اسم الكاتب: سحر خواتمي

OVA6_Adam
فصول خاصّة

خسوف

آدم  |  سبتمبر 2025   كانت الساعة السادسة والنصف مساءً حين هبطت الطائرة على المدرج، بعد رحلة استغرقت أكثر من سبع ساعات. انتهيت من إجراءات الدخول، ثمّ توجهت إلى الصالة الخارجية، وبينما كنتُ أفعّل شريحة الهاتف سمعتُ أحدهم ينادي:   نوّرت لندن يا زعيم! استدرتُ حولي فإذا به أسيد؛ سلَّمت عليه وعانقته بقوة، ثمّ نظر إليّ وراح يعبث بشعري وهو يقول:   أين شعرك الكثيف البني؟ لقد شبِتَ باكرًا يا رجل! سألته وأنا أضحك:   وأنتَ ما هذا الكرش؟ فردّ بسخرية:   ستنضم إلينا عاجلًا أم آجلًا، انتظر وسترى. التفتُ وسألته:   أين يزن؟ ينتظرنا في السيارة، لديه اجتماع. ألا تنتهي اجتماعاته؟ هذه ضريبة العمل الحرّ. سحبت حقيبتي وانطلقنا معًا، وهناك في مرآب السيارات كان يزن يقف أمام السيارة؛ وحين لمحنا أنهى مكالمته ثمّ أسرع نحونا وهو يلوّح قائلاً:   آدم في ديارنا، يا للسعد والهناء! أكان من الضروري أن تنتظر كلّ هذه المدّة لتزورنا؟ يجب أن نشكر مديرك في العمل. أخذني بين ذراعيه، وبعد السلام الحارّ صعدنا إلى السيارة، فسألني أسيد وهو يستعدُّ للانطلاق:   ما رأيك أن أوصلك إلى الفندق أولًا لتأخذ قسطًا من الراحة؟ ثم نذهب للعشاء معًا. لا، لست متعبًا. ألم تقل قبل قليل إنّك متعبٌ للغاية؟ أجاب يزن:   استعاد نشاطه برؤيتنا. تنهّدتُ وأجبتهما بجديّة:   نعم! هذا صحيح! نظر أسيد إلى ساعته ثمّ قال:   أتعلمان؟ سيبدأ الخسوف الكلّي بعد قليل حالما يشرق القمر. فردّ يزن:   آه هذا صحيح، إذن نستطيع مشاهدة الحدث. انطلقنا، وحين أصبحنا على الطريق السريع بدأنا بالبحث عن القمر، فالسماء لم تكن قد أظلمت بعد. قال أسيد بينما كان يركّز في الطريق:   ابحثا في الجهة المقابلة لغروب الشمس، يجب أن تجداه. جعلت أحدّق في السماء، وفجأة وجدته بالفعل؛ بدا القمر كدائرةٍ زرقاء لها محيط زهريّ فاتح، لكن سرعان ما تغيّر المشهد عندما غربت الشمس تمامًا، إذ أصبح القمر واضحًا تمامًا: أحمر دامٍ! كان السائقون من حولنا يقودون سياراتهم ببطء، بينما توقف بعضهم على الطريق السريع للاستمتاع بمراقبة تلك الظاهرة الفريدة، فاقترح أسيد أن نتوقف قليلًا في أحد مواقف الاستراحة لنشاهد خسوف القمر الكلّي، ونصلّي المغرب، ثمّ نؤدي ركعتي صلاة الخسوف. قلت له:   لكنّي لستُ متوضئًا! نكزني يزن وأشار بيده إلى صندوق السيارة الخلفي، ففهمتُ أنّ أسيد يصطحب معه المعدات اللازمة للوضوء والصلاة. فتحت صندوق السيارة، وبالفعل وجدتُ كلّ ما أحتاجه: ماءً، مناشف، أحذية خفيفة، وسجاداتٍ للصلاة. توضأتُ وشرعنا في الصلاة وأمَّنا أسيد. لقد مرّت سنوات طويلة لم أصلِّ فيها خلف أسيد، ويبدو أنّ صوته خلال تلك السنوات أصبح أكثر عذوبة، وقراءته أكثر خشوعًا. فرغنا من الصلاة، وحينئذٍ كان القمر قد بدأ بالبزوغ مجددًا؛ لم تكن فترة الخسوف الكلّي طويلة في لندن، إنّما كانت عابرة وسريعة. توقفنا نحن الثلاثة نتأمّل هذا المشهد المهيب بهدوء، إلى أن قاطع أسيد تأمّلنا قائلاً:   الحمد لله على نعمة الإيمان! المساكين يتأمّلون المشهد بحرمان! تنهّد قليلاً ثمّ أردف:   ما أجمل الشعور الذي ينتابنا حين نقول: “سبحان الله” ونحن نتأمّل عجائب خلقه وبديع صنعه، ونرى عظمته وجلاله، ونستشعر فضله علينا. هذا القمر بجماله وضيائه وبزوغه وخسوفه وشروقه وكلّ تحركاته سُخِّر لنا نحن! اللهم لك الحمد. صمتَ لبرهة ثمّ وجّه كلامه للقمر قائلاً:   ربّنا وربّك الله. كررتُ ما قاله في سرّي، وعدنا إلى السيارة وانطلقنا إلى مركز مدينة لندن، وهناك تناولنا طعام العشاء معاً وحظينا بسهرة رائعة؛ كان حديثهما جادًا وماتعًا. لا أجمل من الجلوس مع أشخاص ودودين، مثقفين، متواضعين، منفتحين وواسعي الأفق. ولحسن الحظ كان الطقس جميلًا، فاستطعنا أن نتمشّى بمحاذاة نهر التايمز، وحين نفدت طاقتنا تمامًا ونال منّا النعاس، استسلمنا، فأوصلاني إلى الفندق ووعداني بأن يتفرغا لي يوميًا خلال مدّة زيارتي، بمجرد انتهائي من العمل. كنت متعبًا إلى حدٍّ كبير، ارتميت على السرير، ورغم كلّ ما اعتراني من نعسٍ وإرهاق، لم أستطع الخلود إلى النوم… مرّت ساعة وأنا على هذه الحال، أسترجع مشهد خسوف القمر وبزوغه السريع، وأفكّر… شعرت بعدها برغبة في الحديث مع سلام، فاتصلت بها.   سلامي؟ أهلاً آدم! هل أنت بخير؟ أنا بخير! لماذا أنتِ فزعة؟ ألم ترسل لي منذ ساعة أنّك ستنام؟ أجل، هذا صحيح. إذًا ما الأمر؟ اشتقت إليك؛ هل هناك أي مانع؟ لا أبداً! هل نام الأولاد؟ على وشك ذلك. جيد، هناك شيء أودّ أن أسألك عنه… تفضّل! أنا أسمعك سلام، أخبريني: هل أنا شخص سيئ بالمطلق؟ هل تتصل بي بهذا الوقت ومن خلف المحيط لتسألني هذا السؤال؟ أجبيني أرجوك! كما تشاء، لا، لستَ سيئًا بالمطلق! سلام! أعلم أنّي في بعض الأحيان وبشكل عابر وطارئ، حين أغضب، أصبح مظلمًا، أجرح، وأتمادى، وربما أظلم؛ لكن سرعان ما يبزغ الجزء الخيّر فيَّ مجددًا، أليس هذا صحيح؟ أجل صحيح، لا تقلق، كلنا نمرّ بأطوار مختلفة. صمتنا قليلاً، فرحت أسترجع أحداث الشهر الماضي، وأحاول إحصاء عدد المرات التي غضبت فيها وفقدتُ أعصابي، قاطعت سلام أفكاري وقالت بهدوء:   آدم! مهما يكن، ستبقى شمسي التي تنير حياتي. ثمّ أردفتْ بمرحٍ وحيوية:   لكن هذا لا يمنع أن تخفف عصبيتك! سيسعدني ذلك كثيرًا. أجبتها بجدية:   سأحاول، أعدك سلام! إن شاء الله، والآن حاول أن تخلد إلى النوم؛ لديك جدول مهمات طويل غدًا، تصبح على خيرٍ وسلام! أحبّك كثيراً. وأنا أحبّك أكثر.

