فصول خاصّة

طيفٌ بعيدٌ

آدم  |  سبتمبر 2024 انتهى دوامي، وبينما أنا في طريق العودة، اتَّصلتُ بسلام لأرى إن كانت بحاجةٍ إلى شيءٍ ما أجلبه معي، فأجابتني أنها تحتاج فقط إلى “وصولي حالاً”، فهي غاضبة من حِسان، لم أسهب كثيراً، وحين وصلت سألتها: ما الخطب؟ فأجابتني: الموضوع ذاته! حسناً دعيني أتصرَّف، سأتحدَّث إليه! توجَّهت إلى غرفته، فنقرت الباب قائلاً: أنا بابا، افتح لي! وبالفعل، فتح لي الباب، فدخلت لأجده حزيناً تخيِّم الكآبة عليه، قلت في نفسي: سبحان الله ها هو ذا المشهد يتكرَّر بحذافيره! مضى أكثر من عشرين عاماً، كنتُ حينها أكثر تمرُّداً وأشدّ عناداً من حِسان، لذا قرَّرت أن أترفَّق به، فأنا أشعر بما يشعر به، وأفهمه، وعليّ أن أحتويه اليوم كما تمنَّيت لو احتواني والداي في تلك الأيام. أقفلت باب الغرفة كي لا تقاطعنا جوري، وجلست على الأريكة الصغيرة في غرفة حِسان، وحين أقبل وجلس أمامي، سألته: أما تزال حزيناً؟ أنا لا أفهم سبب اعتراضكما؟ لماذا تقفان عائقاً في وجه أحلامي؟ لن يقف أحدٌ في وجه أحلامك! إذن سألتحق بالفريق الرسمي لأحترف كرة القدم. لكنَّنا لا ندعم هذه الفكرة إطلاقاً. أرأيت؟! ها أنت ذا تقف عائقاً في وجه أحلامي حِسان يا بنيّ! تعلَّم أن تسأل قبل أن تجادل، افهم وجهة نظر من يحاورك، ولا تلقِ الاتِّهامات جزافاً! على الأقل اسألني: “ما السبب؟” تنهَّد بغضبٍ، ثمَّ سأل بتململٍ: وما السبب؟ دعني أشرح لك الأمر برويَّةٍ. تفضَّل! إنَّ لقرار التحاقك بالفريق الرسميّ والاحتراف تبعات؛ أولها التفرُّغ للتدريب والتمارين، وأخشى أن يؤثِّر ذلك على مستواك وطموحك الدراسي، والأمر الآخر هو أنَّك قد تجعل من هذا المجال مهنتك في الحياة، وهذا ما لا نحبِّذه يا بني، لذا ما الفائدة التي ستجنيها إن التحقت بالفريق الرسمي؟ ستتعلَّق بكرة القدم أكثر وأكثر، وتهدر وقتاً وجهداً في التدريب، وبالتالي ستحصر أحلامك وطموحاتك بها! وما الضير في ذلك؟ أنا لا أفهمك يا أبي! ما المشكلة في أن أصبح لاعب كرة قدم؟ توجَّهتُ نحو الخزانة التي في غرفته، والتي نضع فيها بعض مجلَّدات الصور، وأخرجت أحدها، رحت أقلِّب فيه إلى أن وجدتها، جلست مجدَّداً إلى جوار حِسان وأشرت إلى الصورة وأنا أقول: أنت تعرف هذه الصورة، أليس كذلك؟ نعم، إنَّها لك، حين كنتَ في المدرسة. نعم، هذا صحيح. عندما كنت في عمرك، كان حلمي أن أحترف كرة القدم، وكما حدث معك، عرض علي مدربي أن أحترفها، لكنَّ جدَّتك رفضت الأمر برمَّته، وسألتها السؤال ذاته: “ما الضير في أن أصبح لاعب كرة قدم؟”، لم تشرح جدَّتك السبب لي، ولعلَّها شرحت باقتضاب، لكنِّي لم أفهم حينها دوافع رفضها، فحزنت كثيراً، وبقيت لسنواتٍ ألومها. هل رأيت؟ هل تودُّ تكرار التجربة ذاتها معي؟ بالطبع لا! أنا هنا لأشرح لك الأسباب التي أدركتها فيما بعد. لم يعجبه كلامي، فأشاح وجهه غاضباً، لكنِّي تابعت قائلاً: اسمعني حِسان، نختلف نحن البشر عن بعضنا البعض كما ترى، لكلٍّ منَّا قدرات ومهارات وكفاءات واهتمامات خاصَّة به. نخوض الحياة، فيتوسَّع أفقنا وتتعمَّق خبراتنا، نتعلَّم وندرس لنرفع مستوى كفاءتنا، نخالط الناس ونكتشف مجالاتٍ جديدة ومعارف وثقافاتٍ متنوعة، فنركِّز اهتماماتنا بما ينفعنا، وننمي مهاراتنا بالقدر الذي نحتاج إليه. وكما تعلَم، على الشخص في وقتٍ ما أن يختار عمله ومهنته، وهنا بالضبط وقبل الشروع في تحديد اختصاصنا المهني، علينا أن نطرح على أنفسنا ثلاثة أسئلة، أولها: ما مهاراتي؟ أين شغفي؟ ماذا أحب؟ ماذا أجيد؟… استدار نحوي وقاطعني مباشرةً وهو يقول: هذا السؤال بسيط وجوابي هو: “كرة القدم”. أعلم، لكن لنفرض أنَّ لدي مهارات أخرى، عليّ إذن أن أفكِّر، أيّ مجال من تلك المجالات أودّ أن أحترفه، وأجعله مهنتي، وأيّ المجالات سأتركها في حيز الهوايات. وفي هذه الحال، عليّ أن أكون صادقاً مع نفسي، ولا سيَّما إن كنتُ على يقين بأنَّ لديّ المقومات الكافية لخوض المجال الأكثر تحدِّياً، والدعم اللازم للاستمرارية فيه.. لم أفهمك. حِسان! أنت في الأساس لم تطَّلع على أنواع العلوم المتعدِّدة، ولا يمكنك أن تكتشف شغفك الحقيقي الآن ما لم تجرِّبها كلها، وتطلَّع على مجالات الحياة التي ستعرض عليك أثناء الدراسة، لذا سأنتقل إلى السؤال الثاني. نظرت إليه لأتأكَّد من أنَّه ما يزال يصغي إليّ، ثمَّ أردفت: لتكون واثقاً من قرارك، عليك أن تبحث وتسأل: هل مهتني وكسبي للمال من هذه المهنة حلال؟ انتفض وسألني: وما الحرام في كرة القدم؟ أنا لا أقصد كرة القدم، إنَّما أشرح لك الخطوات فقط. لنفترض أنِّي أعمل في مجال المحاسبة، هذا لا يعني أنَّ كلَّ الوظائف تناسبني، فعليَّ ألا أعمل في بنوك تتعامل بالرِّبا على سبيل المثال. لنفترض اخترت المجال الطبي، عليَّ ألا أخوض في أمورٍ فيها شبهات، فمثلاً أبتعد عن إجراء عمليات لا توافق أحكام الشريعة، وقِس على ذلك. مجدَّداً، ما الحرام في كرة القدم؟ إن كنتَ قد بحثتَ وسألتَ بالفعل ووجدت أنَّ كسب المال عن طريق لعب كرة القدم حلال! حينها ننتقل إلى السؤال الثالث: هل نتاج عملي سينفع الناس ويعود عليهم بالفائدة؟ نعم، إمتاع الناس وإبهاجهم لا يقلُّ أهمية عن أي عملٍ آخر. حسناً، هلَّا ذكرت لي فوائد أخرى؟ الرياضة جيدة للصحة. ماذا بعد؟ صمت، فنهضتُ ورحت أتجوَّل في الغرفة، ثمَّ سألته: حِسان، انظر حولك… هل ترى ما سخَّره الله لك؟ العقل، والصحة، والأسرة، والعلم، والقدرة المادية والجسدية والنفسية، والأرض، والسماء، والمطر، والغيوم، والبحر، والقمر، والشمس…. أكلّ هذا سخره الله لك، كي تلعب كرة القدم فقط؟ لم يجبني، صمتُ قليلاً، فتذكَّرت في تلك اللحظة الجملة التي قالها لي يمان يوماً: “آدم، ستقف يوم القيامة، وتُسأل عن عمرك فيما أفنيته، وعن مالك من أين اكتسبته، وعن جسمك فيما أبليته، قل لي: هل سيكون ردُّك: كرة القدم.. كرة القدم.. كرة القدم..؟ هل ستكون فخوراً بهذه الإجابات؟ أنتَ خليفة هنا في الأرض، ألا تفهم؟!” توجَّهت نحوه مجدَّداً، أخذتُ نفساً عميقاً ووضعت يديّ على كتفيه وقلتُ له برفقٍ: أنتَ خليفة هنا في الأرض، لذا يجب أن تستغلَّ قدراتك، وتقدِّم أفضل ما عندك في المكان الصحيح. ما سعر فلان؟ ومتى وأين ومَن اشتراه؟ كم عدد أهدافه؟ والبطولات التي فاز بها؟ كم عدد الميداليات التي حصل عليها؟ ومتى سيعتزل وماذا سيفعل بعد الاعتزال؟ من اشترى هذا النادي؟ وما الشركات الممولة والراعية؟ وأسئلة كثيرة لا حصر لها… هل ترضى بأن تحجِّم قدراتك العقلية على هذه الأمور فقط؟ هل سيقتصر تأثيرك في الحياة على إمتاع شريحة معينة من الناس؟ مهلاً مهلاً! أنتَ تظلم كرة القدم كثيراً، من قال إنَّها تقتصر على تلك الأمور؟! التخطيط والتكتيك، ودراسة وفهم تحركات الطرف الآخر، كلّها من المهارات الجيدة في الحياة. قاطعته وقلت له بحزمٍ: اكتسبها من كرة القدم حين تمارسها على أنَّها هواية، اكتسبها وطبِّقها، مَن منعك عنها؟ لطالما شعرت بالحزن على حاله، ذلك الشخص الذي إن سألته: “ما هوايتك؟” تلعثم ولم يجد إجابةً