اسم الكاتب: سحر خواتمي

Ulter
مقالات عامّة

البدائل الآمنة والهادفة في المجال القصصيّ والروائيّ

جميلةٌ هي القصَّة، قريبةٌ من الوجدان، ومحبَّبةُ إلى النَّفس، وحين تُعرَض شخصياتها بإحكامٍ وإتقان، وتُدرس أفكارها بحكمةٍ ودقّة؛ تؤتي ثمارها بيسرٍ وسهولةٍ.   لا شكَّ أنَّ لكلِّ كاتبٍ رؤيته الخاصَّة، ولكلِّ عملٍ فنّيٍّ رسالة وهدف، منها النبيل ومنها عكس ذلك، فثمَّة من يستميت لزراعة الشوك والحنظل والصبَّار، ويبثُّ السمَّ في العسل، فيكرِّس وقته، وجهده، وفكره، وإبداعه في سبيل ذلك.   دعونا ندرج الروايات والقصص بأشكالها -سواء كانت مقروءة، أو مرئية، أو مسموعة- تحت بند الفنّ الترفيهي، وهو أمرٌ لستَ ملزماً بممارسته، لكنَّك تلجأ إليه لتروِّح به عن نفسك، وتطَّلع على عوالم مختلفة، فتوسِّع أفقك.   على أيامنا –نحن جيل الثمانينيات والتسعينيات- كانت تلك الأعمال أمراً ثانوياً ومحدوداً. فالمقروء منها، هو ما وُجِدَ في مكتبة البيت، أو ما استطعنا استعارته من مكتبات أصدقائنا وأقربائنا، أمَّا المسموع والمرئي؛ فهو ما يصدر عن الإذاعة والتلفاز، من مسلسلات وأفلام، وهي محدودة بطبيعة الحال، وتُعرَض بحضور أفراد العائلة كافَّة.   اختلف الأمر كثيراً هذه الأيام، وبات مثيراً للقلق! فلكلِّ فردٍ من أفراد العائلة جهازه الخاصّ، يقرأ ويسمع ويشاهد ما يشاء، ومتى يشاء.   وفي ظلِّ هذه التطورات الحاصلة وإمكانية استعراض “كلّ” المنتجات عبر شبكة الانترنت، بتنا بحاجةٍ ماسَّةٍ إلى أن نولي فئة “اليافعين” اهتماماً كبيراً وعنايةً واسعة وحمايةً شاملةً.   ومن الجدير بالملاحظة أنَّ “اليافعين” هذه الأيام ينقسمون إلى شريحتين أساسيتين: إمَّا قارئ نهم، أو يافعٌ غير مهتمٍّ بالقراءة وبالكاد يقرأ كتبه المدرسيَّة، أمَّا الشريحة المتوسِّطة بينهما، فلم تعد هي الأغلبية كما في العادة. ونتيجةً لذلك، نجد أنَّ القارئ اليافع، لن يكتفيَ بقراءة الأدب المخصص لليافعين فقط، إذ لديه نهمٌ شديدٌ للقراءة، ممَّا يجعله يتقدَّم خطوةً إلى الأمام ويبدأ بمطالعة الأعمال الأكثر تعقيداً والمقدَّمة للراشدين بطبيعة الحال.   وفي هذا السياق، يتعيَّن على من يكتب ويؤلِّف منتجاتٍ أدبيَّة للـ”الراشدين”، أن يأخذ بعين الاعتبار أنَّ عمله قد يصل إلى أيدي اليافعين، وحتَّى لو لم يلم اليافع بكلِّ الأفكار والمعاني، ولم يصل إلى العمق الكامل وراء رسالة العمل، إلا أنّه ومن المهم ضمان أنَّ المنتج القصصي أو الفنّي لن يسبب أيَّ أذىً غير محسوبٍ من خلال ترويج الأفكار العقائدية المنحرفة، والتطبيع مع الانحرافات بكلّ أطيافها، وإشاعة القسوة والعنف والمشاهد الخادشة للحياء.   ويكمن السؤال الأهمّ: “هل نحن ملزمون بتوفير البدائل؟ ولماذا؟”   يطرح الكاتب سامي فسيح في مقالته: “البديل الشرعي وضعف الانقياد..” سؤالاً مهمَّاً ومحوريَّاً: “هل يلزم الشرع الإتيان بالبدائل في أمور الترفيه؟” ويسرد بعدها جواباً منطقياً وواضحاً يغطِّي محاور عديدة: “قد تتدخل الشريعة ببديل مباح في أمور الترفيه إذا كان فيها ما يُستَنكر، إلا أنه لا يلزمها الإتيان دائما بالبدائل المسموح بها شرعاً لكون باب الترفيه من الأبواب الواسعة والمتجددة في الزمان والمكان، فهو مجال واسع للإبداع البشري لم يقيده الشرع إذا كان في إطار المباح…”، “إن الترفيه إذن من أمور الدنيا المباحة ما دامت تحترم الضوابط الشرعية، والشرع لا يقيدها إلا إذا بدا له فيها قفز إلى جهة الممنوع شرعاً، وقد قال رسول الله ﷺ في قصَّة تأبير النخل أنتم أعلم بأمور دنياكم، وما أحلى الترفيه إذا كان يخدم قضايا الأمة الإسلامية، وينطلق من ثوابتها وأصولها باعتبارها ركائز يبنى عليها الترفيه.” [1]   أوافقه الرأي، فنحن لا نتحدَّث هنا عن بديلٍ لسدِّ الجانب الترفيهي فقط، إنَّما بغرض الاستفادة من تلك الأداة، لإعادة التطبيع مع الأفكار والمبادئ والقواعد السليمة، ووسيلة لعرض واقعٍ حيِّ وعمليٍّ للقيم والمفاهيم النظرية التي نسعى إلى نشرها.   