روضة المحبّين

Ova-Osaid3

أسيد | أبريل 2007


 

منذ أن عرفت جود، كان هناك شيء في نظراتها نحوي يلفت انتباهي، لم تقل ما يوحي بشيء، لكنّها كانت تنظر إليّ بطريقة مختلفة، فإذا التقت عينانا أسرعت بإشاحة نظرها، وكأنّها ضُبطت على شيء لا تريدني أن أراه.

كنت ألاحظ ارتباكها حين تتحدّث معي، وأنتبه إلى بعض التفاصيل الصغيرة، لكنني لم أبحث يومًا عن تفسير لها، ولم أشعر أنّ الأمر يعنيني.

كانت جود، في نظري، مجرد زميلة أعرف أنّها تحمل لي قدرًا من الاحترام والمعزّة الخاصّة، وانتهى الأمر عند هذا الحدّ.

مرّت سنة، واثنتان، وثلاث… والوضع على حاله، حتّى أتى ذلك اليوم الذي جعلني، للمرة الأولى، أتساءل عن شيء لم أكن قد فكرت فيه من قبل.

بعدما انتهى يوم الدوام، لم تكن وجهتي العودة إلى المنزل، بل كان عليّ أن أذهب إلى مسجدٍ في منطقة بعيدة، لأحلّ محل صديقي الذي اضطر إلى التغيّب عن درس القرآن. لم يرغب في أن يلغي الدرس، فطلب منّي الذهاب إلى طلابه، وأن أستغلّ هذه الفرصة فأدرّب من استعصى عليه منهم بعض مخارج الحروف.

وقفت أبحث عن الموقف الصحيح، ثمّ تأكدت من اسم خط الميكروباص الذي عليّ أن أركبه.

وجدته أخيرًا، وحين صعدتُ إلى الميكروباص، رأيت وجهًا مألوفًا.

كانت جود.

كانت تلك المرّة الأولى التي ألتقي بها في المواصلات العامة. لم تكن رؤيتها مفاجأة، لكن شيئًا ما حدث هذه المرة لم أعتده.

خفق قلبي بسرعة شديدة!

كانت دقاته واضحة بما يكفي لأنتبه إليها، أعقبها ارتباكٌ خفيفٌ لم أفهم مصدره. ثمّ، على نحو أكثر غرابة، شعرتُ بالارتياح حين أدركتُ أنّها ستكون قريبة مني. لم أفهم لماذا راق لي وجودنا معًا، ولا لماذا بدا الطريق أقل ثقلًا لمجرد أنها هناك.

حاولتُ أن أتجاوز الشعور كما أتجاوز أي خاطر عابر.

كانت هي أكثر ارتباكًا مني…

حاولتُ أن أنشغل عن الأمر، لكنني كنت ألاحظها بين حين وآخر دون قصد. فرأيتها وهي تقلّب محتويات حقيبتها بتوتر، تبحث عن نقود صغيرة، ثمّ أخرجت ورقة نقدية كبيرة ومدّتها إلى السائق، فرفضها متذمّرًا. لم أفكر كثيرًا قبل أن أسألها:

  • جود! ما المشكلة؟

رفعت رأسها نحوي، وبدا عليها شيء من المفاجأة، فأخبرتني أنّها لا تملك فكة. أخرجتُ ما معي ودفعته عنها، فقالت لي:

  • شكرًا لك، أعتذر على إزعاجك.

أجبتها بلطف:

  • لا، أبدًا، لا تفكّري بالأمر.

قلتها، وشعرتُ بأن قلبي اضطرب أكثر. رنّ هاتفي بعد قليل، فانشغلت بالمكالمة، ثمّ سألتها:

  • كم نحتاج من الوقت كي نصل إلى موقف الحديقة الكبيرة؟

أجابتني:

  • ثلث ساعة تقريبًا.
  • أوه، سأتأخّر على الأطفال، ينتظرونني منذ أكثر من نصف ساعة.

سألتني ببراءة:

  • أطفال! هل لديك أطفال؟

ضحكتُ، وأجبتها:

  • بالطبع لا، كنتُ أقصد أطفال حلقة القرآن، صديقي يعلّم الأطفال القرآن في المسجد المقابل للحديقة، هذا الأسبوع سافر لسببٍ عاجل، فطلب منّي أن أحلّ مكانه مؤقّتًا في الإشراف على الأطفال وتعليمهم.
  • هل تُعلّم الأطفال القرآن؟
  • نعم، لديّ عدّة حلقاتٍ لتعليم التجويد وتحفيظ القرآن.