Min_Almaa
مراجعات أدبية

مراجعة رواية “من الماء” للكاتبة مُزنة كمال

الرواية لا تُقرأ فقط، بل تُشاهد وتُسمع أيضًا! وبينما كنتُ أُقلّب صفحات رواية “من الماء” للكاتبة والأديبة الراقية “مزنة كمال”، سمعتُ خرير الماء… تارةً يقطر برقة، وتارةً يجري باضطراب.. تارةً ينساب بهدوء، وتارةً يتدفّق بغزارة.. تأخذنا هذه المرّة سلسلة “نقصّ عليك” إلى المغرب العربي، وتحديدًا إلى مدينة فاس، تلك المدينة التي لطالما قرأنا عنها في كتب الجغرافيا أيام المدرسة، وها نحن في الرواية نرى بعض معالمها بتفاصيل دقيقة وواضحة. ومع مشهد العصفور النشيط، والحرّ الطليق، تُستهلّ الرواية التي تحكي لنا عن قصة “إبراهيم”، الفتى اليافع، الذي يرى نفسه أسيرًا للمواقيت، ومقيّدًا بمواعيد جدوله اليومي. تدور الفكرة الأساسية للرواية حول ضرورة تنمية حبّ الاستكشاف لدى اليافعين، كما تعرض أهمية تنظيم الوقت، وتحثّ على ممارسة الرياضة والعناية بالصحة البدنية، وتسلّط الضوء على تأثير الذكريات في الإنسان؛ فالمواقف البسيطة، العفوية، الصادقة، والنابعة من القلب، هي التي تنغرس في الوجدان، وتبقى عالقة في الذاكرة. ومع طعم شاي النعناع المغربي، تصحبنا مزنة إلى معلمٍ فريد في قلب مدينة فاس، إلى المدرسة البوعنانية؛ هناك، حيث تمتزج روعة النقوش الإسلامية بهيبة العلم، وتتناثر بين جدرانها أصداء التاريخ، وهمسات طلابٍ مضوا، وبقيت آثارهم تنبض في المكان. “يموت الناس ويبقى الحجر.” ورغم أنّ الرواية موجّهة لليافعين، فإنني أرى أنّ الكبار بحاجةٍ إلى الاطلاع على هذا النوع من الأدب، لا سيّما الآباء والأمهات، ليلتقطوا منها الإشارات المنثورة بين السطور، فيسمعوا من الفتى اليافع كيف يفكّر، ما يحبّ وما يكره، ما الذي يعلق في ذهنه من ذكريات الطفولة، ما الكلمات التي تشجّعه، وأيّها تُثبط عزيمته، وما المواقف التي تدعمه أو تشعره بالخذلان. “ومن يومها، لم أجد من يشجّعني في نزالاتي، أو يهتف لي إن ربحت، أو يربت على كتفي إن خسرت.”   ” كنتُ واثقًا من أنّك ستفعلها.” لم تقتصر الرواية على المحتوى الجميل فحسب، بل جاء التحرير مميزًا وجذّابًا، وتكاملت معه الرسومات، لتمنح القارئ متعةً بصرية تُكمل روعة السرد. ومن الجميل بالذِّكر، أنّ الكاتبة أبدعت في توظيف صفات وتشبيهات الماء في الرواية، فنسجتها بأسلوبٍ فنيّ ينساب بفطنةٍ وجمال، كما ينساب الماء في مجراه الطبيعي دون تكلّف. “صمتَ قليلًا، تاركًا إيّاي أغوص في بركةٍ من دهشةٍ وحنين.”   “وشعرتُ بأنّ ماء الأعين قد غسل كلّ ما علق في النفوس من مشاعر سلبية، في نفسي وفي نفس والدي.” رواية “من الماء” هي عمل لطيف ومنعش للروح، يرسخ مفاهيم واعية وغنيّة في أذهان اليافعين، حول كيفية تفاعلهم مع الزمن، والعلم، والتجارب والأحداث الماضية. فأيامنا كقطرات، تنساب واحدةً تلو الأخرى، وكلّ قطرة تمضي، وتحمل معها ذكرى خاصة بها: عِبرة، عَبرة… ضحكة، دمعة… حلمٌ جميل، وومضة أمل… نبضة قلب، وغصّة ألم… وكلّ تجربة تستحق التأمّل، التقدير، والامتنان، حتى تلك القاسية منها؛ فالحياة مدٌّ وجزرٌ، لا تستقر على حال، وعلينا أن نستمرّ في السعي، كي نجعلها نهرًا جاريًا بما ينفع الناس، حتّى إذا ما التفتنا خلفنا، وجدنا أنّ نهرًا قد تشكّل من كلّ ما ظننّاه عابرًا.   بقلم.. سحر خواتمي

قصص قصيرة

متى ستعود؟

ارتديت معطفي الكستنائيّ، ورتّبت أغراضي، ومن ثمّ توجّهت نحو المطبخ، هناك حيث كانت والدتي منهمكةً في تحضير طعام الفطور، قالت وقد رأتني على وشك المغادرة: أومأت برأسي وتناولت قطعة صغيرةً من الجبن، ثمّ ودّعتها وانطلقت إلى عملي. وهناك مضى يومي بشكلٍ اعتياديّ، بدءًا من الاجتماعات، مروراً بوجبة الغداء السريعة، انتهاءً بتسليم الملفات والنتائج المطلوبة، ومن ثمّ حان وقت عودتي إلى المنزل. حزمت حقيبتي وخرجت من الشركة عند الساعة الخامسة مساءً، وانطلقت في طريقي. وبينما كنت أمشي رنّ هاتفي، وإذ بها رسالة قد وصلتني للتوّ، قرأتها فتسمّرت في مكاني، وبدأ العرق يتصبّب من جبيني كزخّات المطر، وتسارعت نبضات قلبي، وشعرت بصعوبةٍ بالغةٍ في التنفس، ومن ثمّ وقعت أرضاً. يا إلهي! ما هذه الرسالة! لا أعلم كم من الوقت مضى وأنا على هذه الحال، بعدها حاولت أن أتمالك أعصابي ونهضت لأكمل طريقي، لكنّي صدمت بما رأيت، فقد اختفت الطرقات من أمامي، وبهتت الألوان شيئاً فشيئاً حتى صار كلّ ما حولي رمادّياً ومخيفاً، وبدت الجدران والمباني التي تحيط بي هلاميّةً لا عماد لها، ذعرت، ما هذا الرعب الذي يحاوطني؟! جعلت أجري كما لو أنّي في نفقٍ مظلمٍ لا نهاية له، كنتُ أرى أناساً يتحرّكون بجانبي لكنّي لم أكن قادراً على تمييز وجوههم أو ملامحهم. خطر ببالي أن أنظر إلى السماء، علّي أجد فيها ما يدلّني على الاتجاه الصحيح، رفعتُ بصري فلم أجد الشمس التي كانت هناك منذ قليل، بل رأيت قرصاً كبيراً يتوسط كبد السماء المظلمة، كما لو أنّه ثقباً أسود على وشك ابتلاعي، فما كان منّي حينها إلا أن أغمضت عينيّ وجريت بلا هدىً أو رشاد. سألت نفسي: هل أنا في حلمٍ أم حقيقة؟ وبينما أنا أجري وأجري ارتطمت بجدارٍ كبير، فتحت عينيّ فوجدتني قد وصلت إلى المنزل، رحت أبحث عن مفاتيحي لكن بلا جدوى، فقد كانت حقيبتي فارغة تماماً، قلبتها رأساً على عقب ولم أجد فيها شيئاً! ما الذي يجري؟! استجمعت ما تبقى لديّ من قوّة ودفعت باب المنزل بكتفي، فانكسر ودخلت وأنا أرتجف، نظرت حولي فوجدت الأثاث مهترئاً ومحطماً، والأغراض متناثرة على الأرض، فصرخت بأعلى صوتي: سمعت صوتها وهي تجيبني: مشيت وأنا بالكاد أجرّ نفسي، وحين وصلت إلى الغرفة وجدتها تجلس في مكانها المعتاد، تضع نظارتها على عينيها وتحيك مفرشاً صغيراً. ركضت نحوها وعانقتها، وبقيت على هذه الحال بضع دقائق، فعادت دقات قلبي إلى معدلها الطبيعيّ، واستقر كلّ شيءٍ في مكانه، فنهضت ونظرت من خلال النافذة، لأجد بأنّ الأرض قد عادت هي الأرض، والسماء هي السماء، والألوان هي الألوان. عادوت النظر إلى أمّي، فسألتني: أجبتها: أومأتْ لي بالإيجاب، فأمسكتُ هاتفي ومسحت تلك الرسالة التي وصلتني منها قبل قليل. متى ستعود؟ أنا أحتضر! يا إلهي، لقد كانت أمّي “تنتظر” فحسب. تأمّلتها بحبٍّ، ومن ثمّ حضنتها مجدداً. لا، لست من هواة أفلام الرعب، ولا أدري عن حبكاتهم وأحداثهم، لكنّي واثقٌ بأنّه لا يوجد ما هو أكثر رعباً من فكرة فقدانكِ يا أمّي.     بقلم: سحر خواتمي | نُشرت ضمن الإصدار السابع لكتاب “عابرون”  | دار عابر |  2025  