فنحن –على سبيل المثال- بحاجةٍ إلى إحياء صور أكثر نُبلاً وانضباطاً واحتراماً للعلاقة بين الرجل والمرأة، بهدفها، وشكلها، ومضمونها، وحدودها، إذ إنّ التشويه الحاصل في السنوات الأخيرة وصل إلى مرحلةٍ غير مقبولةٍ بتاتاً، ونتيجةً لذلك، علينا أن نهدم أولاً ما تمّ تطبيعه في أذهان الجيل الجديد ومن ثمَّ نعيد بناء صورة معتدلة وطبيعية، لعلَّنا نساعدهم على إيجاد إجابات لأسئلةٍ كـ: لماذا نتزوج؟ لماذا علينا أن نكوِّن أسرة؟ هل المرأة مسؤولة عن خدمة الرجل؟ هل يحقُّ للرجل أن يدير شؤون الأسرة؟ هل؟ هل؟ هل…. تلك الأسئلة التي غدت كمعضلاتٍ غير قابلة للحلِّ نتيجة التشويش والتشويه المتعمَّد من قبل الحركات النسوية، و”شريعة” التنمية البشرية التي تؤكِّد مبدأ الفردانية، وعدم ضرورة الإصلاح الذاتي، وتؤصِّله بشعاراتٍ ما أُريد بها إلا الباطل: لا تخض أي تجربة قد تزعجك! لا تجبر نفسك على التغيير للأفضل! كن كما أنتَ بمساوئك ولا تستمع للآخرين!   البدائل المتاحة   إذا بحثنا في الأعمال المطروحة على أنَّها بدائل سنجد أنَّ أغلبها يتمركز حول المحورين التاليين: التاريخي أو الديني، وبالتأكيد فإنَّ ثمة إشكالية كبيرة في الاقتصار على هذين المحوريين فقط! فالأعمال التاريخيَّة، الحقيقة منها والخيالية، هي أعمال جيِّدة وتحمل في طيَّاتها كثيراً من العبر والصور المُشرقة، لها فوائدها في توضيح المفاهيم والأصول الأساسيَّة بعيداً عن تعقيدات المجتمع الحديث، كما لا يمكن إنكار دورها في تعزيز الانتماء والفخر، لكن ورغم ذلك لا يمكن اعتبارها بديلاً متكاملاً، فهي تطرح المُشكلات بقالبٍ قديمٍ، حتَّى لو أُسقِطَت واستُمدَّت من الواقع الحالي، إذ تبقى أدوات الحلّ وثقافة الشخصيَّات، وأنماط تفكيرها، متناسبة مع حقبةٍ قديمةٍ، ومجدَّداً يجد القارئ نفسه بعيداً عن الشخصيات، وليس قريباً إليهم بما يكفي لاتِّخاذهم نموذجاً متكاملاً يعبِّر عنه أو يمثِّله. أمّا عن الأعمال الدينية، فالتصنيف بحدِّ ذاته غير مفهومٍ بالنسبة لي، إذ لا وجود له على أرض الواقع! كيف يكون العمل دينياً؟! قد تُقدَّم قصَّة قصيرة للأطفال الصغار تحكي عن فضل الأمانة، والصدق، والإيثار، والأخلاق الحميدة كافَّة، وتأخذ انطباعاً دينياً عامَّاً، فتظهر الأمُّ في القصَّة محجَّبةً طوال الوقت، وذات خُلقٍ وحكمةٍ، لغتها لطيفة للغاية ومفرداتها منتقاة بعناية، ونجدها تكرِّر: زوجي الصالح، ابني العزيز، وما إلى ذلك، لسانها يلهج بالذكر والدعاء، وابتسامتها لا تفارق شفتيها، أمَّا الأب، فما إن يصل إلى المنزل، حتَّى ينغمس ويعاون أهل البيت فيما هم فيه، بابتسامةٍ ورضا وصفاءٍ ونقاء… أجد أنَّ بناء شخصياتٍ كتلك في قصَّةٍ قصيرةٍ موجَّهةٍ للأطفال هو طرحٌ مقبولٌ نسبياً، لكن في الأعمال التي تستهدف الشريحة الأكبر سناً، يصبح الأمر شائكاً بعض الشيء، إذ لا يمكننا تقديم شخصية كاملة متكاملة، لا تخطئ، وإلا سنقع في فخ الشخصيّة المثالية، والتي سنتطرَّق إليها لاحقاً. ومع هذا وذاك، ورغم أنَّ الساحة الأدبية والفنيّة لا تخلو من الأعمال البديلة ضمن التصنيفات الاجتماعية والعاطفية والدراما، إلا إنَّ نسبتها ضئيلة مقارنةً مع الحاجة الكبيرة والملحّة.   نقاط الضعف والأخطاء المتكرِّرة في البدائل المتاحة في التصنيفات الاجتماعية   دعونا في البداية نتفق على الأمور التالية، وهي أنَّ القارئ: ذكيُّ للغاية. يملُّ من الرسائل المباشرة. يقرأ الرواية بدافع الاستمتاع في المقام الأول، ومن ثمَّ تلقي الحكم والعبر، وفي كلِّ الأحوال هو لا يقرأ الرواية بهدف نهل العلم والمعرفة. لديه خبرة جيدة في تحليل الشخصيات والحبكات والأحداث. يكشف

