قصاصة ورد
كرم | أكتوبر 2024 رغم أنّ عادة إرسال بطاقات الأفراح لم تعد شائعةً كما كانت في السابق، وأصبحت البطاقات الإلكترونية هي الوسيلة المعتمدة للدعوة إلى المناسبات والأفراح، إلا أنّني أحببت أن ندعو الناس إلى حفل زفافنا من خلال البطاقات المطبوعة. أمسكت البطاقة بين يديّ. ورقٌ عاجيٌّ فاخر، وحروفٌ دقيقةٌ طُبعت بعناية، واسمان في منتصفها: كرم وغدير. تأمّلت البطاقة وابتسمت. لم تكن هذه المرّة الأولى التي أرى فيها اسمينا مكتوبين إلى جوار بعضهما. قبل سنوات، كانت هناك بطاقة أخرى. لم تكن من ورقٍ فاخر، ولا تحمل زخارف ذهبية، ولم يختر أحدٌ تصميمها بعناية. كانت قصاصةً صغيرة، ملوّنةً بأقلام الشمع، وفي وسطها اسمان كتبهما طفلٌ بخطٍ متعرّج: كرم وغدير، وبينهما قلب لم يكن متساوي الجانبين. كانت بطاقة ورد. حين رأيتُ القصاصة للمرّة الأولى، لم أشعر بالغضب منه. كيف يمكن أن أغضب من طفل لا يدرك الفرق بين الأمنيات والواقع؟ كان ورد يومها قد كتب ما ظنّه حقيقة، أمّا أنا فكنت أعرف أنّ الأمر سيستغرق وقتًا، وسيحتاج إلى كثيرٍ من الأخذ والردّ. كنت قد فكّرت في غدير، لكنّني لم أكن قد حصلت على موافقة العائلة، ولم أكن أعرف أصلًا إلى أين ستؤول الأمور. أمّا ورد، وببراءة طفل في الثامنة، فقد اختصر المسافات والأزمنة في تلك القصاصة. سبقت غديرَ تجربةٌ لم تكتمل، ومحاولةٌ لم تفضِ إلى ما كنت أرجوه. فقبل غدير بسنواتٍ طويلة، كانت سلام. التقيتها وأنا على مشارف التخرّج. أعجبتني يومها، حاولتُ، ثمّ حاولتُ مرّة أخرى، لكنّها رفضتني. لم يكن رفضها جارحًا، ولم أكرهها بسببه. كانت ببساطة تعرف ما تريد، ولم تكن تريدني. استمرّ الأمر على هذا النحو قرابة سنتين، إلى أن تزوجت سلام من آدم. وهناك انتهت الحكاية. لم أبقَ متعلّقًا بها. مضت هي في حياتها، ومضيت أنا في حياتي. ولم أحاول بعد ذلك البحث عن بديلةٍ لسلام، لكنّني، ببساطة، لم أجد الفتاة التي تجعلني أفكر في الزواج. وهكذا مضت الأيام، حتّى جاءت غدير. وكان ذلك قبل خمس سنوات، حين بدأت غدير العمل مع ابن أختي. في البداية، لم تكن بالنسبة إليّ أكثر من شخصٍ أعرفه في محيط العائلة. كنت أعرف بعض التفاصيل عن حياتها، وأعرف أنّها نشأت يتيمة، وأنّها كانت في طفولتها ضمن برنامج لرعاية الأطفال في الجمعية التي كان يعمل فيها عمر. درستْ الإرشاد النفسي، وبعد التخرّج أصبحتْ معلمة الظلّ لربيع. وأثناء الجائحة، وعندما عُلّق الدوام المدرسيّ، أذكر أنّها كانت ترتاد بيت أختي أحيانًا لتدرّس ربيع، لكنّني لم أكن ألتقي بها هناك إلا نادرًا. وحين عاد الدوام إلى طبيعته، عاد معه شيءٌ لم أكن أعرف أنّه سيغيّر حياتي. في العادة، كانت غدير تخرج مع الأطفال بعد دوام المدرسة وتوصلهما إلى البيت، أمّا أنا فكان يوم الخميس من نصيبي، أخرج من العيادة باكرًا ثمّ أمرّ على المدرسة لأصطحب الأطفال إلى البيت بعد انتهاء دوامهما. أصل إلى المدرسة، أنتظر خروجهما، فتسلّمني غدير الطفلين وأنطلق بهما. لقاءٌ بعد لقاء. حديثٌ قصير يتبعه حديثٌ آخر. موقفٌ صغيرٌ يكشف شيئًا من شخصيتها، ثمّ موقف آخر. وهكذا بدأتُ ألاحظها أكثر، ولا أعرف متى بالتحديد تحوّلت معرفتي بها إلى اهتمام. كانت غدير مختلفة، وللمرّة الأولى منذ سنوات، وجدتُ نفسي أفكر في الزواج بجديّة. ولأنّني لم أكن أريد أن أتصرّف من دون أخذ مشورة عائلتي، أو أن أفتح بابًا مع غدير قبل أن أعرف إن كان بإمكاني المضيّ فيه، تحدّثت مع أختي جود أولًا. جلستُ معها ذات