Ova_Osaid_4
فصول خاصّة

هل تغيّر أُسيد

زينة | فبراير 2020   لقد مضت أكثر من سنة، منذ قررت العودة مع أُسيد. أذكر كيف كان الجميع يسألني بحذر: “ترى، هل سيتغيّر أُسيد فعلًا؟” كان السؤال يتكرر بأشكالٍ مختلفة، لكن معناه واحد: “احذري، قد يأخذك الحماس والحنين إليه، فتظنين أنّ الأمور ستكون مختلفة هذه المرّة، ثمّ تتورطين إن عدت معه، ويعود كلّ شيء إلى ما كان عليه.” كنت أفهم قلقهم عليّ، بل إنّني كنتُ أحمل بعض تلك المخاوف، لكنّني رغم ذلك كنتُ واثقةً من أنّ شيئًا ما سيتغيّر. لم أكن متأكدة ما هو بالضبط، ولا كيف سيحدث، ولا متى سأراه. تجاهلت التحذيرات من حولي، وعدت مع أُسيد فعلًا إلى لندن، وحين بدأت الأيام الرتيبة تلوح في الأفق، شعرت ببعض القلق، فالوعود سهلة، ولحظات الندم الصادق لا يصعب بلوغها، وحتى الرغبة في أن نبدأ من جديد قد تكون صادقة جدًا، لكن الحياة اليومية ليست كذلك. الحياة اليومية تعيدنا ببساطة إلى التفاصيل نفسها: العمل، المواعيد، التعب، الصمت، والاختلافات الصغيرة التي قد لا تبدو مهمّة، إلا أنّها تتراكم مع الوقت حتّى تصبح جبلًا ثقيلًا. كنت أراقب نفسي أكثر مما أراقبه، وأسأل نفسي بصدق:  هل أفسّر كلّ موقفٍ بطريقةٍ مختلفةٍ لأنّني قررت أن أمنحه فرصة أخرى؟ لم أكن أريد أن أظلمه، وفي الوقت نفسه لم أكن أريد أن أظلم نفسي. أمّا أُسيد، فكان ذكيًا. لم يبالغ في تدليلي، ولم يحاول أن يحوّل الأيام الأولى إلى فترةٍ مثاليةٍ مليئةٍ بالمفاجآت وردود الأفعال المدروسة والرائعة، لأنّه كان يعرف أنّ ذلك سيكون مصطنعًا للغاية. كان سعيدًا بي فعلًا، وبعودتي، وكنت أرى ذلك في عينيه وفي طريقته في النظر إليّ، لكنّه حاول أن يضبط حماسه ومشاعره. ربما لأنّه كان يعرف أنّني إن عشت فجأة حياة مختلفة تمامًا، فسأنتظر استمرارها بالوتيرة نفسها، ثمّ سيبدو أيّ تراجعٍ بعدها وكأنّه خذلان جديد. كان يريد أن أعتاد عليه من جديد، لا أن أعتاد على نسخةٍ مؤقّتةٍ منه. ولذلك لم يحاول أن يثبت لي كلّ يوم أنّه تغيّر، ترك الأيام تتحدّث عنه، وأنا حاولت أن أصغي بهدوء. كنت أراقب التفاصيل الصغيرة: طريقة حديثه معي حين نختلف، وطريقته حين يكون متعبًا، كيف يتصرّف حين لا تسير الأمور كما يريد، هل ما زال يرى أنّ الحل الأفضل هو الحل الذي يراه هو، وهل ما زال ينسى أنّني أحيانًا لا أحتاج إلى حل، وإنّما أحتاج فقط إلى أن يسمعني. ومرّت الأيام، وبدأت أكتشف أنّ التغيير الذي يحدث بيننا لم يكن بالضرورة التغيير الذي تخيّلته. أوّل تحسينٍ طرأ كان على طريقتي معه، وهو أنّني بدأت أخبره بما لا أستسيغه. فإن اقترح شيئًا لا أرغب به، وقررت أن أسايره، لم أعد أفعل ذلك بصمت وكأنّ الأمر لا يكلّفني شيئًا، بل كنت أقول له ببساطة: “أنا في الحقيقة لم أكن أرغب بتنفيذ هذا الاقتراح، لكنني سأوافق هذه المرّة… لأنّك تريده.” وإن عارض أمرًا أرغبه، كنت أتنازل عنه إن كان غير أساسي بالنسبة إليّ، وأخبره أنّني سأتنازل عنه هذه المرّة، لأجله. قد يبدو الأمر بسيطًا، لكنّه كان بالنسبة إليّ تغييرًا مهمًّا. فالمسايرة حين تكون صامتة قد تختفي تمامًا. تفعل شيئًا من أجل شخصٍ تحبّه، فيعتاد أن يراه يحدث، ثمّ بعد فترة لا يعود يراه مسايرة أصلًا. تصبح الأشياء التي تفعلها من أجله جزءًا طبيعيًا من الحياة، ليس لأنّ الطرف الآخر سيّئ أو جاحد بالضرورة، وإنّما لأنّ الإنسان لا يدرك