مراجعات أدبية

مراجعة رواية “وَعَلاماتٍ” للكاتبة مزنة كمال

العلاماتُ رسائل تأتينا بتوقيتٍ لا نتوقعه. قد نقرأ جملةً في دفترٍ لا نعرف صاحبه، أو نسمع نصيحةً لم تكن موجّهةً إلينا بالأساس، أو نتعثّر بشخصٍ غنيٍّ بنفعه لم نلقِ له بالاً! بسلاسةٍ وبلغةٍ جميلة تقدّم لنا الكاتبة الشخصيّة الأساسية في الرواية وهي الفتاة “مريم” ذات الأربعة عشر عاماً، فتبني لنا تصوّراً واضحاً لعائلتها ومدرستها ومحيطها، لتنقلنا بعدها وبإسلوبٍ شائق إلى الغرفة التي كان يجمع فيها والد “مريم” بضاعته التي يبيعها في بسطته، هناك حيث ستبدأ المغامرة! إذ عثرت “مريم” على قطعةٍ معدنيةٍ لفتت انتباهها، وحين رآها والدها قدّر بأنّ هذه القطعة إنّما هي جزءٌ من آلةٍ قديمة، وقرر البحث مع “مريم” عن باقي الأجزاء المفقودة، ليجد القارئ نفسه مدفوعاً بفضولٍ للتفكير معهما، فيحاول قراءة النصوص المكتوبة بحروفٍ غير منقوطة، ويتأمّل الآية الكريمة بكلماتها ومدلولاتها القريبة والبعيدة، ويستنبط الحلول مع “مريم” ووالداها في رحلتيهما إلى جامعي الإشبيلي والزيتونة. لم تتمركز المشاهد في تلك الأماكن فحسب، بل أتت مشاهد المدرسة لتعرض تطور شخصية “مريم” وجوانبها الأساسية. فنرى معاناة “مريم” مع مشكلة التنمر وعجزها عن الدفاع عن نفسها أمام سخرية واستهزاء بعض الطالبات، ونسمعها وهي تتذمّر من الواجبات الصعبة التي تكلّفها بها معلمة الجغرافيا دوناً عن بقية الطالبات. تمرّ بعدها عدّة أسابيع، ومع كلّ تقدّمٍ تحرزه “مريم” في حلّ اللغز، كانت في المقابل تهتدي إلى سلامها وتتنبّه لصفاتٍ وسِماتٍ تتحلّى بها ولا تعرها انتباهاً. ففي لحظةٍ صفاء تدرك “مريم” السبب وراء تمييز المعلمة لها وتوكيلها بمهامٍ ضخمة، فتقرّ “مريم” بسعادةٍ قائلةً: “أنا أمتلك موهبةً في تحديد الاتجاهات”. كما تأتي مبادرة “مريم” لإصلاح بسطة والدها علامةً على تصالحها مع مهنته كبائعٍ متجوّل. وبعد سلسلةٍ من الأحداث، تنجح “مريم” ووالدها بتجميع القطع المتفرقة وتركيبها معاً، لتتعرّف بذلك على آلة “الأسطرلاب” وتتعلّم بعضاً من خصائصها وتطبيقاتها وآلية استخدامها. تأتي الخاتمة لتسرد فيها “مريم” مشاعرها مجدداً، لكن بحالٍ معاكسةٍ لما جاءت به مقدّمتها، رغم أنّ شيئاً لن يتغير في عائلتها أو شكلها أو محيطها! إلا أنّ طريقة تفكيرها وتحلليها للأمور أخذت منحىً أكثر عمقاً ونضجاً، منحىً جعل قلبها يمتلئ بالرضا والسلام عوضاً عن السخط والكدر. الرواية سلسة وممتعة ومناسبة لليافعين، ورغم أنّ أحداثها تدور في رحاب مدينة تونس العتيقة على مدار شهرين فقط، إلا أنّها تمتدّ تاريخيّاً لألف عامٍ بين حلب وتونس، وفلكيّاً إلى ما وراء الشمس والنجوم! ولعلّ من يقرؤها سيترقّب صدور الجزء التالي من السلسلة وهو يتساءل: يا تُرى أين ستقع الأحداث؟ وفي أيّ حقبة؟ من سيكون البطل؟ هل سيبحثُ عن آلةٍ جديدة؟ أم سينقّب عن فكرةٍ قيّمة؟ أو لربما سيقابل شخصيّةً جليلة؟ من يدري؟! وحتّى ذلك الحين، ها نحن ننتظر بشوقٍ، إذ إنّها البداية فحسب. سألتها: “لكن من أين أبدأ يا خالتي؟”، فأجابتني: “ابدئي حيث البدايات دائمًا، فالبدايةُ تقود إلى أختِها، إذا عرفت البداية عرفت ما يليها”.   بقلم: سحر خواتمي  

