17 ديسمبر، 2024

مراجعات أدبية

مراجعة رواية “وَعَلاماتٍ” للكاتبة مزنة كمال

العلاماتُ رسائل تأتينا بتوقيتٍ لا نتوقعه. قد نقرأ جملةً في دفترٍ لا نعرف صاحبه، أو نسمع نصيحةً لم تكن موجّهةً إلينا بالأساس، أو نتعثّر بشخصٍ غنيٍّ بنفعه لم نلقِ له بالاً! بسلاسةٍ وبلغةٍ جميلة تقدّم لنا الكاتبة الشخصيّة الأساسية في الرواية وهي الفتاة “مريم” ذات الأربعة عشر عاماً، فتبني لنا تصوّراً واضحاً لعائلتها ومدرستها ومحيطها، لتنقلنا بعدها وبإسلوبٍ شائق إلى الغرفة التي كان يجمع فيها والد “مريم” بضاعته التي يبيعها في بسطته، هناك حيث ستبدأ المغامرة! إذ عثرت “مريم” على قطعةٍ معدنيةٍ لفتت انتباهها، وحين رآها والدها قدّر بأنّ هذه القطعة إنّما هي جزءٌ من آلةٍ قديمة، وقرر البحث مع “مريم” عن باقي الأجزاء المفقودة، ليجد القارئ نفسه مدفوعاً بفضولٍ للتفكير معهما، فيحاول قراءة النصوص المكتوبة بحروفٍ غير منقوطة، ويتأمّل الآية الكريمة بكلماتها ومدلولاتها القريبة والبعيدة، ويستنبط الحلول مع “مريم” ووالداها في رحلتيهما إلى جامعي الإشبيلي والزيتونة. لم تتمركز المشاهد في تلك الأماكن فحسب، بل أتت مشاهد المدرسة لتعرض تطور شخصية “مريم” وجوانبها الأساسية. فنرى معاناة “مريم” مع مشكلة التنمر وعجزها عن الدفاع عن نفسها أمام سخرية واستهزاء بعض الطالبات، ونسمعها وهي تتذمّر من الواجبات الصعبة التي تكلّفها بها معلمة الجغرافيا دوناً عن بقية الطالبات. تمرّ بعدها عدّة أسابيع، ومع كلّ تقدّمٍ تحرزه “مريم” في حلّ اللغز، كانت في المقابل تهتدي إلى سلامها وتتنبّه لصفاتٍ وسِماتٍ تتحلّى بها ولا تعرها انتباهاً. ففي لحظةٍ صفاء تدرك “مريم” السبب وراء تمييز المعلمة لها وتوكيلها بمهامٍ ضخمة، فتقرّ “مريم” بسعادةٍ قائلةً: “أنا أمتلك موهبةً في تحديد الاتجاهات”. كما تأتي مبادرة “مريم” لإصلاح بسطة والدها علامةً على تصالحها مع مهنته كبائعٍ متجوّل. وبعد سلسلةٍ من الأحداث، تنجح “مريم” ووالدها بتجميع القطع المتفرقة وتركيبها معاً، لتتعرّف بذلك على آلة “الأسطرلاب” وتتعلّم بعضاً من خصائصها وتطبيقاتها وآلية استخدامها. تأتي الخاتمة لتسرد فيها “مريم” مشاعرها مجدداً، لكن بحالٍ معاكسةٍ لما جاءت به مقدّمتها، رغم أنّ شيئاً لن يتغير في عائلتها أو شكلها أو محيطها! إلا أنّ طريقة تفكيرها وتحلليها للأمور أخذت منحىً أكثر عمقاً ونضجاً، منحىً جعل قلبها يمتلئ بالرضا والسلام عوضاً عن السخط والكدر. الرواية سلسة وممتعة ومناسبة لليافعين، ورغم أنّ أحداثها تدور في رحاب مدينة تونس العتيقة على مدار شهرين فقط، إلا أنّها تمتدّ تاريخيّاً لألف عامٍ بين حلب وتونس، وفلكيّاً إلى ما وراء الشمس والنجوم! ولعلّ من يقرؤها سيترقّب صدور الجزء التالي من السلسلة وهو يتساءل: يا تُرى أين ستقع الأحداث؟ وفي أيّ حقبة؟ من سيكون البطل؟ هل سيبحثُ عن آلةٍ جديدة؟ أم سينقّب عن فكرةٍ قيّمة؟ أو لربما سيقابل شخصيّةً جليلة؟ من يدري؟! وحتّى ذلك الحين، ها نحن ننتظر بشوقٍ، إذ إنّها البداية فحسب. سألتها: “لكن من أين أبدأ يا خالتي؟”، فأجابتني: “ابدئي حيث البدايات دائمًا، فالبدايةُ تقود إلى أختِها، إذا عرفت البداية عرفت ما يليها”.   بقلم: سحر خواتمي  