OVA5_Zeina
فصول خاصّة

اعتزل ما يؤذيك

زينة  |  أكتوبر 2024   استيقظتُ صباحاً، وضعت إناء القهوة على النار، فلا أستطيع بدء يومي دون قهوتي. رائحتها وحدها تحفِّزُني على النهوض والانطلاق بطاقة متجددة. بعد ربع ساعة، استيقظت والدة أُسَيد، فقد أتت لزيارتنا منذ شهر تقريباً. أما أُسَيد، فقد سافر إلى مدينة أخرى لإلقاء محاضرة اليوم، لذا غادر المنزل منذ الليلة الماضية. ألقت عليَّ حماتي تحية الصباح، ثمَّ وللمرَّة الثلاثين، أعادت جملتها: زينة، ألا تعلمين أن شرب القهوة صباحاً دون إفطار مضر بالصحة؟ يجب أن تفطري أوَّلاً ثمَّ تحتسي قهوتك! ابتسمتُ وقلت لها: سأحاول إن شاء الله. أنهيتُ قهوتي بسرعةٍ، ثمَّ بدأت بتحضير الإفطار. تناولتُ شطيرتي على عجل، ثمّ نهضتُ لتغيير ملابسي بينما كانت حماتي ما تزال تتناول طعامها، فأوقاتي ضيقة ولا أملك رفاهية الجلوس طويلاً. لم تفوِّت حماتي الفرصة لتعليقٍ آخر: يجب أن تستيقظي مبكراً أكثر حتَّى تتناولي إفطارك على مهلٍ وتأخذي راحتك. ابتسمتُ مجدَّداً وكرَّرت ردِّي: سأحاول إن شاء الله. بدَّلتُ ملابسي، ورتَّبتُ المطبخ بعدما أنهت حماتي إفطارها، ثمَّ ارتديت حجابي وهممت بالمغادرة، لكنَّني تذكَّرت أن اليوم هو موعد قدوم المساعدة المنزلية. عندما انتقلنا إلى منزل أكبر، ومع ضغط العمل والالتزامات الأخرى، ناقشتُ الأمر مع أُسَيد، وقررنا إحضار مساعدة منزلية مرة أسبوعياً لتنظيف المنزل، لذا أخبرت حماتي: خالة، اليوم ستأتي المساعدة المنزلية. وكما توقَّعت، جاء تعليقها المعتاد: وما حاجتكما إليها؟ أجد أنَّ الاستعانة بها ليست إلا مصاريف زائدة لا داعٍ لها! لم أعلّق، فقط اكتفيت بالقول: خالة، أنا منطلقة الآن إلى العمل، هل تحتاجين إلى شيء؟ هل ينقصك أي شيء؟ أجابت بلطف: لا، شكراً. رضي الله عنكما أنتِ وأُسَيد. ابتسمت وقلت لها: سلمكِ الله، في أمان الله. انتهى عملي في المعهد،  لقد مرَّت سنتان منذ حصولي على وظيفتي الرسمية، بعد تخرجي من الجامعة الافتراضية، قسم الأدب العربي. بدأتُ مشواري كمعلمة لغة عربية في معهد اللغات، ووجدت في هذه الوظيفة متعةً حقيقيةً، فليس هناك ما هو أجمل من تعليم لغة القرآن الكريم لغير الناطقين بها، والتعرف يومياً على ثقافات وشعوب جديدة. بعد انتهاء الدوام، اتصلتُ بأُسَيد لأطمئن عليه. أخبرني أن قطاره سيصل بعد نصف ساعة، وأنه سيعود مباشرة إلى المنزل دون المرور بالكلية، فاقترحت عليه أن ألتقي به لنعود معاً. بينما كنا في طريق العودة، بدأ أُسَيد يشكو من طلابه: أشعر أن ضغطي يرتفع بسبب تصرفاتهم! لا أستطيع احتمال أن يتحدَّث أحدهم مع زميله أثناء المحاضرة، أو أن يكون شارد الذهن، أو يخرج هاتفه المحمول. كل هذه التصرفات برأيي تدلُّ على قلَّة احترامهم لي! ضحكتُ وقلت له مازحة: لكن لماذا تفترض أنَّهم لا يحترمونك؟ ربَّما نسي أحدهم نفسه وتحدَّث دون قصد، أو كان لديه سؤال مهم. لماذا تنفعل من أمورٍ بسيطةٍ كهذه؟ نظر إليَّ مستنكراً: زينة، هذه الأمور ليست بسيطةً إطلاقاً بالنسبة للأستاذ. ابتسمتُ وقلت له بهدوء: لكن لا تنسَ أنني أعمل أيضاً في مجال التعليم، أتعلم أُسيد؟ لطالما أخبرني الطلاب بأنّي لطيفة للغاية! ولكن هل أخبرك بسرٍّ؟ لا أحد منهم يعلم أن هذا اللطف في مصلحتي أولاً، ثمَّ في مصلحتهم. نظر إليَّ متعجِّباً وسألني: كيف يكون ذلك في مصلحتك؟ بالعكس، أنتِ تضغطين على نفسك وتكبتين انفعالاتك! ضحكتُ وقلت: هذا ما تظنّه أنت، لكن الحقيقة أنني فقط أشتري السلام لنفسي وأعتمد مبدأ اعتزل ما يؤذيك. رفع حاجبيه وقال ممازحاً: استراتيجية جديدة لزينة! ضحكتُ وقلت: ليست جديدة، لكنني فهمتها بعمقٍ الآن. أنت تعرف أنَّني إنسانة مسالمة بطبيعتي، لكنَّني أدركت في الآونة الأخيرة أن هذه المسالمة كانت في مصلحتي الشخصية أولاً وأخيراً، وليس فقط لصالح الآخرين. عندما أتجنَّب الجدالات والنقاشات التي لا طائل منها، فإنَّني أحافظ على راحتي النفسية، وأوفِّر طاقتي لأمور أكثر أهمية. لماذا أُرهِق نفسي في نقاشاتٍ لا تضيف إلى حياتي شيئاً؟ ابتسم وقال: لكن في حياتك، لا تواجهين ضغطاً سوى مع بعض الطلاب، أليس كذلك؟ ضحكتُ مجدَّداً وقلت: تظن ذلك؟! أنا أطبِّق هذا المبدأ مع كل شخصٍ في حياتي تقريباً! ومن يضايقكِ حتَّى تعتزليه؟ الفكرة ليست في اعتزال الأشخاص، بل في اعتزال الدخول معهم في مهاترات لا داعي لها، كما نصحنا النبي ﷺ حين قال: أنا زعيمٌ ببيتٍ في ربض الجنة لمن ترك الجدال ولو كان محقَّاً. نظر إليّ مستفسرًا، فسألته: تريد مثالًا، أليس كذلك؟ أومأ إليّ بالإيجاب، فابتسمت وقلت: والدتك، حفظها الله. هل رأيتني يوماً أدخل معها في جدال؟ هل لاحظت أنني ناقشتها حول تعليقاتها المتكرِّرة؟ صمت أُسَيد ولم يعلق بشيءٍ. تابعت قائلةً: أنا لا أفعل ذلك بدافع التسامح فقط، ولا بدافع كرم الأخلاق وحده، بل لأنني ببساطة لا أريد أن أرهق نفسي بنقاشات لا جدوى منها. ما الفائدة من محاولة تغيير قناعاتها؟ هل سينقص مني أي شيء إن تجاهلت بعض الملاحظات؟ بل العكس، سأحافظ على سلامي الداخلي وأوفر طاقتي لأمور أكثر أهمية. فلماذا أرهق أعصابي في معارك صغيرة لا تضيف إلى حياتي شيئاً؟ سواء كسبت الجدال أم خسرته، لن يغير ذلك شيئاً من الواقع. حاول أُسَيد التخفيف من جدِّية الحديث وقال مبتسماً: لكن لديكِ زوج لن تحتاجي إلى استخدام هذا المبدأ معه! ابتسمتُ وقلت: أُسَيد! هل تريدني أن أضرب لك أمثلة؟ ضحك، لكنَّنا في تلك اللحظة وصلنا إلى المنزل، فلم نستطع استئناف ذلك الحوار. تناولنا طعامنا، ثمَّ قررنا الذهاب إلى المركز التجاريّ لشراء بعض الحاجيات، وفي الوقت نفسه لتتمكَّن والدته من الخروج قليلاً وتغيير الأجواء. وأثناء تجولنا، لفت انتباهي معطف جميل عليه خصم، اخترت اللون الأسود، وبينما كنت على وشك الذهاب إلى الغرفة الخاصّة لتجربته، قالت لي حماتي: اللون الزهري أجمل، ويليق بلون بشرتكِ أكثر! ابتسمتُ وقلت لها بلطف: سأجرّبه بعد الأسود. فما لا تعرفه حماتي أنَّ أُسَيد لا يحبذ الألوان الزاهية. ارتديت المعطف الأسود وخرجت من الغرفة الخاصَّة، وما إن رآني أُسَيد حتَّى رفع حاجبيه إشارةً إلى أنَّه لا يغطي الركبة بالكامل. فهمتُ مقصده، فأعدت المعطف إلى مكانه دون أن أجادل أو أعلّق بكلمةٍ.خرجنا من المحل، وسرعان ما تلاحقت في ذهني مواقف عديدة، وكأن شريطاً سينمائياً يمر أمام عيني. تذكّرت قرار أُسَيد بعدم حضور حفلة زفافنا النسائية، ورفضه لوضعي أي مساحيق تجميل عند الخروج إلى الشارع، كما أنَّه لا يفضِّل نشر الصور على وسائل التواصل الاجتماعي. كانت هناك أمور كثيرة اعتدت القيام بها في منزل والديّ ولم تكن ممنوعة، لكنني تخلّيت عنها دون أن أخوض معارك مع أُسَيد. لم يؤثر ذلك سلباً عليّ، لا في الدنيا ولا في الآخرة، ولم أكن بحاجة إلى إثبات ذاتي من خلال مثل هذه الأمور أو الدخول في جدالات لا طائل منها. ببساطة، اخترت تجنُّب ما يؤذيني من نقاشات لا جدوى منها، وتغاضيت دون أن أغفل عن جوهر الأمور. وبينما كنّا نسير نحو مرآب السيارات، أمسك أُسَيد بيدي بقوَّةٍ وحنانٍ معاً، ونظر إليّ مبتسماً، وكأنه يودُّ أن