وتوقفنا عن الكلام عند هذا الحدّ، ففتحتُ كتابي وبدأت أقرأ. هذه المرة كنت أقرأ محاولًا أن أستعيد هدوئي، لكن شيئًا في داخلي ظلّ واعيًا بوجودها. كنت أعرف أنّها هناك، في المقعد المقابل، وكان ذلك كافيًا لأن أشعر بذلك الاضطراب في قلبي من جديد. لم أرفع رأسي إليها، ولم أبحث عن نظراتها، لكنّني كنت أشعر بقربها على نحو لم أشعر به من قبل.

وحين اقتربت محطتي، أغلقتُ الكتاب ووضعته في حقيبتي. التفتُّ إليها، واكتفيتُ بإيماءة صغيرة، ثمّ نزلت، حتى السلام لم أقله.

ابتعد الميكروباص، فشعرتُ بشيء من الفراغ. حاولتُ أن أفسر الأمر بأن وجود شخصٍ أعرفه جعل الرحلة أقل مللًا، لكنّني لم أقتنع تمامًا.

وفي طريق عودتي، بدأت التفاصيل تعود إليّ واحدة تلو الأخرى؛ الطريقة التي رفعت بها رأسها حين ناديتها باسمها، نظرتها وهي تستمع إليّ، وذلك الشعور الذي انتابني لحظة رأيتها تصعد، وتلك الراحة الغريبة التي شعرتُ بها حين جلستْ في المقعد المقابل لي.

لم يكن في الأمر ما يستحق كل هذا التفكير، أو هكذا حاولتُ أن أقنع نفسي.

لكن سؤالًا واحدًا ظلّ يرافقني حتّى وصلت إلى البيت: لماذا بدأت ألاحظ وجودها؟ لماذا بدأت أنتبه إليها؟

هذا شيء لم أرده. فأنا أعرف نفسي، وأعرف ما أريد وما لا أريد، وأعلم أنّني لا أبحث عن علاقة، ولا رغبة لي في أن أقحم نفسي في قصّةٍ عاطفيّة لا أعرف إلى أين تقود.

ومع ذلك كان هناك شيء صغير بدأ يتسللّ إلى داخلي، شعورٌ لا أستطيع أن أنكره وإن لم أستطع أن أسميه. قلت لنفسي: هل هذا هو الحبّ؟

ثمّ ضحكت من السؤال؛ كيف لي أن أعرف؟

توجّهت نحو مكتبتي، ورحت أبحث بين الرفوف، إلى أن وجدته…

«روضة المحبين ونزهة المشتاقين»، كتاب قلّبت صفحاته منذ عدّة سنوات، وأذكر أنّي لم أقف عنده كثيرًا. لكنّي، وبعد ما حدث، عزمت أن أدرس الأمر لأفهمه. سحبته من المكتبة، وقلت لنفسي: لن أخمّن ما أشعر به، ولن أسمّي الشعور حبًا لمجرد أنّه شعور تجاه امرأة، بل سأعرف أولًا ما الحبّ، ثمّ أنظر إلى نفسي.

بدأت أقرأ عن أسماء المحبة ومعانيها، وتوقفت طويلًا عند اختلاف الأسماء والمراتب؛ فالمحبّة ليست كلمة واحدة تصف كلّ ميل يعبر القلب، بل لها درجات وأحوال، والهوى والشوق والعشق والوجد والكلف والغرام ليست مجرد ألفاظ مترادفة، وإنّما لكلّ منها معنىً وأثر.

شعرت أنني أبحث عن تفسيرٍ بسيط لشعور معقد، وأنني ربما كنت أرتكب الخطأ نفسه الذي حذّر منه الكتاب: أن أعطي الشعور اسمًا أكبر من حقيقته.

ثمّ وصلت إلى دواعي المحبة، فشدّني الحديث عن الأسباب التي تدعو النفس إلى الميل، وعن أثر الجمال والاستحسان والنظر والفكر فيما يقع عليه النظر.

أعدت القراءة مرّة أخرى، ثمّ قلت في نفسي: حسنًا، فلنبدأ من البداية.

هل نظرت إليها؟ نعم، لكنني لم أذهب إليها أبحث عنها، وإنّما رأيتها ثمّ انتبهت إليها. وهل استحسنتها؟ نعم، لا داعي للكذب، هي جميلة، وهذا أمرٌ طبيعي، لكن الجمال وحده لا يجعلني محبًا.

كتبت في هامش الصفحة: «استحسان»، ثمّ بقيت أنظر إلى الكلمة لحظات.