مراجعات أدبية

مراجعة رواية “نسيج” للكاتبة مزنة كمال

لا يُوجد خطأ أبدًا، ولا مصادفة، حين ترتمي في أمواج الأقدار الإلهية لن ترى إلا خيوطًا معقَّدة متشابكة، ستغضب وتشعر بالظلم. أما حين تنتهي اللوحة، فابتَعِد قليلًا وستجد أن هذه الأقدار صنعَت لك خصيصًا أجمل لوحة، وأن خيوطها غَزلَت لروحك أروع نسيج!   بأسلوبها المتفرّد ولغتها السلسة والساحرة، أبدعت الكاتبة والأكاديمية المتخصِّصة في الأدب العباسي ،مزنة كمال، في نسج أحداث وشخصيات رواية (نسيج). مزنة التي كان لي الشرف بمعرفتها منذ عدّة سنوات، والوحيدة التي استطاعت أن تنال إعجابي وتقديري بين عشرات المدققين بمهنيّتها الممزوجة بالتواضع واللطف والأمانة ومنهجيّتها المتميّزة في التدقيق اللغوي. ومع تفاصيل أراها لأوّل مرّة في رواية عن مدينتي، حلب، تُروى معظم أحداث الرواية على لسان (سما) الفتاة الحلبية، الذكيّة، المحتمّسة للحياة، والتي يشغل بالها الكثير من التساؤلات والأفكار وإشارات التعجب والاستفهام. ورغم أنّ (سما) من عائلة شديدة التحفّظ إلا أنّها لم تستسلم بسهولة، بل حاولت ومع كلّ القيود المفروضة عليها أن تطلق العنان لنفسها بالمتاح، تستجيب لحماستها تارة، فتقترب من المناطق المحظورة وتحوم حول الحمى، لكنّها حالما تتراجع بخوفٍ وتردد، وتعيد الكرّة مراراً بأحداث وتجارب وظروف مختلفة.   العقبات في الطريق كثيرة، واحدة تُزيحها لتُكمل، والأخرى تُبقيها لتصعد   ورغم أنّي لا أوافق (سما) في كثير من الأحيان إلا أنّي لست في موضعٍ لأحكم على مدى صحّة تصرفاتها. فكيف سأدرك -وأنا لم أعايش هذا النوع من “الاستبداد”- شعور فتاة مُنعت من إتمام دراستها فقط لأنّها أنثى، أو أفهم منطق الحكم الصارم حول كلّ مشوار أو خروج لها من المنزل! تساءلت وأنا أمضي مع أحداث الرواية، لِم يسلبون الثقة والحرية من الفتاة بتلك الطريقة! فلقد استفزني كلّ استجداءٍ من (سما) لأبيها كي تخرج من المنزل، وكلّ حيلة كانت تقوم بها لتقابل (جدو نور) بهدف استعارة بعض الكتب والروايات من مكتبته. لقد كانت تلك الدقائق القليلة (وأحيانا الساعات) التي تقضيها وهي تناقش ما قرأته مع (الدكتور نور) من أجمل اللحظات التي كانت تسرقها من الحياة لتعود بعدها إلى روتينها اليوميّ المليء بالتخبّط بين شخصيات تعرفها ولا تعرفها عبر الفيسبوك، فتراها هشّة، تؤثر بها رسالة من هذا أو تعليق مبطّن من ذاك، أو حتّى إشعار إعجاب! وعلى عكس حقيقتها فقد كانت (سما) تحاول أن تظهر بمظهر القوة والسيطرة، تحاول التمرد، لكن ضمن دوائر صغيرة ومضمونة، فتتمرد على آنسة الدرس، التي استحقت بالمناسبة كلّ كلمة قيلت لها بل وأكثر! فقد كانت لسما طريقتها الخاصّة في البحث عن الله وفهمها للصلاة والالتزام في مجتمعٍ يحكم على المظاهر بشدّة ولا يغفر البتة.   انتهى رمضان، لكن ربَّ رمضان هنا لا يرحل. انتهى رمضان، والآن فقط ابتدأ العمل   تضحكنا (سما) في بعض المواقف، وبالذات حين تصف الأعراس الحلبية، والنسوة غريبات الأطوار اللواتي لا يرضيهنّ شيئاً، صلاة التراويح وتفاصيلها، ناهيك عن شغل الكبّة، والتعزيل والكثير من الأمور التي تعايشها كلّ صبية حلبيّة ولعلّ من ضمنها الخطبة والعرسان. فهي كأغلب الفتيات شغل بالها موضوع الارتباط واختيار شريك الحياة، ومع ثلاثة نماذج من الخاطبين وطالبي القرب، بدءاً بابن عمّتها سامر، مروراً برائد، وانتهاءً بشادي، نرى أنّ (سما) لم تكن ملمّةً بأولويّاتها على الدوام، ماذا تريد ولماذا! وهذا منطقيّ لشخصيّةٍ لم تخالط المجتمع بشكلٍ مهنيّ. لكن في نهاية المطاف، استطاع شادي أن يحظى بقلبها ويظفر بقبولها، لتتحدى كلّ الصعاب وتجتمع به فيكون لها سنداً وداعماً يساعدها على تحقيق أحلامها وطموحها ويشاركها شغفها في الحياة. في المقابل، تحزننا (سما) حين تصف مشاهد الحرب، والخراب، وضيق العيش في حلب خصوصا وفي سورية عموما. ورغم ذلك ظهر الجمال بين ثنايا الرواية عنوةً حين مرّت الأحداث على أماكن محببة إلى قلوبنا في حلب، فتارة تأخذنا إلى ساحة سعد الله الجابري، وتارة إلى القيصر وشهبا روز والكثير من الحدائق والشوارع والجوامع والمحال والأزقة القديمة والعبّارات.   أيتها السماء اسمعيني، أيتها الأشجار والجبال والعصافير ارفقي بحالي وواسيني. يا قلعة حلب، يا جامعها الأموي، يا شوارعها المرصوفة، وأسواقها المسقوفة، ارفقوا بحالي، احملوا جزءًا من آلامي، خذوني إليكم، ضُمُّوني بحنانكم؛ فأنا متعبة   أحببت الرواية، ولعلّ أكثر ما لامس قلبي فيها هي قصّة حبٍّ جانبيةٍ، لطيفةٍ وعاديةٍ، بمشاهد قليلة، وحواراتٍ بسيطةٍ وعفوية، ألا وهي قصّة سعيد وسلمى. لا عجب، أليس لكلّ قارئٍ عشقَه الخاص؟!     بقلم: سحر خواتمي

Scroll to Top