دائمًا الأشياء التي لم يقلها الآخر. ولهذا بدأت أخبره. لم أكن أقولها لأمنّ عليه، ولا لأضع في يده فاتورة بما فعلت، وإنّما كنت أريد أن يعرف أنّني لم أكن موافقة على كلّ شيء، والمفاجأة أن أُسيد بدأ يفعل الأمر نفسه. سابقًا، لم يكن أُسيد يسايرني في شيء، كنت أطلب، فيقول رأيه. أقترح، فيقول إنّه لا يحبّذ. أرغب بشيء، فيخبرني لماذا لا يراه مناسبًا. وكان الأمر ينتهي غالبًا عند هذا الحدّ. لكن الآن تغيّرت الحال، صار هو أيضًا يقول لي: “رغم أنّني لا أحبّذ هذا الأمر، لكن لا بأس هذه المرّة.” صار هو أيضًا مستعدًا أن يمارس نشاطًا لا يحبّذه، لمجرد أنّه يعرف أنّني أرغب بممارسته، لم أعد أنا التي ألين دائمًا، ثمّ أتحمّل، صار هناك أخذ وعطاء: مرّة أنا، ومرّة هو. وبدأ، من حيث لا نشعر، يتكوّن بيننا شيء يشبه “الرصيد”. ليس رصيدًا نكتبه، ولا رصيدًا نستخدمه في لحظة خلافٍ لنحاسب بعضنا، وإنّما رصيدًا يجعل كل واحد منّا يعرف أنّ الآخر مستعدٌ أن يتحرّك خطوة باتجاهه. بدأنا نستمتع بالفكرة نفسها، وراقت لنا كثيرًا، وهنا بدأتُ أرى التغيير الحقيقي. أُسيد لم يتغيّر في الأشياء التي يحبّها ولا في الأشياء التي لا يحبّها، ولم تتغيّر عقليته، ولم يتنازل عن تنظيمه المبالغ فيه. لم يستيقظ ذات صباح وقد أصبح شخصًا آخر. ولم يتحوّل إلى رجلٍ هيّنٍ ليّنٍ في كلّ أموره، أسألُ فيجيب، وأطلبُ فينفّذ ما أريد على الفور ودون تردّد أو اعتراض. لا! أسيد بقي كما كان، لا يحبّ الخروج من البيت إلّا عند الضرورة، ولا يحبّذ الجلوس في المطاعم، أو المقاهي، ولا تروق له الاجتماعات الكثيرة، ولا يميل إلى الحديث مع كثيرٍ من الناس، لكن الذي تغيّر هو الطريقة التي نعيش بها اختلافنا، أنّنا لم نعد ننظر إلى كلّ شيء لا يحبّه أحدنا باعتباره ممنوعًا، ولا إلى كلّ شيء يحبّه باعتباره حقًّا يجب أن يحصل عليه. فالمشاوير لم تصبح فجأة جزءًا من روتيننا، لكنّه كان يقول: “إذا كان الطقس ملائمًا، نخرج مشوارًا بعيدًا ونزور مدينة جديدة هذه الأسبوع.” كان ذلك يسعدني للغاية، وأنا -في الواقع- قد لا أحتاج إلى مشوار بعيد جدًا دائمًا بقدر ما أحتاج إلى أن أشعر أنّنا خرجنا من روتين البيت معًا، كان يكفيني أن أعرف أنّ هناك يومًا سنخرج فيه معًا، نمشي، نتحدّث، ونستمتع بالطريق. وهو صار يدرك أنّ جلوسي معه في مقهى دون سبب، وشرب القهوة والحديث، شيء يسعدني. وهكذا وجدنا المنتصف… حتّى الناس والعلاقات الاجتماعية لم تكن مختلفة كثيرًا. أُسيد لم يصبح فجأة من الأشخاص الذين يستمتعون بالتعرّف إلى الجميع، وبقي لديه ذلك الشعور بأنّ التعرّف إلى شخصٍ جديدٍ يحتاج إلى سبب ومبرر واضح. لكنّنا بدأنا نتعرّف إلى أناس جدد، حتّى وإن لم يكونوا بالضرورة النموذج المثالي الذي في باله، وبهذه البساطة، اتّسعت دائرتنا. أمّا العمل، فكان له قصّة مختلفة. في الحقيقة، لم أتمسّك بمهنة التمريض، فلم أكن أحبّ التمريض كثيرًا، لكنّني أردت أن أخرج للعمل، أن أكون فعّالة في المجتمع، ولي دورٌ وأثرٌ فيه. كنت أريد اختصاصًا يناسبني، وأنا لطالما أحببت مهنة التدريس، ولندن مليئة بمسلمين من غير العرب، وكانت هناك حاجة حقيقية إلى من يستطيع أن يعلّم اللغة العربية لغير الناطقين بها. بدأت أدرس، وتعلّمت، وأخذت الموضوع بجدّية، حتّى حصلت على شهادة معتمدة لتدريس اللغة العربية لغير الناطقين بها، ثمّ بدأت العمل. وهنا