تابعت القراءة، فوصلت إلى الحديث عن النظر وغائلته، فالعين باب إلى القلب، وما يبدأ بنظرة قد يتبعه استحسان وفكر، ثمّ يتطور إذا استُرسل فيه.

شعرت بشيءٍ من الضيق وأنا أقرأ، لأن الكلام بدأ يقترب منّي أكثر ممّا أريد. لم أكن أحدق بها، ولم أكن أبحث عنها، لكنني صرت أعرف متى تكون في المكان، وصرت ألتفت أحيانًا لأرى إن كانت موجودة، ثمّ أسرع في صرف بصري.

قلت لنفسي: هذا ليس حبًّا، لكنّه أيضًا ليس «لا شيء».

وهنا بدأت أشعر بالقلق؛ لأنّ المشكلة لم تعد في الشعور الذي حدث دون اختياري، بل في الشيء الذي سأفعله به بعد أن عرفته.

عدت إلى الكتاب، ثمّ قرأت عن حقيقة العشق وأوصافه، فشعرت ببعض الطمأنينة؛ ما يصفه الكتاب أبعد بكثيرٍ عما يحدث لي.

أنا لا أشتاق إليها، ولا أبحث عن رؤيتها، ولا أتمنّى أن يطول حديثنا، ولا أفكر في أن تكون جزءًا من مستقبلي، ولا أشعر أنّ يومي ناقص إذا لم أرها. لم تستولِ على قلبي، ولم يصبح وجودها حاجة، ولم يتحوّل غيابها إلى ألم.

إذن، قلت لنفسي، ليس هذا عشقًا.

لكنني لم أرد أن أتعجّل؛ فالعشق ليس الحبّ كلّه، ولذلك واصلت القراءة.

وحين وصلت إلى الحديث عن فضيلة الجمال وميل النفوس إليه، شعرت أنني وجدت تفسيرًا آخر. النفس تميل إلى الجمال، ولا يقتصر الجمال على الصورة والهيئة، بل قد يكون في العقل والعلم والخلق والعفّة وسائر الصفات التي تستحسنها النفس.

ربما استحسنت فيها شيئًا أكثر من جمالها، وربما استوقفني فيها شيء من صفاتها، وربما كان اهتمامها بي نفسه سببًا في أن أنتبه إليها. فالإنسان يلتفت أحيانًا إلى من يلتفت إليه.

قلت لنفسي إن هذا ممكن، بل ربما كان هو التفسير الأقرب لما حدث. لكن حتى لو كان اهتمامها قد جعلني أراها بطريقة مختلفة، فهذا لا يزال لا يساوي الحبّ.

ثمّ وصلت إلى الباب الذي كنت أنتظره: علامات المحبة وشواهدها.

هنا قررت أن أكون صريحًا مع نفسي، وأن أقارن ما أقرأه بما أشعر به دون أن أبحث عن إجابة تعجبني.

قرأت عن دوام النظر إلى المحبوب، فقلت: لا، أنا لا أبحث عنها بعيني ولا أتبعها حيث كانت. إن رأيتها رأيتها، وإن غابت مضيت في طريقي.

ثمّ قرأت عن انقياد المحب للمحبوب واتجاه إرادته إليه، فقلت: أي إرادة؟ أنا لا أريد شيئًا منها، ولا أسعى إلى قربها، ولا أفكر في مستقبلٍ يجمعني بها.

وقرأت عن قلة صبر المحب عن محبوبه، فكان الجواب أوضح: أنا أستطيع أن أبقى بعيدًا عنها، بل إنني أريد ذلك. لا أشعر بحاجة إلى رؤيتها ولا إلى الحديث معها.

ثمّ قرأت عن اضطراب المحب عند رؤية محبوبه، فتوقفت قليلًا.

نعم، لقد ارتبكت حين بدأت ألاحظها، لكنني لم أرتبك منها بقدر ما ارتبكت من نفسي، من ذلك التغير الصغير الذي بدأ يحدث في داخلي. 

أغلقت الكتاب وجلست ساكنًا. كانت الصورة قد بدأت تكتمل أمامي.

لقد حدث شيء صغير؛ نظرة، ثمّ انتباه، ثمّ استحسان، ثمّ بعض التفكير. وربما كان في الأمر إعجاب.

نعم، «إعجاب».

كتبت الكلمة في الهامش هذه المرّة دون علامة استفهام.

الإعجاب ليس حبًّا، لكنّه قد يكون طريقًا إليه. وهذه هي النقطة التي جعلتني أقلق. فالأشياء الكبيرة لا تبدأ كبيرة، والقلب لا يخبرك دائمًا باللحظة التي ينتقل فيها من مجرد الالتفات إلى التعلّق.