OVA4-Rasha
فصول خاصّة

ليلة الأمنيات

رشا  |  يوليو 2011   اقترب رمضان، اخترت قلماً مميَّزاً، أخرجت دفتري الخاص، وجلست استعداداً للكتابة والعصف الذهني. بدأت بسم الله الرحمن الرحيم، ثمَّ كتبت في مطلع الصفحة: قائمة الدعوات لرمضان 1432 هـ سردت في المقدِّمة أمنياتي الكبيرة والأساسية: ثمَّ أسهبت في دعواتٍ لطلب العون والمدد والتيسير لما يجعلني أهلاً لنيل القسم الأول: كتبت بعدها الدعوات لأهلي وأحبائي وأصدقائي، بأن يرزقهم الله الصحَّة، والعافية، والسعادة في الدنيا والآخرة، هكذا إلى أن وصلت إلى قسم “الدعوات الخاصَّة جدَّاً”! وهنا توقَّفت عن الكتابة، ورحت أفكِّر برويَّةٍ، وإذ بالذكريات تتدفَّق إلى مخيلتي، لم أستطع مقاومتها، وضعت القلم جانباً، وابتسمت رغماً عنِّي حين رجعت سبعة عشر عاماً إلى الوراء. هناك في بيت جدي وجدَّتي -رحمهما الله- وتحديداً في شهر مارس من عام 1994، كانت الأمطار في ذلك اليوم تهطل بغزارةٍ، ارتدينا معاطفنا أنا وأخواتي الثلاث وانتظرنا والدي ووالدتي، وحين جَهِزنا جميعاً انطلقنا في سيارة أجرة متَّجهين إلى منزل جدِّي. وصلنا قبيل أذان المغرب، فتوجَّهت والدتي وأختي الكبيرة مباشرةً إلى المطبخ لتعاون جدَّتي في التحضيرات الأخيرة لوجبة الإفطار. لم تمر بعدها إلا دقائق معدودة حتّى وصل خالي سمير وزوجته وأولاد خالي؛ يمان وآدم. تطوَّعتُ للمساعدة في تجهيز مائدة الإفطار، إلا إنَّني لم أكن ذات نفعٍ كبيرٍ، إذ كنت متعبةً من الصيام، فقد كان اليوم الأوَّل الذي أتمُّ فيه الصيام حتَّى آذان المغرب بعد محاولاتٍ كثيرةٍ طيلة الشهر. أذَّن المغرب، فبدأنا بتناول الطعام أخيراً، لكنِّي تفاجأت بأنِّي لم أتمكَّن من تناول الأطعمة التي كنت أتوق إليها وأحلم بها طيلة النهار، إذ شعرت بالامتلاء بعد لقمتين فقط! وبعدما انتهينا من وجبة الإفطار؛ انطلق والداي وأختاي، وخالي وزوجة خالي ويمان لأداء صلاة العشاء والتراويح جماعةً في المسجد، فهذه الليلة مميَّزٌة جدَّاً! لم تقبل والدتي باصطحابي أنا وأختي الصغيرة رقية، لأنَّ المسجد سيكون مزدحماً للغاية، فهذه الليلة مميَّزة جدَّاً! انطبق الأمر ذاته على آدم، ولم يصطحبه خالي، وطلبوا منَّا المكوث في المنزل مع جدِّي وجدَّتي اللذين يُفضِّلان أداء الصلاة في البيت مع بعضهما جماعةً، فصحَّة جدِّي لا تساعده كثيراً في الخروج من المنزل. وافقنا ظنَّاً منَّا بأنَّنا سنحظى بفرصةٍ رائعةٍ للعب والتسلية، لكنَّ شيئاً من هذا لم يحدث. لم يكد يفرغ البيت من الكبار حتَّى نادانا جدِّي وطلب منَّا أن نتوضأ، كي نصلِّي معه، فهذه الليلة مميَّزٌة جدَّاً! وبعدما حوَّلنا أرضية الحمام إلى مسبحٍ، وقفنا إلى جوار جدَّتي نستعدُّ للصلاة. كبَّر جدِّي، فكبَّرنا، وشرعنا بالصلاة. كنت أقف بالمنتصف بين جدَّتي وآدم، بينما جلست رقية بالقرب منَّا تلعب ببعض الأواني البلاستيكية الفارغة، وكما هو متوقَّع! راح آدم يتحرَّك كثيراً، ويصدر أصواتاً مريبةً، لم أستطع كتم ضحكتي، فانفجرت من الضحك، وفعل آدم الأمر ذاته، فما كان من رقية إلا أن وقفت أمام جدتي تنظر إلينا لتفهم ما الذي يجري. أتممنا الصلاة، وحين سلَّم جدِّي، توقَّعنا أن يوبِّخنا بشدَّةٍ، لكنَّه اكتفى ببضع ملاحظات، وذكَّرنا مجدَّداً بأنَّ هذه الليلة مميَّزة جدَّاً! صلَّينا بضع ركعاتٍ مع جدِّي ومن ثمَّ قررنا أن نحظى باستراحةٍ. جلسنا أنا وآدم في زاوية الغرفة، وتمتمنا بصوتٍ خافتٍ ونحن نتقاسم بعض الحلوى فيما بيننا، ثمَّ سألتُه: لماذا يردّدون بأنَّ هذه الليلة مميزة جدَّاً؟ أجابني آدم بثقةٍ: الليلة هي ليلة القدر. وما معنى ليلة القدر؟ يعني إذا دعونا الله فيها، قد يحقِّق لنا ما نريده. وضعت الحلوى جانباً وعدَّلت من جلستي، ثمَّ سألته باهتمام: حقًّا؟ أيّ شيء؟ نعم! خفق قلبي، وسرحت بأفكاري، فقاطعني آدم بمكرٍ: ماذا ستطلبين من الله؟ أجبته: لا أدري بعد، دعني أفكِّر. سكتُّ قليلاً، ثمَّ قلت: أريد أن تلد أمّي ولدًا. نظر إليّ متعجّبًا وقال: ولماذا؟ لأنّهم يتحدَّثون دائمًا حول هذا الأمر، وأشعر أنّ أمّي حزينة، وقلقةً من أن تنجب بنتاً خامسة. لكن عمَّتي ستطلب ذلك بالتأكيد، اختاري شيئًا لكِ أنتِ. لكنّي أريد أخًا. أنا كأخيك، اختاري شيئًا لا تملكينه. حسناً. عاودت التفكير مجدَّداً، ثمَّ هتفتُ بحماسةٍ: عرفت ماذا سأطلب. ماذا؟ تنهَّدت وقلت له: أريد أن يحبّني الجميع. ضحك آدم وقال: الجميع يحبّك! هززت رأسي نافيةً، وقلت بحزنٍ: لا أشعر بذلك. ولماذا؟ قلت وأنا أعبث بطرف ثوبي: في الصفِّ، لا أحد ينتبه لي، هناك فتاتان تحبُّهما المعلمة، هما فقط من تمدحهما وتضحك لهما، والكلّ يجلس معهما. وفي البيت، رانيا هي الكبيرة، ورهام تضحك دائمًا، ورقية هي الصغيرة، أمَّا أنا فلا أحد يهتمّ بي. يعود أبي إلى البيت ولا يناديني، ولا يسمعني حين أقول له: “تصبح على خير”، وأمِّي… تنساني أحيانًا، لا تسألني إن أعجبني الطعام، ولا تتذكَّرني حين تذهب إلى السوق، تجلب لأخواتي أشياء جميلة، وأحصل أنا على أشيائهم القديمة فقط. ولا أذكر أنَّها قالت لي يومًا إنِّي جميلة، بينما أسمعها تمدح أخواتي دائمًا… فأفكِّر: هل أنا قبيحة؟ نظر إليَّ آدم متفاجئًا، ثمّ قال بسرعةٍ: لا، لستِ قبيحة. ثم فكّر قليلًا وأضاف وهو يبتسم: لكن ربما أنتِ غبية قليلًا. قطَّبتُ حاجبي وقلت بحزن: لا تقل ذلك يا آدم، لقد أحزنتني. رفع يديه كأنَّه يدافع عن نفسه وقال: لا أقصد هذا! افهميني… عليكِ أن تختاري شيئًا لا تملكينه، شيئًا تتمنَّينه كثيرًا. ثمّ قال بثقةٍ طفولية: الجميع يحبّك، أنا متأكِّد من ذلك. ورغم أنِّي لم أقتنع كثيراً بكلام آدم، لكنِّي عزمت أن أختار أمنيةً تمتاز بالمواصفات التي ذكرها لي، فيبدو أنّه ذا خبرةٍ جيدةٍ بالأمر، وبعد تفكيرٍ دام لدقائق عديدة، نظرت إليه بحزمٍ وقلت له بثقةٍ لا مثيل لها: وجدتها. هيَّا أخبريني، ماذا ستطلبين؟ شبكت أصابع يديّ ببعضهما وقلت له وعيناي على وشك ذرف الدموع من السعادة: أريد أن أُدعَى إلى حفلة عيد ميلاد. نظر إليَّ دون أن يقول شيئًا، ثم قال بعد لحظةٍ وهو يحاول ألا يضحك: حفلة عيد ميلاد؟ أومأتُ برأسي بسرعةٍ وقلت: نعم، لم يدعُني أحدٌ إلى حفلة عيد ميلاد من قبل. قال: حسنًا، يبدو طلبًا جيدًا. سألته بتحدٍّ: وأنت ماذا ستطلب؟ رفع حاجبيه بلؤمٍ وأجابني: هذا سرٌّ. لماذا؟ لأنّه سرّ هذا ليس عدلًا، أنا أخبرتك بكلّ شيء! نهض وهرب إلى الغرفة المجاورة وهو يقول: لن أخبرك! لحقت به لأتشاجر معه، لكن دون جدوى. بعدها انزوى كلُّ واحدٍ منّا في زاويةٍ إلى أن عاد آباؤنا من الصلاة. حينها ودَّعنا جدّيّ وخرجنا معاً، كانت الأمطار قد توقَّفت، وبينما كانت أمي تودِّع خالي وعائلته على الرصيف المقابل لمنزل جدِّي، لوَّح لي آدم وهو يقف خلف خالي سمير، وأشار إلي بأن أقترب نحوه، أفلتُ يد والدتي واقتربتُ نحوه وأنا ما أزال غاضبةً منه، فهمس قائلاً: سأخبرك عن طلبي تعالي معي. أومأت إليه بالإيجاب، فمشينا بضع خطواتٍ في الشارع ذاته، إلى أن وصلنا إلى واجهة الدكَّان الصغير الذي يقع في مطلع الشارع. أشار آدم إلى أحد الرفوف التي يمكننا رؤيتها من خلال زجاج الواجهة وقال: أترين تلك الكرة البيضاء؟ هززت