مراجعات أدبية

مراجعة رواية “نسيج” للكاتبة مزنة كمال

لا يُوجد خطأ أبدًا، ولا مصادفة، حين ترتمي في أمواج الأقدار الإلهية لن ترى إلا خيوطًا معقَّدة متشابكة، ستغضب وتشعر بالظلم. أما حين تنتهي اللوحة، فابتَعِد قليلًا وستجد أن هذه الأقدار صنعَت لك خصيصًا أجمل لوحة، وأن خيوطها غَزلَت لروحك أروع نسيج!   بأسلوبها المتفرّد ولغتها السلسة والساحرة، أبدعت الكاتبة والأكاديمية المتخصِّصة في الأدب العباسي ،مزنة كمال، في نسج أحداث وشخصيات رواية (نسيج). مزنة التي كان لي الشرف بمعرفتها منذ عدّة سنوات، والوحيدة التي استطاعت أن تنال إعجابي وتقديري بين عشرات المدققين بمهنيّتها الممزوجة بالتواضع واللطف والأمانة ومنهجيّتها المتميّزة في التدقيق اللغوي. ومع تفاصيل أراها لأوّل مرّة في رواية عن مدينتي، حلب، تُروى معظم أحداث الرواية على لسان (سما) الفتاة الحلبية، الذكيّة، المحتمّسة للحياة، والتي يشغل بالها الكثير من التساؤلات والأفكار وإشارات التعجب والاستفهام. ورغم أنّ (سما) من عائلة شديدة التحفّظ إلا أنّها لم تستسلم بسهولة، بل حاولت ومع كلّ القيود المفروضة عليها أن تطلق العنان لنفسها بالمتاح، تستجيب لحماستها تارة، فتقترب من المناطق المحظورة وتحوم حول الحمى، لكنّها حالما تتراجع بخوفٍ وتردد، وتعيد الكرّة مراراً بأحداث وتجارب وظروف مختلفة.   العقبات في الطريق كثيرة، واحدة تُزيحها لتُكمل، والأخرى تُبقيها لتصعد   ورغم أنّي لا أوافق (سما) في كثير من الأحيان إلا أنّي لست في موضعٍ لأحكم على مدى صحّة تصرفاتها. فكيف سأدرك -وأنا لم أعايش هذا النوع من “الاستبداد”- شعور فتاة مُنعت من إتمام دراستها فقط لأنّها أنثى، أو أفهم منطق الحكم الصارم حول كلّ مشوار أو خروج لها من المنزل! تساءلت وأنا أمضي مع أحداث الرواية، لِم يسلبون الثقة والحرية من الفتاة بتلك الطريقة! فلقد استفزني كلّ استجداءٍ من (سما) لأبيها كي تخرج من المنزل، وكلّ حيلة كانت تقوم بها لتقابل (جدو نور) بهدف استعارة بعض الكتب والروايات من مكتبته. لقد كانت تلك الدقائق القليلة (وأحيانا الساعات) التي تقضيها وهي تناقش ما قرأته مع (الدكتور نور) من أجمل اللحظات التي كانت تسرقها من الحياة لتعود بعدها إلى روتينها اليوميّ المليء بالتخبّط بين شخصيات تعرفها ولا تعرفها عبر الفيسبوك، فتراها هشّة، تؤثر بها رسالة من هذا أو تعليق مبطّن من ذاك، أو حتّى إشعار إعجاب! وعلى عكس حقيقتها فقد كانت (سما) تحاول أن تظهر بمظهر القوة والسيطرة، تحاول التمرد، لكن ضمن دوائر صغيرة ومضمونة، فتتمرد على آنسة الدرس، التي استحقت بالمناسبة كلّ كلمة قيلت لها بل وأكثر! فقد كانت لسما طريقتها الخاصّة في البحث عن الله وفهمها للصلاة والالتزام في مجتمعٍ يحكم على المظاهر بشدّة ولا يغفر البتة.   انتهى رمضان، لكن ربَّ رمضان هنا لا يرحل. انتهى رمضان، والآن فقط ابتدأ العمل   تضحكنا (سما) في بعض المواقف، وبالذات حين تصف الأعراس الحلبية، والنسوة غريبات الأطوار اللواتي لا يرضيهنّ شيئاً، صلاة التراويح وتفاصيلها، ناهيك عن شغل الكبّة، والتعزيل والكثير من الأمور التي تعايشها كلّ صبية حلبيّة ولعلّ من ضمنها الخطبة والعرسان. فهي كأغلب الفتيات شغل بالها موضوع الارتباط واختيار شريك الحياة، ومع ثلاثة نماذج من الخاطبين وطالبي القرب، بدءاً بابن عمّتها سامر، مروراً برائد، وانتهاءً بشادي، نرى أنّ (سما) لم تكن ملمّةً بأولويّاتها على الدوام، ماذا تريد ولماذا! وهذا منطقيّ لشخصيّةٍ لم تخالط المجتمع بشكلٍ مهنيّ. لكن في نهاية المطاف، استطاع شادي أن يحظى بقلبها ويظفر بقبولها، لتتحدى كلّ الصعاب وتجتمع به فيكون لها سنداً وداعماً يساعدها على تحقيق أحلامها وطموحها ويشاركها شغفها في الحياة. في المقابل، تحزننا (سما) حين تصف مشاهد الحرب، والخراب، وضيق العيش في حلب خصوصا وفي سورية عموما. ورغم ذلك ظهر الجمال بين ثنايا الرواية عنوةً حين مرّت الأحداث على أماكن محببة إلى قلوبنا في حلب، فتارة تأخذنا إلى ساحة سعد الله الجابري، وتارة إلى القيصر وشهبا روز والكثير من الحدائق والشوارع والجوامع والمحال والأزقة القديمة والعبّارات.   أيتها السماء اسمعيني، أيتها الأشجار والجبال والعصافير ارفقي بحالي وواسيني. يا قلعة حلب، يا جامعها الأموي، يا شوارعها المرصوفة، وأسواقها المسقوفة، ارفقوا بحالي، احملوا جزءًا من آلامي، خذوني إليكم، ضُمُّوني بحنانكم؛ فأنا متعبة   أحببت الرواية، ولعلّ أكثر ما لامس قلبي فيها هي قصّة حبٍّ جانبيةٍ، لطيفةٍ وعاديةٍ، بمشاهد قليلة، وحواراتٍ بسيطةٍ وعفوية، ألا وهي قصّة سعيد وسلمى. لا عجب، أليس لكلّ قارئٍ عشقَه الخاص؟!     بقلم: سحر خواتمي