واصلت القراءة حتّى وصلت إلى الحديث عن الهوى ومخالفته، وهنا فهمت ما ينبغي أن أفعله.

أنا لم أختر أن تلفت نظري، لكنني أستطيع أن أختار ماذا أفعل بعد ذلك. أستطيع أن أبحث عنها، وأستطيع أن أتجاهل تلك الرغبة. أستطيع أن أطيل النظر، وأستطيع أن أصرف بصري. أستطيع أن أستعيد حديثنا وأبني عليه حكايات في رأسي، وأستطيع أن أتركه حيث انتهى. أستطيع أن أفسر كل التفاتة منها على أنّها علامة، وأستطيع أن أقول لنفسي إنّها ربما لا تعني شيئًا.

أستطيع أن أغذّي الشعور، وأستطيع أن أتركه يموت جوعًا.

عندها أدركت أنّ الشعور ليس هو المشكلة، وإنّما المشكلة في اختياري تجاهه.

أغلقت الكتاب، لكنني بقيت واضعًا يدي فوق غلافه. كنت قد فتحته بسؤال واحد: هل أحبها؟ وخرجت منه بإجابة أكثر دقة: لا، أنا لا أحبها.

ومع ذلك، لم أشعر أن عليّ أن أطمئن وأترك الأمر؛ فالإعجاب، إن تُرك، قد يصبح شيئًا آخر. وقد تتحول النظرة إلى انتظار، والانتظار إلى تعلّق، والتعلّق إلى حبّ، وحينها لن يكون من السهل أن أعود إلى النقطة التي أقف فيها الآن.

لم أرغب أن تكون لجود مكانة في قلبي، لا لأنّ هناك ما ينقصها؛ هي فتاة مهذّبة وخلوقة وملتزمة، إلا أنّها من المستحيل أن تتأقلم مع شخصيتي. لها أفكارها وطريقتها الخاصّة في التعبير عن ذاتها، وإن ارتبطت بها، سأكون متحفّظًا على كثير من تصرّفاتها، وسأبدأ بتغيير طباعها بما يتناسب مع طريقة تفكيري.

وطالما أنّ مشاعري لا ترقى لأن تُسمّى حبًّا، فهذا يعني أنّه ليس من العدل أن أستغلّ مشاعرها وإعجابها بي، لذا من الأفضل أن أبتر الأمر منذ البداية.

مضت الأشهر الأربعة التالية بهدوء أكثر مما توقعت. لم يكن الأمر معركة يومية كما تخيلت في البداية. شيئًا فشيئًا، عادت جود إلى مكانها الطبيعي في حياتي؛ زميلة ألتقي بها في الجامعة، وأعمل معها حين يجمعنا العمل، ثمّ أمضي.

لم أعد أبحث عن وجودها، ولم يعد في رؤيتها ذلك الاضطراب الذي أقلقني في البداية. حتى ذلك الميل الصغير الذي جعلني أفتح الكتاب في تلك الليلة بدا بعد أشهرٍ كشيءٍ بعيد، مرّ بي ثمّ انصرف.

ثمّ جاء ذلك اليوم.

كنّا أنا وجود وصديقتها جُمان في الكلية، ننهي بعض الترتيبات الأخيرة المتعلّقة بحلقة بحث مشتركة. كنت أراجع الملاحظات وأرتّب النقاط الأخيرة للعرض، حتّى دخلت صديقة من صديقات جود.

سلّمت على جود وجلست إلى جوارها، وبدأتا حديثًا عامًا بدا طبيعيًا في أوله. بقيت منشغلًا بأوراقي، أكتب ملاحظة ثمّ أراجع أخرى، حتّى التقط سمعي سؤالًا لم يكن من السهل ألا أنتبه إليه:

  • بالمناسبة، ماذا حدث بخصوص الموضوع؟ هل من جديد؟ هل تمّ تحديد الموعد؟

توقفت يدي للحظة، لكنّني لم أرفع رأسي. جاء ردّ جود مترددًا، تتحدّث فيه عن أن الموعد لم يُحدد بعد، وربما يكون الأمر في الأسبوع المقبل.

بقيت ساكنًا، ثمّ جاءت كلمات صديقتها أوضح:

  • ستتخرجين بعد سنة، هذا التوقيت مناسب للارتباط.

هذه المرّة لم أستطع أن أمنع نفسي من التوقف. ظلّ القلم بين أصابعي، وبقيت عيناي على الورقة، لكنني لم أعد أقرأ شيئًا.