مراجعات أدبية

مراجعة رواية “الشلال” للكاتب أحمد دعدوش

  أن تجعل قارئاً ينغمس في قراءة روايةٍ لا تنتمي للتصنيف الذي يفضّله، فهذه علامة إبداع. لستُ من هواة التصنيف الذي تنتمي إليه رواية “الشلال”، ومع ذلك لم أستطع إلا أن أقرأها بشغفٍ واستمتاع. بلغةٍ سلسلةٍ، وبإتقانٍ، ورويّة، يبني الكاتب شخصية “همام” بوضوحٍ منذ الصفحات الأولى، بدءاً من خيالات “همام”، مروراً بمكان عمله، وحواراته مع صديقه “كيتشي”، لنكون على استعدادٍ تامٍّ للإصغاء إلى تفاصيل رحلة بطلنا “همام” إلى قرية “كيتشي”، هناك حيث يطمح  إلى خوض تجربةٍ روحيّةٍ فريدة. أشعر أنّها تجربتي الأخيرة، إما أن أبلغ الاستنارة أو ستكون النهاية! هكذا كانت كلمات “همام” وهو مقبلٌ على تجربته الأخيرة، إذ كان لديه رغبة عارمة في الوصول إلى أعلى مستوى في عالم الأرواح، ومهارات التخاطر والتأمّل، وبسعيٍ حثيث، وتخففٍ من كلّ ما يمنع وصوله إلى تلك الرغبة، أصرّ “همام” أن يصمد أمام كلّ المصاعب التي أقحمه بها الشامان، بدءاً من تجربة الكوخ، مروراً بحفلة الآيوواسكا “المرخصّة قانونياً!” والتي أصابتنا جميعاً بالدوار والغثيان، انتهاءً بتجربة العبور، والتي رأينا فيها مع “همام” حركة البومة، وسرعة اختفائها، وسمعنا صوت الثعلب وهو يتحدّث، ووقع أقدامه في دائرة الوهم. لم تكن تلك التجارب مرضيةً لـ”همام”، الذي ذهب إليها متعباً، وعاد منها أكثر إنهاكاً، وضياعاً، وتيهاً. تمرّ أسابيع ثمّ تأتي لحظة لقاء “همام” بالدكتور “فراس”، لتأخذ بعدها الأحداث منحىً مختلفاً. “فراس” الذي تحلّى بالمواصفات الأساسية والضروريّة للمؤثّر، ألا وهي: العلم، والحكمة، والرحمة، والصبر، والتواضع. ومع توطد علاقة الصديقين، دمج الكاتب أفكاراً عديدة مع بعضها البعض ببراعة، ولم يقتصر على موضوع الرواية الأساسي، فتطرّق إلى القضية الفلسطينية، وتناقض مفهوم الإله في العقد القديم، كما وظّف زيارة معلّم حقيقيّ “متحف آغا خان” في سياق الأحداث بطريقة سلسلة لترسيخ وتصحيح بعض المفاهيم الخاطئة عن عالم الأرواح، والشياطين، وتوضيح أصل المذاهب الصوفية. تمرّ الأيام، ويتعلّق “همام” بالمسجد أكثر وأكثر، ويعبّر عن ذلك بسؤالٍ دافئٍ للغاية: ما الذي فعلتَه بي يا مسجد؟! يتعلّم، ويدرس، ويقرأ، ويجتهد -رغم تدهور حالته الصحيّة- إلى أن يصبح مستعدّاً للإيمان، ليأتي مشهد إسلامه مؤثّراً وحسناً للغاية. وما إن يطمئن قلبه بالإيمان، وتسكن روحه بالقرآن، وينجو ويتخلّص من درك وأوهام الشيطان، حتّى نقترب من النهاية: “الثالث والعشرين من شهر نوفمبر”، النهاية الظاهرية فقط، فيودّع الدكتور “فراس” صديقه “همام”، ليلتقيه بعد ذلك في حلمٍ جميل، هناك حيث تلتقي الأرواح بإذن ربّها.   الرواية مليئة بالمعاني الجميلة، وتتميّز بنقاط قوة عديدة ومهارة في سرد الأحداث، لعلّ أبرزها:   أمّا عن الحبكات: وعلى الرغم من تصريح “همام” ذاته بعدم اهتمامه بالأنمي، إلا أنّي لم أستطع منع نفسي من رسم شخصيته، وبالمناسبة، أهو “همّامٌ” أم “هُمام”؟ أظنّه الأخير والله أعلم. بكلّ الأحوال، وأيّاً كان اسمه، فقد كان شجاعاً، ومقداماً، ونبيلاً وعظيم الهمَّة، واجه مخاوفه، وأوهامه بشجاعة، ليعطي درساً لكلّ واحدٍ منّا، بأن يتخلّى عن أي شلالٍ وهميّ يلتجئ إليه، ويجعل صلاته ونسكه ومحياه ومماته لله ربّ العالمين، لا شريك له.     بقلم وريشة.. سحر خواتمي    