فصول خاصّة

تاجٌ من نور

أُسَـيد  |  أكتوبر 2000 كان قلبي يرتجف فرحاً، أنهي السورة، فأسمع تكبير من حولي، ثمَّ أستأنف، هكذا إلى أن أنهيت تلاوة سورة الناس، وبعدما كبَّر الجميع، أخذتُ نفساً طويلاً، أغمضتُ عينيّ، وبمقام “الكرد” الذي يفضّله شيخي وأستاذي طارق استفتحتُ ختمةً جديدةً، نظرت نحوه نظرةً خاطفةَ فوجدَّته متأثِّراً بشدَّةٍ، ابتسمتُ وأومأتُ إليه بحبٍّ ورحت أتلو سورة الفاتحة ببطءٍ ورويَّةٍ، وبعدما أمَّن الجميع، تلوت خمس آياتٍ من مطلع سورة البقرة، ومن ثمَّ أخفضت رأسي استعداداً لدعاء ختم القرآن الكريم. لطالما حلمت بهذه اللحظة، منذ أن بدأت بحفظ القرآن وأنا أحاول أن أسرع في الإنجاز وأنافس أصدقائي في الحلقة، لكن لم يقبل والدي بذلك، واتَّفق مع الأستاذ طارق على جدولٍ خاصٍّ لي يكون فيه الحفظ مرتبطاً مع التفسير، وعلى إثر ذلك؛ سبقني أغلب أصدقائي بختم القرآن الكريم. تعلَّمت التجويد بشكلٍ سماعي وتلقيني في المسجد منذ أن كنت في الخامسة من عمري، وحفظت الأجزاء الخمسة الأخيرة على مدى ثلاث سنوات، وحين أصبحت في الثامنة من عمري بدأتُ بحفظ سورة البقرة، أحفظ السورة، وأدرس تفسيرها، وما إن أفرغ من تلاوتها وعرضها على أستاذي حتَّى يمتحنني بتفسيرها، فأنتقل إلى السورة التالية، هكذا إلى أن تأتي العطلة الصيفية فأستذكر وأراجع كلَّ ما حفظته. مرَّت السنوات وتوالت تباعاً، وأتى اليوم الذي انتظرته طويلاً. عندما عدتُ من المدرسة، تناولت طعام الغداء وبعدما أنهيت واجباتي المدرسيَّة وارتحت قليلاً، انطلقت أنا ووالدي وأخي الكبير حذيفة إلى المسجد لأداء صلاة المغرب. يبعد مسجد أبي بكر عن منزلنا بضعة أمتار، سلكتُ طريقه مئات المرّات، ذهاباً وإياباً، صباحاً ومساءً، لكن اليوم كنت أمشي وأنا أستشعر خطواتي خطوة خطوة، سألني حذيفة وهو يراقبني: هل أنتَ متوتر؟ أجبته بثقةٍ: لا إطلاقاً! ابتسم ووضع يده على كتفي وراح يدعو لي ويتمنَّى لي التوفيق في ختم القرآن الكريم، وحين وصلنا إلى المسجد؛ أخذنا مكاننا بين الصفوف لأداء صلاة المغرب، وبعد الصلاة، جلسنا في ركن المسجد، فالتفَّ أصدقائي في حلقة حفظ القرآن حول الأستاذ طارق، وانضمّ إليهم والدي وحذيفة، بينما بقيت أنا في الطرف المقابل لهم. ألقى الأستاذ طارق السلام عليّ وسألني: هل أنتَ مستعدٌّ يا أُسَيد؟ أجبته والابتسامة تعلو شفتيّ: إن شاء الله. حرَّك يمينه نحوي قائلاً: توكَّلنا على الله، هيّا يا أُسَيد رتِّل بسم الله. كنتُ سعيداً ومتحمِّساً للغاية، وبسلاسةٍ رحتُ أتلو الآيات تباعاً بابتسامةٍ لم أستطع إخفاءها. كيف سأخفيها وقلبي يكاد أن يطير؟ لم يكن الطريق للوصول إلى هنا سهلاً، فالأستاذ طارق لا يتهاون البتَّة، خطأ واحد في التشكيل كفيلٌ بإلغاء التسميع كاملاً، وإعادته في موعدٍ جديدٍ. كنت أرتِّل الآيات، وأنا أسترجع ذكرياتي مع ملاحظاته وتعليقاته حول مخارج الحروف وصفاتها، والمدود وتوازنها، والأحكام التجويدية ودقّتها. …. لا تُشرك الخيشوم في غير موضعه يا أُسَيد! انتبه! لا تهمس حرف التاء وهو متحرِّك. رحمك الله! حتَّى لو كنت مصاباً بالزكام، حاول ألا تشرك الخيشوم يا بني! سمعتُ ثلاث راءاتٍ يا أُسَيد! انتبه للراء المشدَّدة، حين تأتي مكسورةً! قف عند كلمة “الأرض” بثقةٍ، ولا تتهرَّب من “استطالة” الضاد يا أُسَيد! أُسَيد! صوتك ليس صافياً اليوم، هل عدنا لإشراك الخيشوم مع المدود؟!   ذكرياتٌ كثيرة لا يمكن نسيانها لثلاثين جزءاً تلوتهم على مسامعه، سورةً بسورة، وكلمةً بكلمة، وحكماً بحكم، وضاداً بضاد! نِعم المعلّم بابتسامته اللطيفة، وخلقه الحسن، لم يسأم ولم يمل من التنبيه والتصويب بإحسانٍ وصبرٍ، وعلى مدى عشر سنوات، لم ينهرني يوماً، أو يشعرني بالإحباط من أخطائي، فهو يعلم أنِّي أبذل جهداً كبيراً وأحاول بكلِّ ما أوتيت من عزيمةٍ وهمَّةٍ. همست في سرِّي: بسم الله… ثمَّ رفعت يديّ وكذلك فعل الجميع، وشرعت بالدعاء… الحمد لله رب العالمين.. الحمد لله الذي أنزل الكتاب هدىً للمتقين، وخلقنا من نفسٍ واحدةٍ، وخلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنّور.. بسم الله خير الأسماء، بسم الله الذي لا يخفى عليه شيءٌ في الأرض ولا في السماء، اللهمّ إنِّي أسالك بأنَّ لك الحمد لا إله إلّا أنتَ وحدك لا شريك لك، يا بديع السموات والأرض يا ذا الجلال والإكرام.. اللهمَّ ارحمنا بالقرآن، واجعله لنا إماماً ونوراً وهدىً ورحمةً، ذكّرنا منه ما نسينا، وعلِّمنا منه ما جهلنا وارزقنا تلاوته آناء الليل وأطراف النّهار، واجعله لنا حجَّةً يا ربّ العالمين، نوِّر قلوبنا بالقرآن، وزيِّن أخلاقنا بالقرآن، ونجِّنا من النار بالقرآن، وأدخلنا الجنة بالقرآن، واجعله لنا في الدنيا صاحباً، وفي القبر مؤنساً، ويوم القيامة شفيعاً. اللهمّ أكرم والديّ، وأكرم كلَّ من علَّمني كتابك الكريم، واجعل لهم بكلِّ حرفٍ من القرآن أجراً عظيماً، واجزهم عنِّي خير الجزاء والإحسان، وارفع مقامهم في الدنيا والآخرة برحمتك يا أرحم الراحمين. ربِّ أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت عليّ وعلى والديّ وأن أعمل صالحاً ترضاه وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين. ربِّ زدني علماً، وهب لي حكماً وألحقني بالصالحين، واجعل لي لسان صدقٍ في الآخرين واجعلني من ورثة جنَّة النعيم. قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا، هو خيرٌ مما يجمعون. وصلى الله وسلّم وبارك على سيدنا ونبيّنا محمّدٍ وعلى آله وأصحابه الأخيار وسلَّم تسليماً كثيراً، والحمد لله ربِّ العالمين. تنهَّدت ومن ثمَّ رفعت رأسي فوجدت الأستاذ طارق مقبلاً نحوي ودموعه على وجنتيه، ضمَّني إليه وهو يقول: بارك الله بك يا أُسَيد، وجعلك شعلةً من العلم والإيمان. ثمّ وضع يديه على كتفي، هزَّني بقوةٍ ممزوجةٍ بالثقة والتفاؤل وأردف: وقوياً كالأسد، في كلِّ شأنك. في تلك اللحظة فقط لم أتمالك نفسي، شعرتُ برغبةٍ في البكاء، غرزتُ وجهي في ساعدي وأنا أذرف الدموع، فربَّت والدي على ظهري، وأقبل حذيفة وابن عمِّي منير وبقية أصدقائي ليباركوا لي. قبَّلت يد والدي الذي كان فخوراً ومبتهجاً، فكرَّر دعواته لي، ثمَّ قال: والدتك وأختاك في ساحة المسجد ينتظرنك بفارغ الصبر، لا تتأخَّر عليهن. حقَّاً؟ بالطبع! استأذنتُ الجميع، وهممت بالخروج من قسم الرجال، فناداني الأستاذ طارق: أُسَيد، ستؤمّنا في صلاة العشاء، كُن مستعدَّاً. فاجأني باقتراحه، الذي غمر فؤادي سعادةً، أومأتُ له بالإيجاب وانطلقتُ إلى ساحة المسجد، وحين لمحتني والدتي لوَّحت لي، فجريت نحوها كما لو أنِّي أطير، فاحتضنتني وهي تدعو لي بأجمل الدعاء، بينما كانت أختاي تمدحانني بأرقِّ وأعذب الكلمات، ثمَّ ألبستني أختي أميرة عباءة “حافظ القرآن”، ووشاحاً مطرزاً عليه اسمي بإتقان. وبينما كنتُ أصف لهنّ مشاعري، أذّن المؤذّن لصلاة العِشاء، فسألتُ والدتي: هل ستصلّين العشاء في المسجد؟ أجابتني: نعم، إن شاء الله. تحمَّست كثيراً، وقلت لهنّ: جميل جدَّاً، إذن نلتقي بعد الصلاة في المنزل. وانطلقت عائداً إلى قسم الرجال دون إخبارهنّ أنِّي من أَؤُم المصلين، جددت وضوئي وعدَّلت مظهري، وحين أُقيمت الصلاة، قدَّمني الإمام مكانه، وعدَّل ارتفاع مكبِّر الصَّوت ليناسب طولي، ومن ثمَّ قال: هيَّا أيُّها الحافظ، أسمعنا تلاوتك الليلة، بارك الله بك. كبَّرتُ فكبَّر الجميع، وبدأت بالصلاة بهدوءٍ وتأنٍّ، اخترتُ سورة الحشر لتلاوتها بعد الفاتحة، وفي العادة قد تصدر أصوات

