Ova_Osaid_5
فصول خاصّة

هل تجاوزتْ زينة الأمر؟

أُسيد | سبتمبر 2026   كان يومًا عاديًا. استيقظت قبل الفجر، وصليت، ثمّ بقيت جالسًا بعد الصلاة لبعض الوقت. كانت زينة قد استيقظت أيضًا. بعد ذلك بدأنا نستعدّ ليومنا. خرج كلٌّ منّا إلى عمله؛ انطلقتُ أنا إلى الجامعة، وذهبت زينة إلى المعهد. ثمّ التقينا في المساء عند إحدى الساحات المجاورة لمعهدها، وعدنا إلى البيت معًا. في البيت تناولنا طعام العشاء، وحكت لي عن يومها باقتضاب وهي ترتّب المطبخ. لم ألاحظ في تفاصيل يومها شيئًا واضحًا يمكن أن يزعجها، لكنّني شعرت أنّها ليست على ما يرام. تساءلت في سرّي: هل ستزورها حالة الحزن اليوم؟ حاولت أن أستشفّ ذلك من ملامحها، لكنّها لم تكن حزينة بالشكل الذي أعرفه. بعد الطعام، وبينما كانت زينة تحضّر الشاي، تذكّرتُ موعد البثّ المباشر على قناتي. كانت القناة قد بدأت تتوسّع خلال الفترة الماضية. أنشأتُها في البداية لتعليم تلاوة القرآن الكريم وتفسيره، ثمّ أخذ عدد المتابعين يزداد تدريجيًا، وصار هناك من ينتظر البثّ المباشر الذي أقدّمه مرّة كلّ شهر. قلت لزينة: قالت دون أن ترفع رأسها: ثمّ رفعت عينيها إليّ وقالت: أجبتها: لم تتفاعل مع جملتي تلك، واكتفت بابتسامة صغيرة، ثمّ مضت لترتّب الغرفة. وفي العادة، عندما أبدأ البثّ، تبقى زينة في الغرفة. تجلس في الجهة المقابلة لي، وتتابع البثّ، وتقرأ التعليقات. وأحيانًا ترسل لي رسالة خاصّة وأنا أمام الكاميرا. تكتب لي: لماذا لا تبتسم؟ أو: لماذا تبتسم؟ وأحيانًا قد تكتب إحدى الفتيات تعليقًا أو سؤالًا، فتصلني من زينة رسالة مستعجلة مفادها أن أتجاهل تعليقات الفتيات، وتتبعها بـ”إيموجي” غاضب. فأبتسم وأنا أقرأ رسالتها، وأنظر إليها نظرةً خاطفةً وسريعة. وهكذا تبقى طيلة المدّة المحددة، تتابعني تارة من الشاشة التي أمامها، وتارة تنظر نحوي مباشرة. اعتدت وجودها حولي أثناء البثّ، لكنّ ما حدث الليلة كان مختلفًا. بدأتُ البثّ في موعده. كان عنوانه: مناقشة حلقة التفسير الموضوعي لسورة النحل (سورة النعم). مرّت الدقائق الأولى بشكلٍ طبيعي. كنت أقرأ الأسئلة وأجيب عنها، وأتنقّل بين الآيات التي تعرض نعم الله علينا، وأحيانًا أتوقّف عند تعليقٍ يحتاج إلى توضيح. كنت أتحدّث، وأقرأ، وأشرح، وأنا أحاول في الوقت ذاته أن أتوقّع ما تفعله زينة، وبعد مرور ربع ساعة سمعت صوت أقدامها، فنظرت نحو باب الغرفة. مرّت زينة أمامه، ورأيتها وقد أكملت طريقها نحو غرفة النوم. قلت في نفسي: لعلّها تودّ أن ترتاح. ثمّ عدت إلى الحديث، لكنّ شيئًا بداخلي أخبرني أنّ هناك خطبًا ما. انتظرت أن تعود، إلا أنّها لم تأتِ. انتظرت أن ترسل لي رسالة كما تفعل عادة، إلا أنّها لم تفعل. حاولت أن أقنع نفسي بأنّها ربما مشغولة بشيء، لكنني، فجأة، شعرت أنّني يجب أن أوقف البثّ. لم أعد أستطيع متابعة الحديث وكأنّ شيئًا لا يحدث. اعتذرت للمتابعين عن استكمال البثّ، ثمّ ودّعتهم وأوقفته. أغلقت الكاميرا، وتوجّهت نحو الغرفة، وكما توقّعت، وجدتها تجلس على طرف السرير. نظرت إليها، كانت ساكنة، ولم تكن منشغلة بشيء. عرفت الأمر، ولم أكن بحاجةٍ إلى أن أسألها أي سؤال، لقد عاد إليها ذلك الحزن. فزينة