Ulter
مقالات عامّة

البدائل الآمنة والهادفة في المجال القصصيّ والروائيّ

جميلةٌ هي القصَّة، قريبةٌ من الوجدان، ومحبَّبةُ إلى النَّفس، وحين تُعرَض شخصياتها بإحكامٍ وإتقان، وتُدرس أفكارها بحكمةٍ ودقّة؛ تؤتي ثمارها بيسرٍ وسهولةٍ.   لا شكَّ أنَّ لكلِّ كاتبٍ رؤيته الخاصَّة، ولكلِّ عملٍ فنّيٍّ رسالة وهدف، منها النبيل ومنها عكس ذلك، فثمَّة من يستميت لزراعة الشوك والحنظل والصبَّار، ويبثُّ السمَّ في العسل، فيكرِّس وقته، وجهده، وفكره، وإبداعه في سبيل ذلك.   دعونا ندرج الروايات والقصص بأشكالها -سواء كانت مقروءة، أو مرئية، أو مسموعة- تحت بند الفنّ الترفيهي، وهو أمرٌ لستَ ملزماً بممارسته، لكنَّك تلجأ إليه لتروِّح به عن نفسك، وتطَّلع على عوالم مختلفة، فتوسِّع أفقك.   على أيامنا –نحن جيل الثمانينيات والتسعينيات- كانت تلك الأعمال أمراً ثانوياً ومحدوداً. فالمقروء منها، هو ما وُجِدَ في مكتبة البيت، أو ما استطعنا استعارته من مكتبات أصدقائنا وأقربائنا، أمَّا المسموع والمرئي؛ فهو ما يصدر عن الإذاعة والتلفاز، من مسلسلات وأفلام، وهي محدودة بطبيعة الحال، وتُعرَض بحضور أفراد العائلة كافَّة.   اختلف الأمر كثيراً هذه الأيام، وبات مثيراً للقلق! فلكلِّ فردٍ من أفراد العائلة جهازه الخاصّ، يقرأ ويسمع ويشاهد ما يشاء، ومتى يشاء.   وفي ظلِّ هذه التطورات الحاصلة وإمكانية استعراض “كلّ” المنتجات عبر شبكة الانترنت، بتنا بحاجةٍ ماسَّةٍ إلى أن نولي فئة “اليافعين” اهتماماً كبيراً وعنايةً واسعة وحمايةً شاملةً.   ومن الجدير بالملاحظة أنَّ “اليافعين” هذه الأيام ينقسمون إلى شريحتين أساسيتين: إمَّا قارئ نهم، أو يافعٌ غير مهتمٍّ بالقراءة وبالكاد يقرأ كتبه المدرسيَّة، أمَّا الشريحة المتوسِّطة بينهما، فلم تعد هي الأغلبية كما في العادة. ونتيجةً لذلك، نجد أنَّ القارئ اليافع، لن يكتفيَ بقراءة الأدب المخصص لليافعين فقط، إذ لديه نهمٌ شديدٌ للقراءة، ممَّا يجعله يتقدَّم خطوةً إلى الأمام ويبدأ بمطالعة الأعمال الأكثر تعقيداً والمقدَّمة للراشدين بطبيعة الحال.   وفي هذا السياق، يتعيَّن على من يكتب ويؤلِّف منتجاتٍ أدبيَّة للـ”الراشدين”، أن يأخذ بعين الاعتبار أنَّ عمله قد يصل إلى أيدي اليافعين، وحتَّى لو لم يلم اليافع بكلِّ الأفكار والمعاني، ولم يصل إلى العمق الكامل وراء رسالة العمل، إلا أنّه ومن المهم ضمان أنَّ المنتج القصصي أو الفنّي لن يسبب أيَّ أذىً غير محسوبٍ من خلال ترويج الأفكار العقائدية المنحرفة، والتطبيع مع الانحرافات بكلّ أطيافها، وإشاعة القسوة والعنف والمشاهد الخادشة للحياء.   ويكمن السؤال الأهمّ: “هل نحن ملزمون بتوفير البدائل؟ ولماذا؟”   يطرح الكاتب سامي فسيح في مقالته: “البديل الشرعي وضعف الانقياد..” سؤالاً مهمَّاً ومحوريَّاً: “هل يلزم الشرع الإتيان بالبدائل في أمور الترفيه؟” ويسرد بعدها جواباً منطقياً وواضحاً يغطِّي محاور عديدة: “قد تتدخل الشريعة ببديل مباح في أمور الترفيه إذا كان فيها ما يُستَنكر، إلا أنه لا يلزمها الإتيان دائما بالبدائل المسموح بها شرعاً لكون باب الترفيه من الأبواب الواسعة والمتجددة في الزمان والمكان، فهو مجال واسع للإبداع البشري لم يقيده الشرع إذا كان في إطار المباح…”، “إن الترفيه إذن من أمور الدنيا المباحة ما دامت تحترم الضوابط الشرعية، والشرع لا يقيدها إلا إذا بدا له فيها قفز إلى جهة الممنوع شرعاً، وقد قال رسول الله ﷺ في قصَّة تأبير النخل أنتم أعلم بأمور دنياكم، وما أحلى الترفيه إذا كان يخدم قضايا الأمة الإسلامية، وينطلق من ثوابتها وأصولها باعتبارها ركائز يبنى عليها الترفيه.” [1]   أوافقه الرأي، فنحن لا نتحدَّث هنا عن بديلٍ لسدِّ الجانب الترفيهي فقط، إنَّما بغرض الاستفادة من تلك الأداة، لإعادة التطبيع مع الأفكار والمبادئ والقواعد السليمة، ووسيلة لعرض واقعٍ حيِّ وعمليٍّ للقيم والمفاهيم النظرية التي نسعى إلى نشرها.   فنحن –على سبيل المثال- بحاجةٍ إلى إحياء صور أكثر نُبلاً وانضباطاً واحتراماً للعلاقة بين الرجل والمرأة، بهدفها، وشكلها، ومضمونها، وحدودها، إذ إنّ التشويه الحاصل في السنوات الأخيرة وصل إلى مرحلةٍ غير مقبولةٍ بتاتاً، ونتيجةً لذلك، علينا أن نهدم أولاً ما تمّ تطبيعه في أذهان الجيل الجديد ومن ثمَّ نعيد بناء صورة معتدلة وطبيعية، لعلَّنا نساعدهم على إيجاد إجابات لأسئلةٍ كـ: لماذا نتزوج؟ لماذا علينا أن نكوِّن أسرة؟ هل المرأة مسؤولة عن خدمة الرجل؟ هل يحقُّ للرجل أن يدير شؤون الأسرة؟ هل؟ هل؟ هل…. تلك الأسئلة التي غدت كمعضلاتٍ غير قابلة للحلِّ نتيجة التشويش والتشويه المتعمَّد من قبل الحركات النسوية، و”شريعة” التنمية البشرية التي تؤكِّد مبدأ الفردانية، وعدم ضرورة الإصلاح الذاتي، وتؤصِّله بشعاراتٍ ما أُريد بها إلا الباطل: لا تخض أي تجربة قد تزعجك! لا تجبر نفسك على التغيير للأفضل! كن كما أنتَ بمساوئك ولا تستمع للآخرين!   البدائل المتاحة   إذا بحثنا في الأعمال المطروحة على أنَّها بدائل سنجد أنَّ أغلبها يتمركز حول المحورين التاليين: التاريخي أو الديني، وبالتأكيد فإنَّ ثمة إشكالية كبيرة في الاقتصار على هذين المحوريين فقط! فالأعمال التاريخيَّة، الحقيقة منها والخيالية، هي أعمال جيِّدة وتحمل في طيَّاتها كثيراً من العبر والصور المُشرقة، لها فوائدها في توضيح المفاهيم والأصول الأساسيَّة بعيداً عن تعقيدات المجتمع الحديث، كما لا يمكن إنكار دورها في تعزيز الانتماء والفخر، لكن ورغم ذلك لا يمكن اعتبارها بديلاً متكاملاً، فهي تطرح المُشكلات بقالبٍ قديمٍ، حتَّى لو أُسقِطَت واستُمدَّت من الواقع الحالي، إذ تبقى أدوات الحلّ وثقافة الشخصيَّات، وأنماط تفكيرها، متناسبة مع حقبةٍ قديمةٍ، ومجدَّداً يجد القارئ نفسه بعيداً عن الشخصيات، وليس قريباً إليهم بما يكفي لاتِّخاذهم نموذجاً متكاملاً يعبِّر عنه أو يمثِّله. أمّا عن الأعمال الدينية، فالتصنيف بحدِّ ذاته غير مفهومٍ بالنسبة لي، إذ لا وجود له على أرض الواقع! كيف يكون العمل دينياً؟! قد تُقدَّم قصَّة قصيرة للأطفال الصغار تحكي عن فضل الأمانة، والصدق، والإيثار، والأخلاق الحميدة كافَّة، وتأخذ انطباعاً دينياً عامَّاً، فتظهر الأمُّ في القصَّة محجَّبةً طوال الوقت، وذات خُلقٍ وحكمةٍ، لغتها لطيفة للغاية ومفرداتها منتقاة بعناية، ونجدها تكرِّر: زوجي الصالح، ابني العزيز، وما إلى ذلك، لسانها يلهج بالذكر والدعاء، وابتسامتها لا تفارق شفتيها، أمَّا الأب، فما إن يصل إلى المنزل، حتَّى ينغمس ويعاون أهل البيت فيما هم فيه، بابتسامةٍ ورضا وصفاءٍ ونقاء… أجد أنَّ بناء شخصياتٍ كتلك في قصَّةٍ قصيرةٍ موجَّهةٍ للأطفال هو طرحٌ مقبولٌ نسبياً، لكن في الأعمال التي تستهدف الشريحة الأكبر سناً، يصبح الأمر شائكاً بعض الشيء، إذ لا يمكننا تقديم شخصية كاملة متكاملة، لا تخطئ، وإلا سنقع في فخ الشخصيّة المثالية، والتي سنتطرَّق إليها لاحقاً. ومع هذا وذاك، ورغم أنَّ الساحة الأدبية والفنيّة لا تخلو من الأعمال البديلة ضمن التصنيفات الاجتماعية والعاطفية والدراما، إلا إنَّ نسبتها ضئيلة مقارنةً مع الحاجة الكبيرة والملحّة.   نقاط الضعف والأخطاء المتكرِّرة في البدائل المتاحة في التصنيفات الاجتماعية   دعونا في البداية نتفق على الأمور التالية، وهي أنَّ القارئ: ذكيُّ للغاية. يملُّ من الرسائل المباشرة. يقرأ الرواية بدافع الاستمتاع في المقام الأول، ومن ثمَّ تلقي الحكم والعبر، وفي كلِّ الأحوال هو لا يقرأ الرواية بهدف نهل العلم والمعرفة. لديه خبرة جيدة في تحليل الشخصيات والحبكات والأحداث. يكشف

مراجعات أدبية

مراجعة رواية “وَعَلاماتٍ” للكاتبة مزنة كمال

العلاماتُ رسائل تأتينا بتوقيتٍ لا نتوقعه. قد نقرأ جملةً في دفترٍ لا نعرف صاحبه، أو نسمع نصيحةً لم تكن موجّهةً إلينا بالأساس، أو نتعثّر بشخصٍ غنيٍّ بنفعه لم نلقِ له بالاً! بسلاسةٍ وبلغةٍ جميلة تقدّم لنا الكاتبة الشخصيّة الأساسية في الرواية وهي الفتاة “مريم” ذات الأربعة عشر عاماً، فتبني لنا تصوّراً واضحاً لعائلتها ومدرستها ومحيطها، لتنقلنا بعدها وبإسلوبٍ شائق إلى الغرفة التي كان يجمع فيها والد “مريم” بضاعته التي يبيعها في بسطته، هناك حيث ستبدأ المغامرة! إذ عثرت “مريم” على قطعةٍ معدنيةٍ لفتت انتباهها، وحين رآها والدها قدّر بأنّ هذه القطعة إنّما هي جزءٌ من آلةٍ قديمة، وقرر البحث مع “مريم” عن باقي الأجزاء المفقودة، ليجد القارئ نفسه مدفوعاً بفضولٍ للتفكير معهما، فيحاول قراءة النصوص المكتوبة بحروفٍ غير منقوطة، ويتأمّل الآية الكريمة بكلماتها ومدلولاتها القريبة والبعيدة، ويستنبط الحلول مع “مريم” ووالداها في رحلتيهما إلى جامعي الإشبيلي والزيتونة. لم تتمركز المشاهد في تلك الأماكن فحسب، بل أتت مشاهد المدرسة لتعرض تطور شخصية “مريم” وجوانبها الأساسية. فنرى معاناة “مريم” مع مشكلة التنمر وعجزها عن الدفاع عن نفسها أمام سخرية واستهزاء بعض الطالبات، ونسمعها وهي تتذمّر من الواجبات الصعبة التي تكلّفها بها معلمة الجغرافيا دوناً عن بقية الطالبات. تمرّ بعدها عدّة أسابيع، ومع كلّ تقدّمٍ تحرزه “مريم” في حلّ اللغز، كانت في المقابل تهتدي إلى سلامها وتتنبّه لصفاتٍ وسِماتٍ تتحلّى بها ولا تعرها انتباهاً. ففي لحظةٍ صفاء تدرك “مريم” السبب وراء تمييز المعلمة لها وتوكيلها بمهامٍ ضخمة، فتقرّ “مريم” بسعادةٍ قائلةً: “أنا أمتلك موهبةً في تحديد الاتجاهات”. كما تأتي مبادرة “مريم” لإصلاح بسطة والدها علامةً على تصالحها مع مهنته كبائعٍ متجوّل. وبعد سلسلةٍ من الأحداث، تنجح “مريم” ووالدها بتجميع القطع المتفرقة وتركيبها معاً، لتتعرّف بذلك على آلة “الأسطرلاب” وتتعلّم بعضاً من خصائصها وتطبيقاتها وآلية استخدامها. تأتي الخاتمة لتسرد فيها “مريم” مشاعرها مجدداً، لكن بحالٍ معاكسةٍ لما جاءت به مقدّمتها، رغم أنّ شيئاً لن يتغير في عائلتها أو شكلها أو محيطها! إلا أنّ طريقة تفكيرها وتحلليها للأمور أخذت منحىً أكثر عمقاً ونضجاً، منحىً جعل قلبها يمتلئ بالرضا والسلام عوضاً عن السخط والكدر. الرواية سلسة وممتعة ومناسبة لليافعين، ورغم أنّ أحداثها تدور في رحاب مدينة تونس العتيقة على مدار شهرين فقط، إلا أنّها تمتدّ تاريخيّاً لألف عامٍ بين حلب وتونس، وفلكيّاً إلى ما وراء الشمس والنجوم! ولعلّ من يقرؤها سيترقّب صدور الجزء التالي من السلسلة وهو يتساءل: يا تُرى أين ستقع الأحداث؟ وفي أيّ حقبة؟ من سيكون البطل؟ هل سيبحثُ عن آلةٍ جديدة؟ أم سينقّب عن فكرةٍ قيّمة؟ أو لربما سيقابل شخصيّةً جليلة؟ من يدري؟! وحتّى ذلك الحين، ها نحن ننتظر بشوقٍ، إذ إنّها البداية فحسب. سألتها: “لكن من أين أبدأ يا خالتي؟”، فأجابتني: “ابدئي حيث البدايات دائمًا، فالبدايةُ تقود إلى أختِها، إذا عرفت البداية عرفت ما يليها”.   بقلم: سحر خواتمي  