لم يكن ما شعرتُ به غيرة، ولم يكن خوفًا من أن أفقد شيئًا كان يمكن أن يكون لي. لقد كنت قد تجاوزت ذلك منذ أشهر. لكنني شعرتُ بثقلٍ مفاجئ في صدري، ثقلٍ لم أفهمه في اللحظة الأولى.

ثمّ بدأت أسمع بقية الحديث، وشيئًا فشيئًا اتضحت الصورة.

كانت جود تنظر نحوي بين إجابةٍ وأخرى، وكانت صديقتها تسأل بأسلوبٍ يبدو عابرًا، لكنّه لم يكن كذلك. لم يكن الحديث عن موضوع يخصّ جود وحدها؛ كان موجّهًا إليّ.

أرادتني أن أسمع.

وفهمت عندها ما لم أفهمه من قبل: أنّ الأمر عندها ما يزال قائمًا وحقيقيًا.

شعرت بالأسى. ليس لأنّها قد ترتبط بغيري؛ فذلك لن يؤلمني. كنت أتمنى لها الخير كما أتمنى الخير لأي إنسان أعرفه، وربما أكثر.

ما آلمَني حقًا أن أراها مضطرة إلى اختراع خطّة كاملة، وأن أعرف أنّها كانت تبحث عن جوابٍ مني، وأنّها ربما بنت طوال تلك الفترة آمالًا على أشياء لم أقصدها أنا.

واصلتُ الكتابة، أو تظاهرت بذلك، بينما كانت تجيب صديقتها بأنّها لا تستطيع الموافقة الآن، وأنّ هناك أمورًا أخرى تشغل تفكيرها، من المشاريع وحلقات البحث والامتحانات.

كان صوتها مضطربًا، وكانت عيناها تعودان إليّ مرّة بعد أخرى. عندها أدركت أنّ الصمت لن يكون رحمةً بها.

لو بقيت ساكتًا، فقد تفسر صمتي كما تشتهي أمانيها، رفعت رأسي أخيرًا. قلت بهدوء إننا قد نحتاج جلسة نهائية أو اثنتين على الأكثر لتحضير العرض التقديمي، ثمّ نظرت إليها نظرة سريعة وقلت:

  • تستطيعين التغيّب عن الجلسة إن كنتِ منشغلة، لا تقلقي.

رأيت الحيرة في عينيها، وشعرت للحظة بأنّني آذيتها، لكنني أكملت وقلت:

  • أسأل الله أن يكتب لكِ التوفيق دومًا.

كنت أعرف ماذا أقول. أردت فقط أن أصل إليها بالمعنى الذي تحتاج إلى معرفته: لا تنتظريني. لا تبني على وجودي احتمالًا لا وجود له. امضي في حياتك.

لم أرغب في جرحها، بل على العكس؛ كنت أحاول أن أكون رحيمًا بها بالطريقة الوحيدة التي أستطيعها.

حين قالت:

  • آمين، وإيّاك.

رأيت ابتسامتها الباهتة، وعرفت أنّ الكلمات وصلت.

جمعتُ أغراضي، واستأذنت، ثمّ خرجت. لم ألتفت خلفي. كنتُ حزينًا عليها؛ حزينًا لأنني عرفت أنّ كلماتي أوجعتها، وحزينًا لأنني ربما تأخرت في إدراك مقدار ما كانت تعانيه الفتاة من عدم قدرتها على المبادرة. لقد عانت جود كثيرًا، ولجأت إلى تلك الخطة، لعلّها تحصل على أي إشارةٍ منّي، إشارة تدلّها على أنّ لها مكانةً خاصّةً في قلبي.

ومع ذلك، لم أندم على ما قلت. كنت أعرف أنّ الحقيقة قد تؤلم، لكنّني لا أريدها أن تقضي وقتًا أطول وهي تبحث عن إجابةٍ تعرفها في داخلها، لكنّها لا تريد أن تصدقها.

ولذلك اخترت الوضوح، وإن كان قاسيًا.

مضيت في طريقي وأنا أدعو لها في سرّي كما دعوت لها أمامها: أن يكتب الله لها الخير، وأن يرزقها من تحبّه ويحبّها، وأن يخرجها من هذا التعلّق بي بأقل قدرٍ ممكن من الألم.

أمّا أنا، فقد كان الأمر بالنسبة إليّ قد انتهى منذ أشهر.

لم يبقَ في قلبي نحو جود إلا ذلك القدر الذي ينبغي أن يبقى بين شخصين عرف أحدهما مشاعر الآخر، ولم يستغلّها.

كان ذلك كلّ شيء.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top