لم تنسَ الأطفال، ولن تنساهم. أحيانًا تتحرّك مشاعرها تجاههم فجأة، من دون أن يكون هناك سبب واضح، وأحيانًا يكون السبب موقفًا ما: طفل تراه في الطريق، أمّ تتحدّث أمامها عن أبنائها، مشهد صغير، كلمة، سؤال، صورة… شيءٌ لا يكاد يلحظه أحد، لكنّه يوقظ في داخلها ذلك الفراغ من جديد. أحيانًا تحكي لي السبب، وأحيانًا لا تحكي شيئًا، وتكتفي بالبكاء. ومنذ سنوات، لم أعد أتعامل مع حزنها وكأنّه مشكلة يجب حلّها، لم أعد أعاتبها أو أطلب منها أن تكون قوية، ولم أعد أحاول أن أخرجها منه بالقوة، بل أدعها تحزن فقط. جلست بجانبها، فاقتربت منّي وأسندت رأسها إلى صدري، وبدأت تبكي، وبقيت هكذا حتى هدأت قليلًا. مسحت دموعها، ثمّ رفعت رأسها، وسألتني: نظرت إليّ باستغراب، وسألتني: نظرت إلى عينيها بحبّ، فأردفت: أجبتها بصوتٍ خافت: بقيت زينة صامتة لبعض الوقت. ثمّ سألتني: سكتت لحظة، ثمّ قالت بحزنٍ شديد وصوتٍ متهدّج: ثمّ نظرت إليّ، وكأنّها تبحث عن جوابٍ لا تعرف كيف تصوغه، وقالت: قبضت على يدها، وأجبتها: قالت وهي تحاول أن تمنع دموعها: وعادت للبكاء. قلت لها: لم تتجاوز زينة الأمر، ولا يبدو أنّها ستتجاوزه عمّا قريب. أمّا أنا، فلا أعلم حقًّا. أنا لا أعرف كيف أقيس ذلك أصلًا. في السنوات الأولى، كان الحزن يأتي من داخلي، من دون مقدّمات. كان يفاجئني، فأشعر كأنّ شيئًا ينهار في داخلي ولا أعرف كيف أوقفه. كنت أحاول أن أهرب منه. أمّا الآن، فأصبحت نوبات حزني مترافقة مع نوبات حزن زينة. حين أراها تبكي، أحزن عليها فأحزن معها. وحين أضمّها إلى صدري، أتذكّر ما كان يمكن أن تكون عليه حياتنا مع الأطفال، فيأتيني ذلك الحزن محمّلًا بأسى شديد. هل يعني تجاوز الأمر ألّا يؤلمنا حرماننا منهم؟ إن كان الأمر كذلك، فلا أظنّ أنّني تجاوزته، لكن ربما لا يكون التجاوز هو أن يختفي الحزن، ربما يكون شيئًا آخر. فبعض الأحزان لا تُشفى منها الذاكرة، ولا تُمحى من القلب، لكنّها لا تسكن القلب بالطريقة ذاتها طوال الوقت، تأتي حينًا، وتختفي حينًا، ونتعلّم كيف نحملها ونحن نواصل حياتنا. نعم نواصل حياتنا بشكلٍ طبيعيّ وببهجة وطمأنينة. فأنا أعلم أنّ زينة في اليوم التالي ستعود إلى طبيعتها. ستستيقظ، وتذهب إلى المعهد، وتعود وهي تحمل أوراق طلابها. قد تشتكي من أحدهم. وقد تضحك على شيء حدث معها. وقد تعاتبني لأنني تركت كوب الشاي في مكان لا ينبغي أن أتركه فيه. ستعود الحياة إلى شكلها المعتاد. ثمّ قد تعود إليها نوبة حزن جديدة بعد عدة أشهر، فأجلس بجانبها، وأضمّها، فتبكي، ثمّ تهدأ. ثمّ في اليوم التالي… ستعود زينة إلى طبيعتها، وتعود الحياة إلى شكلها المعتاد. نستيقظ في الصباح، نذهب إلى أعمالنا، نتحدث عن يومنا، نضحك، ثمّ يأتي الحزن من حيث لا نتوقّع، فنترك له مكانًا قليلًا بيننا. نبكي، ثمّ نعود. ليس لأنّنا نسينا، ولا لأنّ الأمر لم يعد يؤلم، بل لأنّ الحياة، رغم كلّ شيء، ستمضي. ولذلك، حين يأتي ذلك الحزن مرّة أخرى، أيًّا كان موعده، فلن أحاول أن أمنعه من الوصول، ولن أطلب منها أن تكون أقوى منه. سأجلس بجانبها، وسأبقى هناك حتى يهدأ، وبعدما يهدأ. فهي تعلم أنّها لن تواجهه وحدها، وأنا أيضًا، أعلم أنّني لن أواجهه وحدي.