيرك في الحياة على إمتاع شريحة معينة من الناس؟ مهلاً مهلاً! أنتَ تظلم كرة القدم كثيراً، من قال إنَّها تقتصر على تلك الأمور؟! التخطيط والتكتيك، ودراسة وفهم تحركات الطرف الآخر، كلّها من المهارات الجيدة في الحياة. قاطعته وقلت له بحزمٍ: اكتسبها من كرة القدم حين تمارسها على أنَّها هواية، اكتسبها وطبِّقها، مَن منعك عنها؟ لطالما شعرت بالحزن على حاله، ذلك الشخص الذي إن سألته: “ما هوايتك؟” تلعثم ولم يجد إجابةً

Scroll to Top