مراجعات أدبية

مراجعة رواية “نسيج” للكاتبة مزنة كمال

لا يُوجد خطأ أبدًا، ولا مصادفة، حين ترتمي في أمواج الأقدار الإلهية لن ترى إلا خيوطًا معقَّدة متشابكة، ستغضب وتشعر بالظلم. أما حين تنتهي اللوحة، فابتَعِد قليلًا وستجد أن هذه الأقدار صنعَت لك خصيصًا أجمل لوحة، وأن خيوطها غَزلَت لروحك أروع نسيج!   بأسلوبها المتفرّد ولغتها السلسة والساحرة، أبدعت الكاتبة والأكاديمية المتخصِّصة في الأدب العباسي ،مزنة كمال، في نسج أحداث وشخصيات رواية (نسيج). مزنة التي كان لي الشرف بمعرفتها منذ عدّة سنوات، والوحيدة التي استطاعت أن تنال إعجابي وتقديري بين عشرات المدققين بمهنيّتها الممزوجة بالتواضع واللطف والأمانة ومنهجيّتها المتميّزة في التدقيق اللغوي. ومع تفاصيل أراها لأوّل مرّة في رواية عن مدينتي، حلب، تُروى معظم أحداث الرواية على لسان (سما) الفتاة الحلبية، الذكيّة، المحتمّسة للحياة، والتي يشغل بالها الكثير من التساؤلات والأفكار وإشارات التعجب والاستفهام. ورغم أنّ (سما) من عائلة شديدة التحفّظ إلا أنّها لم تستسلم بسهولة، بل حاولت ومع كلّ القيود المفروضة عليها أن تطلق العنان لنفسها بالمتاح، تستجيب لحماستها تارة، فتقترب من المناطق المحظورة وتحوم حول الحمى، لكنّها حالما تتراجع بخوفٍ وتردد، وتعيد الكرّة مراراً بأحداث وتجارب وظروف مختلفة.   العقبات في الطريق كثيرة، واحدة تُزيحها لتُكمل، والأخرى تُبقيها لتصعد   ورغم أنّي لا أوافق (سما) في كثير من الأحيان إلا أنّي لست في موضعٍ لأحكم على مدى صحّة تصرفاتها. فكيف سأدرك -وأنا لم أعايش هذا النوع من “الاستبداد”- شعور فتاة مُنعت من إتمام دراستها فقط لأنّها أنثى، أو أفهم منطق الحكم الصارم حول كلّ مشوار أو خروج لها من المنزل! تساءلت وأنا أمضي مع أحداث الرواية، لِم يسلبون الثقة والحرية من الفتاة بتلك الطريقة! فلقد استفزني كلّ استجداءٍ من (سما) لأبيها كي تخرج من المنزل، وكلّ حيلة كانت تقوم بها لتقابل (جدو نور) بهدف استعارة بعض الكتب والروايات من مكتبته. لقد كانت تلك الدقائق القليلة (وأحيانا الساعات) التي تقضيها وهي تناقش ما قرأته مع (الدكتور نور) من أجمل اللحظات التي كانت تسرقها من الحياة لتعود بعدها إلى روتينها اليوميّ المليء بالتخبّط بين شخصيات تعرفها ولا تعرفها عبر الفيسبوك، فتراها هشّة، تؤثر بها رسالة من هذا أو تعليق مبطّن من ذاك، أو حتّى إشعار إعجاب! وعلى عكس حقيقتها فقد كانت (سما) تحاول أن تظهر بمظهر القوة والسيطرة، تحاول التمرد، لكن ضمن دوائر صغيرة ومضمونة، فتتمرد على آنسة الدرس، التي استحقت بالمناسبة كلّ كلمة قيلت لها بل وأكثر! فقد كانت لسما طريقتها الخاصّة في البحث عن الله وفهمها للصلاة والالتزام في مجتمعٍ يحكم على المظاهر بشدّة ولا يغفر البتة.   انتهى رمضان، لكن ربَّ رمضان هنا لا يرحل. انتهى رمضان، والآن فقط ابتدأ العمل   تضحكنا (سما) في بعض المواقف، وبالذات حين تصف الأعراس الحلبية، والنسوة غريبات الأطوار اللواتي لا يرضيهنّ شيئاً، صلاة التراويح وتفاصيلها، ناهيك عن شغل الكبّة، والتعزيل والكثير من الأمور التي تعايشها كلّ صبية حلبيّة ولعلّ من ضمنها الخطبة والعرسان. فهي كأغلب الفتيات شغل بالها موضوع الارتباط واختيار شريك الحياة، ومع ثلاثة نماذج من الخاطبين وطالبي القرب، بدءاً بابن عمّتها سامر، مروراً برائد، وانتهاءً بشادي، نرى أنّ (سما) لم تكن ملمّةً بأولويّاتها على الدوام، ماذا تريد ولماذا! وهذا منطقيّ لشخصيّةٍ لم تخالط المجتمع بشكلٍ مهنيّ. لكن في نهاية المطاف، استطاع شادي أن يحظى بقلبها ويظفر بقبولها، لتتحدى كلّ الصعاب وتجتمع به فيكون لها سنداً وداعماً يساعدها على تحقيق أحلامها وطموحها ويشاركها شغفها في الحياة. في المقابل، تحزننا (سما) حين تصف مشاهد الحرب، والخراب، وضيق العيش في حلب خصوصا وفي سورية عموما. ورغم ذلك ظهر الجمال بين ثنايا الرواية عنوةً حين مرّت الأحداث على أماكن محببة إلى قلوبنا في حلب، فتارة تأخذنا إلى ساحة سعد الله الجابري، وتارة إلى القيصر وشهبا روز والكثير من الحدائق والشوارع والجوامع والمحال والأزقة القديمة والعبّارات.   أيتها السماء اسمعيني، أيتها الأشجار والجبال والعصافير ارفقي بحالي وواسيني. يا قلعة حلب، يا جامعها الأموي، يا شوارعها المرصوفة، وأسواقها المسقوفة، ارفقوا بحالي، احملوا جزءًا من آلامي، خذوني إليكم، ضُمُّوني بحنانكم؛ فأنا متعبة   أحببت الرواية، ولعلّ أكثر ما لامس قلبي فيها هي قصّة حبٍّ جانبيةٍ، لطيفةٍ وعاديةٍ، بمشاهد قليلة، وحواراتٍ بسيطةٍ وعفوية، ألا وهي قصّة سعيد وسلمى. لا عجب، أليس لكلّ قارئٍ عشقَه الخاص؟!     بقلم: سحر خواتمي