فصول خاصّة

من سيعرفها مثلي؟

عمــر  |  نوفمبر 2012 أنهيت عملي وتوجَّهت مباشرة إلى بيت خالتي حسناء، وقبل أن أصل اتصلتُّ بها لأتأكَّد بشكلٍ غير مباشر من أنَّ سلام ليست في المنزل. كنت على مدار الأيام السابقة أنسِّق كلماتي قدر الإمكان وأبحث عن الطريقة الأنسب لشرح الموضوع. وقفت أمام المنزل، وتوكَّلت على الله، ثمَّ طرقت الباب.   أهلاً خالتي. أهلاً يا حبيبي، تفضَّل، أين زوجتك؟ هي زيارة سريعة، أودّ أن أطمئنَّ عليكم. أهلاً وسهلاً بك متى شئت، هل تشرب الشاي أم القهوة؟ شكراً، لقد شربت كثيراً من المنبِّهات اليوم. سأحضر لك بعض العصير. جلسنا معاً في غرفة المعيشة، وبعدما تبادلنا بعض الأحاديث الروتينيَّة، انتقلتُ إلى صلب الموضوع وقلت لها:   خالتي، سأكون صريحاً، هناك أمرٌ أودُّ مناقشته معك. صمتُّ قليلاً، ثمَّ أردفتُ:   الأمر متعلِّقٌ بسلام. نظرتْ خالتي نحوي بقلقٍ، وقالت:   عسى خيراً! لا تقلقي! خيرٌ إن شاء الله، لكن أودُّ أن أعرف وجهة نظرك حول بعض الأمور. تفضّل يا بنيّ. كما تعلمين، فإنَّ سلام قد رفضت كرم مرَّاتٍ عديدة. هل سبَّب لكَ هذا الرفض أي إحراج مع أهل زوجتك؟ لا إطلاقاً، هذه حياتها، ولا مشكلة في الرفض، وفي كلِّ الأحوال هي ما تزال صغيرة ولست داعماً لفكرة ارتباطها الآن. رغم أنِّي لا أوافقك الرأي، لكن أكمل ما عندك. حسناً.. بصراحة، فإنَّ صديقاً لي تحدَّث معي منذ فترة حول رغبته في طلب يد سلام. من هو؟ هل أعرفه؟ لا أعتقد أنَّك تعرفينه، اسمه آدم. ابتسمت خالتي، بل لعلَّها ضحكت بصوتٍ منخفضٍ وقالت:   أنا التي أعرفه، آدم الشابّ الأسمر والطويل، أليس كذلك؟ أجبتها مستغرباً:   نعم هو! فسألتني:   وما المشكلة؟ تنهَّدتُ ثمَّ أجبتها:   لا أشعر أنَّ سلام قادرة على اتِّخاذ قرارٍ صائب حول اختيار شريك حياتها. عمر، هلَّا أوضحت أكثر! صمتُّ ولاحظتْ خالتي ارتباكي، فالأمر محرج للغاية، كيف سأخبرها أنَّ سلام معجبة بآدم، وأنِّي لا أجده شخصاً مناسباً لها، وأخشى أنَّها قد توافق على الارتباط به بعجلةٍ واندفاعٍ وهي غير مدركة للعواقب! قاطعتْ خالتي تساؤلاتي تلك وهي تقول:   إذن، فصاحب أكبر صورةٍ في معرض سلام، قد أقبل بالفعل. ابتلعتُ ريقي بصعوبةٍ، وسألتها:   خالتي! ماذا تعرفين عن آدم؟ أجابتني ببساطةٍ:   أعرف أنَّه الشخص الوحيد الذي استطاع أن يلفت انتباه ابنتي المدلَّلة سلام، لا أعتقد أنَّها تحبّه، لكنَّها معجبة به بشدَّة، أليس كذلك؟ لماذا لم تسأليني عنه إذن؟ عمَّ سأسألك؟ ألم تشعري بالقلق حيال الأمر؟ ربتتْ خالتي على كتفي وهي تجيب:   عن أيِّ قلقٍ تتحدَّث؟! لقد كنتُ سعيدة باكتشاف ذلك. لا أخفيك أنَّها قد بالغت بحجم وتوضُّع صورة آدم في المعرض، لكن ومع ذلك، فقد كانت الصورة جميلة. قطّبت حاجبيّ كما لو أنِّي أحتاج إلى توضيحٍ أكثر، نظرتْ خالتي إليّ بحنانٍ ثمَّ قالت:   عمر! ما المشكلة بالضبط؟ اسألني بوضوح. حسناً، دعينا نبدأ من البداية. أيّ بداية تقصد بالضبط؟ المعرض؟ زيارة المدينة القديمة؟ الساعة الضائعة؟ أم حفل زفافك؟ أنتِ تعلمين التفاصيل، هل أخبرتك سلام بمدى إعجابها به؟! لا إطلاقاً، هي لم تخبرني إلى الآن بشكلٍ صريح. دعني أسألك، منذ أيام عادت سلام مرتبكةً من مكتبك، على ما يبدو أنَّك أخبرتها بنيَّة آدم في طلب يدها، هل هذا ما جعلها مضطربة؟ نعم هذا ما حدث. أخذت خالتي نفساً عميقاً، ثمَّ قالت:   هذا جيد. نظرت إليها باستغرابٍ مجدَّداً ولسان حالي يقول: “ما الجيد في الأمر؟” لم تجبني خالتي على الفور، جلبتْ كأساً وصبَّت لي بعض العصير، ومن ثمَّ جلست وراحت تتحدَّث برويَّة وهدوء:   اسمعني يا عمر، رغم أنَّ سلام لم ترتد المدرسة، وكان تعليمها منزليّاً، لكنّها كانت اجتماعيَّة، ولديها دائرة أصدقاء في كندا، حين أصبحت سلام في سنِّ يافعة، كنتُ قريبةً منها، وواضحةً وصريحةً، فهمتْ سلام في سنٍّ مبكرةٍ أنَّ الشُّبَّان المسلمين هم المرشَّحون فقط للإعجاب أو الحبِّ سمِّه ما شئت. كان لا بدّ من توضيح هذه الفكرة وتأكيدها مع كلّ فرصة متاحة، كنتُ أخشى عليها من كسرة القلب، وضياع الدين، فأنا لا أستطيع أن أراهن على حبٍّ يجعل شابّاً يسلم إسلاماً حقيقيّاً، ولذلك لا أجد ضرورة في أن تقحم سلام نفسها في تحدٍّ كهذا. وحين التحقت سلام بالجامعة، وكبرت دائرة معارفها، وزملائها وأصدقائها، كنتُ مترقبة على الدوام؛ من سيلفت نظرها؟ ومتى؟ وأين؟ من أي بلد؟ كيف ستكون أخلاقه؟ وتربيته؟ وبيئته؟ والتزامه؟ أنهت سلام دراستها ولم أشعر أنَّها قد وقعت في حبِّ أيٍّ ممن التقت بهم. عمر! ليس من السهل أن تضبط الفتاة مشاعرها وهي محاطة بأجواء مائعة للغاية، لا تنسَ أنّ صديقاتها ومنذ سن الخامسة عشر، صادقن الشبّان، وعِشنَ قصص حبٍّ. لا يمكن المقارنة بين فتاةٍ تعيش في مجتمعٍ محافظ وأخرى في مجتمعٍ متحرِّرٍ، فالأولى جلّ من حولها من الفتيات يخضن التجربة ذاتها، ويتحدَّثن حول مغامراتٍ متشابهة ومتقاربة؛ هل رأيتِ هذا الشاب الوسيم؟ يا إلهي كم أحبّ هذا المطرب! تقابلت اليوم مع ابن الجيران عند الدكّان، كم كان شهماً حين دفع عنِّي الحساب! وما إلى ذلك… أمَّا من تعيش في مجتمعٍ غربيّ متحرٍّر، فبإمكانك إطلاق العنان لمخيلتك عن مغامرات من حولها من الفتيات. هل فهمت لماذا لا أراها صغيرةً على الارتباط؟ يا عمر، تأخير الزواج هو أمرٌ دخيل على مجتمعاتنا، ومنحىً غير طبيعيٍّ للشبّان والشابّات، أوصلنا إليه تعقيد الحياة، وغلاء المعيشة، وتعسير الزواج، والتعامل مع اليافعين كما لو أنَّهم أطفال، وعدم تجهيز فئة الشباب لفكرة الاستقلالية والمسؤولية في سنٍّ مبكرة، في حين أنَّنا لسنا مضطرين لكلّ ذلك! بكل الأحوال، إنَّ ارتفاع متوسط سنّ الزواج أمرٌ جرى على الأغلبيّة، لذا فالفتاة وقريناتها لن يشعرن بالضغط في مجتمعنا كما لو كانت الفتاة في بلدٍ أجنبيّ ومتحرِّرٍ، هي وحدها من تعفُّ نفسها، وهي وحدها من تتقي الله. لم تمسك يوماً بيد شابّ، ولم تسمع كلام غزل، وببساطة لم تجرِّب أن تُحِب وتُحَب. هل تفهمني عمر؟ أومأت برأسي بالإيجاب، فأردفتْ خالتي كلامها:   طيلة تلك السنوات، لم يكن الأمر بهذه السهولة، أن أستشفَّ مشاعر سلام من كلماتها، وانفعالاتها، لكن مع الوقت أصبح لديّ خبرة جيدة، لذا وحين ظهر آدم، شعرتُ بإعجابها به عن طريق كلماتٍ مقتضبةٍ وتعليقاتٍ بسيطةٍ صدرتْ منها بعفويةٍ عن شابٍّ هو صديق عمر، ركبتْ معه في سيارته يوم الزفاف، وبَّخها لأنَّها كانت تلتقط الصور بتهوُّرٍ وكادت أن تؤذي نفسها! يجيد رقصة “الدبكة” بمهارةٍ وخفَّة لا مثيل لها، شابٌّ رافق عمر وتابع مباراة لكرة القدم في أحد مقاهي المدينة القديمة، وهو ذاته الذي أعاد إليها ساعتها الضائعة، كنتُ أنتظر الإشارة التالية لتتأكَّد شكوكي، وبالفعل لم يمضِ بعدها وقتٌ طويلٌ حتّى قرَّرت سلام إنشاء معرضها، واختارت لصورته أفضل ركنٍ في المعرض، لا بل وضعت شمساً على زاويتها. يا إلهي كم هي عفوية هذه الفتاة؟! نظرتْ خالتي نحوي، لتجدني محتاراً للغاية، فسألتني:

فصول خاصّة

طيفٌ بعيدٌ

آدم  |  سبتمبر 2024 انتهى دوامي، وبينما أنا في طريق العودة، اتَّصلتُ بسلام لأرى إن كانت بحاجةٍ إلى شيءٍ ما أجلبه معي، فأجابتني أنها تحتاج فقط إلى “وصولي حالاً”، فهي غاضبة من حِسان، لم أسهب كثيراً، وحين وصلت سألتها: ما الخطب؟ فأجابتني: الموضوع ذاته! حسناً دعيني أتصرَّف، سأتحدَّث إليه! توجَّهت إلى غرفته، فنقرت الباب قائلاً: أنا بابا، افتح لي! وبالفعل، فتح لي الباب، فدخلت لأجده حزيناً تخيِّم الكآبة عليه، قلت في نفسي: سبحان الله ها هو ذا المشهد يتكرَّر بحذافيره! مضى أكثر من عشرين عاماً، كنتُ حينها أكثر تمرُّداً وأشدّ عناداً من حِسان، لذا قرَّرت أن أترفَّق به، فأنا أشعر بما يشعر به، وأفهمه، وعليّ أن أحتويه اليوم كما تمنَّيت لو احتواني والداي في تلك الأيام. أقفلت باب الغرفة كي لا تقاطعنا جوري، وجلست على الأريكة الصغيرة في غرفة حِسان، وحين أقبل وجلس أمامي، سألته: أما تزال حزيناً؟ أنا لا أفهم سبب اعتراضكما؟ لماذا تقفان عائقاً في وجه أحلامي؟ لن يقف أحدٌ في وجه أحلامك! إذن سألتحق بالفريق الرسمي لأحترف كرة القدم. لكنَّنا لا ندعم هذه الفكرة إطلاقاً. أرأيت؟! ها أنت ذا تقف عائقاً في وجه أحلامي حِسان يا بنيّ! تعلَّم أن تسأل قبل أن تجادل، افهم وجهة نظر من يحاورك، ولا تلقِ الاتِّهامات جزافاً! على الأقل اسألني: “ما السبب؟” تنهَّد بغضبٍ، ثمَّ سأل بتململٍ: وما السبب؟ دعني أشرح لك الأمر برويَّةٍ. تفضَّل! إنَّ لقرار التحاقك بالفريق الرسميّ والاحتراف تبعات؛ أولها التفرُّغ للتدريب والتمارين، وأخشى أن يؤثِّر ذلك على مستواك وطموحك الدراسي، والأمر الآخر هو أنَّك قد تجعل من هذا المجال مهنتك في الحياة، وهذا ما لا نحبِّذه يا بني، لذا ما الفائدة التي ستجنيها إن التحقت بالفريق الرسمي؟ ستتعلَّق بكرة القدم أكثر وأكثر، وتهدر وقتاً وجهداً في التدريب، وبالتالي ستحصر أحلامك وطموحاتك بها! وما الضير في ذلك؟ أنا لا أفهمك يا أبي! ما المشكلة في أن أصبح لاعب كرة قدم؟ توجَّهتُ نحو الخزانة التي في غرفته، والتي نضع فيها بعض مجلَّدات الصور، وأخرجت أحدها، رحت أقلِّب فيه إلى أن وجدتها، جلست مجدَّداً إلى جوار حِسان وأشرت إلى الصورة وأنا أقول: أنت تعرف هذه الصورة، أليس كذلك؟ نعم، إنَّها لك، حين كنتَ في المدرسة. نعم، هذا صحيح. عندما كنت في عمرك، كان حلمي أن أحترف كرة القدم، وكما حدث معك، عرض علي مدربي أن أحترفها، لكنَّ جدَّتك رفضت الأمر برمَّته، وسألتها السؤال ذاته: “ما الضير في أن أصبح لاعب كرة قدم؟”، لم تشرح جدَّتك السبب لي، ولعلَّها شرحت باقتضاب، لكنِّي لم أفهم حينها دوافع رفضها، فحزنت كثيراً، وبقيت لسنواتٍ ألومها. هل رأيت؟ هل تودُّ تكرار التجربة ذاتها معي؟ بالطبع لا! أنا هنا لأشرح لك الأسباب التي أدركتها فيما بعد. لم يعجبه كلامي، فأشاح وجهه غاضباً، لكنِّي تابعت قائلاً: اسمعني حِسان، نختلف نحن البشر عن بعضنا البعض كما ترى، لكلٍّ منَّا قدرات ومهارات وكفاءات واهتمامات خاصَّة به. نخوض الحياة، فيتوسَّع أفقنا وتتعمَّق خبراتنا، نتعلَّم وندرس لنرفع مستوى كفاءتنا، نخالط الناس ونكتشف مجالاتٍ جديدة ومعارف وثقافاتٍ متنوعة، فنركِّز اهتماماتنا بما ينفعنا، وننمي مهاراتنا بالقدر الذي نحتاج إليه. وكما تعلَم، على الشخص في وقتٍ ما أن يختار عمله ومهنته، وهنا بالضبط وقبل الشروع في تحديد اختصاصنا المهني، علينا أن نطرح على أنفسنا ثلاثة أسئلة، أولها: ما مهاراتي؟ أين شغفي؟ ماذا أحب؟ ماذا أجيد؟… استدار نحوي وقاطعني مباشرةً وهو يقول: هذا السؤال بسيط وجوابي هو: “كرة القدم”. أعلم، لكن لنفرض أنَّ لدي مهارات أخرى، عليّ إذن أن أفكِّر، أيّ مجال من تلك المجالات أودّ أن أحترفه، وأجعله مهنتي، وأيّ المجالات سأتركها في حيز الهوايات. وفي هذه الحال، عليّ أن أكون صادقاً مع نفسي، ولا سيَّما إن كنتُ على يقين بأنَّ لديّ المقومات الكافية لخوض المجال الأكثر تحدِّياً، والدعم اللازم للاستمرارية فيه.. لم أفهمك. حِسان! أنت في الأساس لم تطَّلع على أنواع العلوم المتعدِّدة، ولا يمكنك أن تكتشف شغفك الحقيقي الآن ما لم تجرِّبها كلها، وتطلَّع على مجالات الحياة التي ستعرض عليك أثناء الدراسة، لذا سأنتقل إلى السؤال الثاني. نظرت إليه لأتأكَّد من أنَّه ما يزال يصغي إليّ، ثمَّ أردفت: لتكون واثقاً من قرارك، عليك أن تبحث وتسأل: هل مهتني وكسبي للمال من هذه المهنة حلال؟ انتفض وسألني: وما الحرام في كرة القدم؟ أنا لا أقصد كرة القدم، إنَّما أشرح لك الخطوات فقط. لنفترض أنِّي أعمل في مجال المحاسبة، هذا لا يعني أنَّ كلَّ الوظائف تناسبني، فعليَّ ألا أعمل في بنوك تتعامل بالرِّبا على سبيل المثال. لنفترض اخترت المجال الطبي، عليَّ ألا أخوض في أمورٍ فيها شبهات، فمثلاً أبتعد عن إجراء عمليات لا توافق أحكام الشريعة، وقِس على ذلك. مجدَّداً، ما الحرام في كرة القدم؟ إن كنتَ قد بحثتَ وسألتَ بالفعل ووجدت أنَّ كسب المال عن طريق لعب كرة القدم حلال! حينها ننتقل إلى السؤال الثالث: هل نتاج عملي سينفع الناس ويعود عليهم بالفائدة؟ نعم، إمتاع الناس وإبهاجهم لا يقلُّ أهمية عن أي عملٍ آخر. حسناً، هلَّا ذكرت لي فوائد أخرى؟ الرياضة جيدة للصحة. ماذا بعد؟ صمت، فنهضتُ ورحت أتجوَّل في الغرفة، ثمَّ سألته: حِسان، انظر حولك… هل ترى ما سخَّره الله لك؟ العقل، والصحة، والأسرة، والعلم، والقدرة المادية والجسدية والنفسية، والأرض، والسماء، والمطر، والغيوم، والبحر، والقمر، والشمس…. أكلّ هذا سخره الله لك، كي تلعب كرة القدم فقط؟ لم يجبني، صمتُ قليلاً، فتذكَّرت في تلك اللحظة الجملة التي قالها لي يمان يوماً: “آدم، ستقف يوم القيامة، وتُسأل عن عمرك فيما أفنيته، وعن مالك من أين اكتسبته، وعن جسمك فيما أبليته، قل لي: هل سيكون ردُّك: كرة القدم.. كرة القدم.. كرة القدم..؟ هل ستكون فخوراً بهذه الإجابات؟ أنتَ خليفة هنا في الأرض، ألا تفهم؟!” توجَّهت نحوه مجدَّداً، أخذتُ نفساً عميقاً ووضعت يديّ على كتفيه وقلتُ له برفقٍ: أنتَ خليفة هنا في الأرض، لذا يجب أن تستغلَّ قدراتك، وتقدِّم أفضل ما عندك في المكان الصحيح. ما سعر فلان؟ ومتى وأين ومَن اشتراه؟ كم عدد أهدافه؟ والبطولات التي فاز بها؟ كم عدد الميداليات التي حصل عليها؟ ومتى سيعتزل وماذا سيفعل بعد الاعتزال؟ من اشترى هذا النادي؟ وما الشركات الممولة والراعية؟ وأسئلة كثيرة لا حصر لها… هل ترضى بأن تحجِّم قدراتك العقلية على هذه الأمور فقط؟ هل سيقتصر تأثيرك في الحياة على إمتاع شريحة معينة من الناس؟ مهلاً مهلاً! أنتَ تظلم كرة القدم كثيراً، من قال إنَّها تقتصر على تلك الأمور؟! التخطيط والتكتيك، ودراسة وفهم تحركات الطرف الآخر، كلّها من المهارات الجيدة في الحياة. قاطعته وقلت له بحزمٍ: اكتسبها من كرة القدم حين تمارسها على أنَّها هواية، اكتسبها وطبِّقها، مَن منعك عنها؟ لطالما شعرت بالحزن على حاله، ذلك الشخص الذي إن سألته: “ما هوايتك؟” تلعثم ولم يجد إجابةً