مرّةٍ، وبينما كان الأطفال يلعبون في الأرجاء، صارحتها برغبتي في الارتباط بغدير. لم تبدِ جود مفاجأتها، لكنّها سردتْ مخاوفها من رفض والدتنا للأمر. وسألتني بصراحة قائلةً: أجبتها: وبالفعل، عزمتُ على أن أفتح الموضوع مع والدتي بأسرع وقتٍ ممكن، لكنّني لم أكن أعرف أنّ هناك من سمع جزءًا من حديثنا. ورد! لم يفهم كلّ ما قيل، لكنّه التقط الفكرة الأساسيّة: “خاله كرم يريد أن يتزوّج غدير”. وبعد يومين، اتصلتْ بي جود وطلبت منّي أن أزورها لأمرٍ مستعجل. تساءلت: “هل يا تُرى فتحت جود الموضوع مع والدتي ولديها ما تقوله! هل وافقت؟ هل اعترضت؟”. فكّرت باحتمالاتٍ كثيرة، وحين وصلتُ إلى منزل جود، استقبلتني وفي يدها قصاصة صغيرة. نظرت إليها باستغرابٍ وسألتها: قالت بحرجٍ شديد: أخذتُ القصاصة منها، فوجدتُ اسمي واسم غدير، وقلبًا بينهما. رفعت عينيّ إلى جود وسألتها: ثمّ أضافت بانفعالٍ: نظرتُ إلى القصاصة، ثمّ سألت: ترددت جود، فعرفت الجواب قبل أن تتكلّم. سألتني: لم أستطع الانتظار حتّى يوم الخميس، فذهبت في اليوم التالي إلى المدرسة. لم أكن أعرف ماذا سأقول بالضبط، لكن كان لا بدّ من تبرير ما حدث. خرجت غدير مع الأطفال مع انتهاء دوام المدرسة، فتفاجأت من حضوري وسألتني: ابتسمت وأنا أتّجه نحوهم، وأجبتها: أومأت برأسها، وأجابتني: أوصلتُ الأطفال سريعًا وعدت، فوجدتها جالسةً على أحد المقاعد في الحديقة المقابلة للمدرسة، ألقيت السلام، وجلست على الكرسيّ بجوارها مع المحافظة على مسافةٍ بيننا، فسألتني: صمتُ قليلًا، تنهّدتُ، ثمّ قلت وأنا أنظر إلى الأرض: رفعتُ عينيّ، ونظرتُ باتجاهها، فقالت: قاطعتني وقالت: لم أتوقع هذا الردّ منها، كانت الكلمات التي تقولها بغرض أن تطمئنني، تجعلني أشعر بثقلٍ شديد في صدري. قلتُ لها باستياء: ابتسمتْ، وقالت بنبرةٍ هادئة: أجبتها بصدقٍ: تغيّرت ملامحها قليلًا، وسألتني: نظرتُ إليها، فأردفت: صمتُ قليلًا، ولم أجد الكلمات، فهي محقّة بالفعل. ماذا أريد أن أقول لها؟ لقد أخطأتُ بتسرّعي في الحديث معها. لماذا أقابلها وأنا لا أستطيع أن أخبرها برغبتي في الارتباط بها؟ وفي الوقت نفسه، أعاتبها بأنّها غير مكترثة بما حدث. وحين طال صمتي، سألتني: نظرتُ نحوها نظرة عتاب، وقلت: قطّبتْ غدير حاجبيها مستنكرةً وقالت: فكّرت قليلًا بكلامها، وسألتها: أومأتُ لها بالإيجاب، فقالت: ودّعتني ثمّ مضت، أمّا أنا فعدتُ إلى المنزل وأنا عازمٌ على فتح الموضوع مع والدتي. وكما توقعت، لم يكن الأمر يسيرًا. كانت أحاديثنا تعود إلى النقاط نفسها مرّةً بعد مرّة. أشرح لها، فتسأل، وأجيب، ثمّ تعود لتطرح تساؤلًا آخر. في لحظاتٍ ما، كنت أشعر أنّني أقنعتها، لأكتشف بعدها أنّها ما تزال رافضة للفكرة. كنتُ أتفهّم وجهة نظر والدتي. فأنا ابنها الوحيد بين ابنتين، وربّما جعلها ذلك ترسم صورةً خاصّة لمستقبلي. كانت تفرح بكلّ خطوة أخطوها في حياتي، وتريد لي، حين يحين وقت الزواج، أفضلَ فتاةٍ على وجه البسيطة. كنت أعرف أنّها تريدها جميلة، متعلّمة، ذات دين وأخلاق، ومن عائلةٍ مرموقة. لكنّني كنت أعرف أيضًا أنّ غدير لا ينقصها شيءٌ مما كنتُ أبحث عنه في شريكة حياتي. حدّثتها عن أخلاقها، وعلمها، وشخصيّتها، وجمالها، وطريقتها في التعامل مع الأطفال، وعن كلّ ما جعلني أقول لنفسي إنّها المرأة التي أريد أن أكمل معها حياتي. لكنّ والدتي لم تقتنع. في تلك الفترة، كان عمر -صهرها المدلّل- يعرف ما يجري، فاقترح أن يتدخّل في الموضوع. وبالفعل، بدأ يتحدّث مع والدتي.