فصول خاصّة

تاجٌ من نور

أُسَـيد  |  أكتوبر 2000 كان قلبي يرتجف فرحاً، أنهي السورة، فأسمع تكبير من حولي، ثمَّ أستأنف، هكذا إلى أن أنهيت تلاوة سورة الناس، وبعدما كبَّر الجميع، أخذتُ نفساً طويلاً، أغمضتُ عينيّ، وبمقام “الكرد” الذي يفضّله شيخي وأستاذي طارق استفتحتُ ختمةً جديدةً، نظرت نحوه نظرةً خاطفةَ فوجدَّته متأثِّراً بشدَّةٍ، ابتسمتُ وأومأتُ إليه بحبٍّ ورحت أتلو سورة الفاتحة ببطءٍ ورويَّةٍ، وبعدما أمَّن الجميع، تلوت خمس آياتٍ من مطلع سورة البقرة، ومن ثمَّ أخفضت رأسي استعداداً لدعاء ختم القرآن الكريم. لطالما حلمت بهذه اللحظة، منذ أن بدأت بحفظ القرآن وأنا أحاول أن أسرع في الإنجاز وأنافس أصدقائي في الحلقة، لكن لم يقبل والدي بذلك، واتَّفق مع الأستاذ طارق على جدولٍ خاصٍّ لي يكون فيه الحفظ مرتبطاً مع التفسير، وعلى إثر ذلك؛ سبقني أغلب أصدقائي بختم القرآن الكريم. تعلَّمت التجويد بشكلٍ سماعي وتلقيني في المسجد منذ أن كنت في الخامسة من عمري، وحفظت الأجزاء الخمسة الأخيرة على مدى ثلاث سنوات، وحين أصبحت في الثامنة من عمري بدأتُ بحفظ سورة البقرة، أحفظ السورة، وأدرس تفسيرها، وما إن أفرغ من تلاوتها وعرضها على أستاذي حتَّى يمتحنني بتفسيرها، فأنتقل إلى السورة التالية، هكذا إلى أن تأتي العطلة الصيفية فأستذكر وأراجع كلَّ ما حفظته. مرَّت السنوات وتوالت تباعاً، وأتى اليوم الذي انتظرته طويلاً. عندما عدتُ من المدرسة، تناولت طعام الغداء وبعدما أنهيت واجباتي المدرسيَّة وارتحت قليلاً، انطلقت أنا ووالدي وأخي الكبير حذيفة إلى المسجد لأداء صلاة المغرب. يبعد مسجد أبي بكر عن منزلنا بضعة أمتار، سلكتُ طريقه مئات المرّات، ذهاباً وإياباً، صباحاً ومساءً، لكن اليوم كنت أمشي وأنا أستشعر خطواتي خطوة خطوة، سألني حذيفة وهو يراقبني: هل أنتَ متوتر؟ أجبته بثقةٍ: لا إطلاقاً! ابتسم ووضع يده على كتفي وراح يدعو لي ويتمنَّى لي التوفيق في ختم القرآن الكريم، وحين وصلنا إلى المسجد؛ أخذنا مكاننا بين الصفوف لأداء صلاة المغرب، وبعد الصلاة، جلسنا في ركن المسجد، فالتفَّ أصدقائي في حلقة حفظ القرآن حول الأستاذ طارق، وانضمّ إليهم والدي وحذيفة، بينما بقيت أنا في الطرف المقابل لهم. ألقى الأستاذ طارق السلام عليّ وسألني: هل أنتَ مستعدٌّ يا أُسَيد؟ أجبته والابتسامة تعلو شفتيّ: إن شاء الله. حرَّك يمينه نحوي قائلاً: توكَّلنا على الله، هيّا يا أُسَيد رتِّل بسم الله. كنتُ سعيداً ومتحمِّساً للغاية، وبسلاسةٍ رحتُ أتلو الآيات تباعاً بابتسامةٍ لم أستطع إخفاءها. كيف سأخفيها وقلبي يكاد أن يطير؟ لم يكن الطريق للوصول إلى هنا سهلاً، فالأستاذ طارق لا يتهاون البتَّة، خطأ واحد في التشكيل كفيلٌ بإلغاء التسميع كاملاً، وإعادته في موعدٍ جديدٍ. كنت أرتِّل الآيات، وأنا أسترجع ذكرياتي مع ملاحظاته وتعليقاته حول مخارج الحروف وصفاتها، والمدود وتوازنها، والأحكام التجويدية ودقّتها. …. لا تُشرك الخيشوم في غير موضعه يا أُسَيد! انتبه! لا تهمس حرف التاء وهو متحرِّك. رحمك الله! حتَّى لو كنت مصاباً بالزكام، حاول ألا تشرك الخيشوم يا بني! سمعتُ ثلاث راءاتٍ يا أُسَيد! انتبه للراء المشدَّدة، حين تأتي مكسورةً! قف عند كلمة “الأرض” بثقةٍ، ولا تتهرَّب من “استطالة” الضاد يا أُسَيد! أُسَيد! صوتك ليس صافياً اليوم، هل عدنا لإشراك الخيشوم مع المدود؟!   ذكرياتٌ كثيرة لا يمكن نسيانها لثلاثين جزءاً تلوتهم على مسامعه، سورةً بسورة، وكلمةً بكلمة، وحكماً بحكم، وضاداً بضاد! نِعم المعلّم بابتسامته اللطيفة، وخلقه الحسن، لم يسأم ولم يمل من التنبيه والتصويب بإحسانٍ وصبرٍ، وعلى مدى عشر سنوات، لم ينهرني يوماً، أو يشعرني بالإحباط من أخطائي، فهو يعلم أنِّي أبذل جهداً كبيراً وأحاول بكلِّ ما أوتيت من عزيمةٍ وهمَّةٍ. همست في سرِّي: بسم الله… ثمَّ رفعت يديّ وكذلك فعل الجميع، وشرعت بالدعاء… الحمد لله رب العالمين.. الحمد لله الذي أنزل الكتاب هدىً للمتقين، وخلقنا من نفسٍ واحدةٍ، وخلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنّور.. بسم الله خير الأسماء، بسم الله الذي لا يخفى عليه شيءٌ في الأرض ولا في السماء، اللهمّ إنِّي أسالك بأنَّ لك الحمد لا إله إلّا أنتَ وحدك لا شريك لك، يا بديع السموات والأرض يا ذا الجلال والإكرام.. اللهمَّ ارحمنا بالقرآن، واجعله لنا إماماً ونوراً وهدىً ورحمةً، ذكّرنا منه ما نسينا، وعلِّمنا منه ما جهلنا وارزقنا تلاوته آناء الليل وأطراف النّهار، واجعله لنا حجَّةً يا ربّ العالمين، نوِّر قلوبنا بالقرآن، وزيِّن أخلاقنا بالقرآن، ونجِّنا من النار بالقرآن، وأدخلنا الجنة بالقرآن، واجعله لنا في الدنيا صاحباً، وفي القبر مؤنساً، ويوم القيامة شفيعاً. اللهمّ أكرم والديّ، وأكرم كلَّ من علَّمني كتابك الكريم، واجعل لهم بكلِّ حرفٍ من القرآن أجراً عظيماً، واجزهم عنِّي خير الجزاء والإحسان، وارفع مقامهم في الدنيا والآخرة برحمتك يا أرحم الراحمين. ربِّ أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت عليّ وعلى والديّ وأن أعمل صالحاً ترضاه وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين. ربِّ زدني علماً، وهب لي حكماً وألحقني بالصالحين، واجعل لي لسان صدقٍ في الآخرين واجعلني من ورثة جنَّة النعيم. قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا، هو خيرٌ مما يجمعون. وصلى الله وسلّم وبارك على سيدنا ونبيّنا محمّدٍ وعلى آله وأصحابه الأخيار وسلَّم تسليماً كثيراً، والحمد لله ربِّ العالمين. تنهَّدت ومن ثمَّ رفعت رأسي فوجدت الأستاذ طارق مقبلاً نحوي ودموعه على وجنتيه، ضمَّني إليه وهو يقول: بارك الله بك يا أُسَيد، وجعلك شعلةً من العلم والإيمان. ثمّ وضع يديه على كتفي، هزَّني بقوةٍ ممزوجةٍ بالثقة والتفاؤل وأردف: وقوياً كالأسد، في كلِّ شأنك. في تلك اللحظة فقط لم أتمالك نفسي، شعرتُ برغبةٍ في البكاء، غرزتُ وجهي في ساعدي وأنا أذرف الدموع، فربَّت والدي على ظهري، وأقبل حذيفة وابن عمِّي منير وبقية أصدقائي ليباركوا لي. قبَّلت يد والدي الذي كان فخوراً ومبتهجاً، فكرَّر دعواته لي، ثمَّ قال: والدتك وأختاك في ساحة المسجد ينتظرنك بفارغ الصبر، لا تتأخَّر عليهن. حقَّاً؟ بالطبع! استأذنتُ الجميع، وهممت بالخروج من قسم الرجال، فناداني الأستاذ طارق: أُسَيد، ستؤمّنا في صلاة العشاء، كُن مستعدَّاً. فاجأني باقتراحه، الذي غمر فؤادي سعادةً، أومأتُ له بالإيجاب وانطلقتُ إلى ساحة المسجد، وحين لمحتني والدتي لوَّحت لي، فجريت نحوها كما لو أنِّي أطير، فاحتضنتني وهي تدعو لي بأجمل الدعاء، بينما كانت أختاي تمدحانني بأرقِّ وأعذب الكلمات، ثمَّ ألبستني أختي أميرة عباءة “حافظ القرآن”، ووشاحاً مطرزاً عليه اسمي بإتقان. وبينما كنتُ أصف لهنّ مشاعري، أذّن المؤذّن لصلاة العِشاء، فسألتُ والدتي: هل ستصلّين العشاء في المسجد؟ أجابتني: نعم، إن شاء الله. تحمَّست كثيراً، وقلت لهنّ: جميل جدَّاً، إذن نلتقي بعد الصلاة في المنزل. وانطلقت عائداً إلى قسم الرجال دون إخبارهنّ أنِّي من أَؤُم المصلين، جددت وضوئي وعدَّلت مظهري، وحين أُقيمت الصلاة، قدَّمني الإمام مكانه، وعدَّل ارتفاع مكبِّر الصَّوت ليناسب طولي، ومن ثمَّ قال: هيَّا أيُّها الحافظ، أسمعنا تلاوتك الليلة، بارك الله بك. كبَّرتُ فكبَّر الجميع، وبدأت بالصلاة بهدوءٍ وتأنٍّ، اخترتُ سورة الحشر لتلاوتها بعد الفاتحة، وفي العادة قد تصدر أصوات

Scroll to Top