ارتديت معطفي الكستنائيّ، ورتّبت أغراضي، ومن ثمّ توجّهت نحو المطبخ، هناك حيث كانت والدتي منهمكةً في تحضير طعام الفطور، قالت وقد رأتني على وشك المغادرة:
- ألن تأكل شيئاً يا هشام؟
أومأت برأسي وتناولت قطعة صغيرةً من الجبن، ثمّ ودّعتها وانطلقت إلى عملي. وهناك مضى يومي بشكلٍ اعتياديّ، بدءًا من الاجتماعات، مروراً بوجبة الغداء السريعة، انتهاءً بتسليم الملفات والنتائج المطلوبة، ومن ثمّ حان وقت عودتي إلى المنزل.
حزمت حقيبتي وخرجت من الشركة عند الساعة الخامسة مساءً، وانطلقت في طريقي. وبينما كنت أمشي رنّ هاتفي، وإذ بها رسالة قد وصلتني للتوّ، قرأتها فتسمّرت في مكاني، وبدأ العرق يتصبّب من جبيني كزخّات المطر، وتسارعت نبضات قلبي، وشعرت بصعوبةٍ بالغةٍ في التنفس، ومن ثمّ وقعت أرضاً.
يا إلهي! ما هذه الرسالة!
لا أعلم كم من الوقت مضى وأنا على هذه الحال، بعدها حاولت أن أتمالك أعصابي ونهضت لأكمل طريقي، لكنّي صدمت بما رأيت، فقد اختفت الطرقات من أمامي، وبهتت الألوان شيئاً فشيئاً حتى صار كلّ ما حولي رمادّياً ومخيفاً، وبدت الجدران والمباني التي تحيط بي هلاميّةً لا عماد لها، ذعرت، ما هذا الرعب الذي يحاوطني؟!
جعلت أجري كما لو أنّي في نفقٍ مظلمٍ لا نهاية له، كنتُ أرى أناساً يتحرّكون بجانبي لكنّي لم أكن قادراً على تمييز وجوههم أو ملامحهم. خطر ببالي أن أنظر إلى السماء، علّي أجد فيها ما يدلّني على الاتجاه الصحيح، رفعتُ بصري فلم أجد الشمس التي كانت هناك منذ قليل، بل رأيت قرصاً كبيراً يتوسط كبد السماء المظلمة، كما لو أنّه ثقباً أسود على وشك ابتلاعي، فما كان منّي حينها إلا أن أغمضت عينيّ وجريت بلا هدىً أو رشاد.
سألت نفسي: هل أنا في حلمٍ أم حقيقة؟ وبينما أنا أجري وأجري ارتطمت بجدارٍ كبير، فتحت عينيّ فوجدتني قد وصلت إلى المنزل، رحت أبحث عن مفاتيحي لكن بلا جدوى، فقد كانت حقيبتي فارغة تماماً، قلبتها رأساً على عقب ولم أجد فيها شيئاً!
ما الذي يجري؟!
استجمعت ما تبقى لديّ من قوّة ودفعت باب المنزل بكتفي، فانكسر ودخلت وأنا أرتجف، نظرت حولي فوجدت الأثاث مهترئاً ومحطماً، والأغراض متناثرة على الأرض، فصرخت بأعلى صوتي:
- أمّي! أمّي! أين أنتِ؟
سمعت صوتها وهي تجيبني:
- أنا هنا في غرفة الجلوس.
مشيت وأنا بالكاد أجرّ نفسي، وحين وصلت إلى الغرفة وجدتها تجلس في مكانها المعتاد، تضع نظارتها على عينيها وتحيك مفرشاً صغيراً.
ركضت نحوها وعانقتها، وبقيت على هذه الحال بضع دقائق، فعادت دقات قلبي إلى معدلها الطبيعيّ، واستقر كلّ شيءٍ في مكانه، فنهضت ونظرت من خلال النافذة، لأجد بأنّ الأرض قد عادت هي الأرض، والسماء هي السماء، والألوان هي الألوان.
عادوت النظر إلى أمّي، فسألتني:
- ما بك يا هشام؟
أجبتها:
- أرجوك يا أمّي، هلّا ألغيتي المصحّح الآلي للنصوص في هاتفك.
- لماذا؟
- ألغِه وحسب، أرجوك!
أومأتْ لي بالإيجاب، فأمسكتُ هاتفي ومسحت تلك الرسالة التي وصلتني منها قبل قليل.
متى ستعود؟ أنا أحتضر!
يا إلهي، لقد كانت أمّي “تنتظر” فحسب.
تأمّلتها بحبٍّ، ومن ثمّ حضنتها مجدداً.
لا، لست من هواة أفلام الرعب، ولا أدري عن حبكاتهم وأحداثهم، لكنّي واثقٌ بأنّه لا يوجد ما هو أكثر رعباً من فكرة فقدانكِ يا أمّي.
بقلم: سحر خواتمي | نُشرت ضمن الإصدار السابع لكتاب “عابرون” | دار عابر | 2025