مراجعات أدبية

مراجعة رواية هناك عند القمّة بقلم: مزنة كمال

  “أحكم إغلاق الباب وإلا فلن تستطيع المضي” نعم يا عزيزتيّ الكاتبتين، سحر وهبة، فالأبواب المواربة تحمل الكثير من الاحتمالات، ومن المتاعب أيضاً.   ربما علينا أن نحظى بصداقة راقية كالتي حظيت بها جمان وجود معاً لنتمكن من إغلاق الأبواب جيداً، فالألم مهما كبر في الماضي، إذا أحسنا التعامل معه، سيجنبنا الكثير من الندم في الحاضر. (ووجع ساعة ولا كل ساعة).   أهنئ في البداية الكاتبتين سحر وهبة على إطلاق مشروعهما الجميل الذي شهدت بنفسي بداياته قبل أعوام عديدة، وما عانتاه خلال كل تلك السنين من جهد وصبر ومثابرة للوصول إلى ما وصلتا إليه اليوم، مع فكرة مميزة هي الأولى، بحسب معرفتي، في طرح الكتب للقارئ وسهولة الوصول إليها. مبارك لكما.   رواية (هناك عند القمة)، رواية خفيفة لطيفة، تشعرك منذ البدء أنك أمام رسام دقيق يرسم لك تفاصيل الشخصيات بحذر ومهارة وتمهل، فتبدو لك الملامح شيئا فشيئا، تقرأ المزيد ولا تكتفي، تغوص في عمق الشخصية لتجد أنها ليست مجرد كلام على ورق، بل ذات عمق إنساني كبير. إنها رواية (شخصيات)، وما يعنيه ذلك من تتبع خيوط العلاقات الإنسانية فيها، وكلما قرأت أكثر، اكتشفت أنك صرت متورطاً و مهتماً أكثر، ومنغعلا بما تقدمه الرواية ببراعة من مشاعر الفرح، والأمل، والخيبة، والغضب، والألم. تمكنت الكاتبتان من بناء الرواية على قيمنا العربية الإسلامية، وقدمتا ذلك بطريقة ذكية خفيفة موظفة لخدمة الحدث. صحيح أن الرواية بأسلويها ولغتها وأفكارها تناسب اليافعين، لكنها يمكن أن تثير فضول الراشدين أيضا لمتابعة القراءة باستمتاع وابتهاج. اقرأها مهما كان عمرك، فستجد فيها ما يلامس روحك. في رأيي فإن المجموعة الروائية تسد ثغرة في المكتبة العربية للأدب الذي يركز على العلاقات الإنسانية والعاطفية بما تأسست عليه من الجمع بين الأخلاق الإنسانية، والأدب الرفيع. ولأن الرواية ذات حس واقعي، فإن القارئ لن يخرج منها بالنهايات الوردية السعيدة التي يظل يتوقع حدوثها، فتُرضي آماله، ولكنه سيعايش أثر الصدمة والخيبة حين يحدث ما لا يتوقعه، وهي الخيبة ذاتها الحقيقية التي يعيشها الإنسان في واقعه عندما لا يكون ما يريد، ولا يحدث مما يحلم به ويتمناه. ماذا أنت فاعل؟ أنت تريد وتحلم، والحياة لا تقدم لك ما تحلم، تتحداك، تحفزك، تحطمك، فماذا أنت فاعل؟ أبارك للكاتبتين العزيزتين مرة أخرى، وأدعو لهما بالتوفيق.     بقلم: مزنة كمال

مراجعات أدبية

إطلاق روايات فيء الغمام بقلم: د.فادي عمروش

لا أؤمن عادة بدور النشر فهي تأخذ الحقوق وتترك المؤلفين متحسرين على عدم وصول نتاجهم الذي تعبوا عليه سنوات دون أن يقرؤه أحد، ليس هذا فحسب وانما لا يصلهم الا الفتات من المبيعات في سوق لا يوجد فيه مبيعات أصلاً. لقد تابعت بشغف على مر السنين جهود الكاتبتين هبة وسحر في صياغة هذه الروايات، وكنت دائماً أجيب بأن أفضل دار نشر هي تلك التي تتيح الكتب للجمهور مجاناً، بدلاً من ترك المجال للقرصنة. فلماذا لا نمنح الجمهور فرصة قراءة الروايات مجاناً ونترك الحكم له؟ وللأمانة، استجابت الكاتبتان لهذا المقترح بكل تقدير، حيث تم إتاحة الروايات مجاناً عبر الموقع الرسمي للرواية، في التعليق الأول. تأخذنا روايات “فيء الغمام” في رحلة أدبية تمزج بين الأمل والألم، حيث تجسد تجارب حياتية واقعية تعكس الصراع بين السعي لتحقيق الأحلام ومواجهة التحديات. ما يميز هذه السلسلة هو قدرتها على تقديم سبع قصص متوازية تتداخل فيها حياة الشخصيات وتتشابك، ومع ذلك تحتفظ كل رواية بقصتها الخاصة، وكأنها جزء من فسيفساء تتكشف تدريجياً لتشكل صورة معقدة وغنية عن “الوطن”، الذي يعكس واقع العديد من البلدان العربية. الكاتبتان لا تكتفيان بسرد الأحداث، بل تغمران القارئ في عمق النفس البشرية، حيث يعيش مع الشخصيات كل لحظة، يشعر بآلامها، يشاركها آمالها، ويتعاطف مع نقاط ضعفها وقوتها. الشخوص هنا ليست مجرد شخصيات خيالية، بل هي نماذج حقيقية نلتقي بها يومياً، وربما نجد فيها انعكاسات من ذواتنا. هذا البعد الواقعي يعزز من تأثير الرواية، حيث يجد القارئ نفسه متورطاً عاطفياً وفكرياً في مصائر هؤلاء الأشخاص. يضيف إلى عمق وتميز روايات “فيء الغمام” بناؤها الدقيق والمدروس، حيث كتبت بأسلوب يتسم بالإتقان والشغف الحقيقي. الروايات ليست ناضجة فقط من حيث الأفكار، بل أيضاً من حيث بناء الشخصيات والحبكة. كل كلمة وجملة وضعت بعناية، مما يجعل القراءة تجربة غنية وممتعة. “فيء الغمام” ليست مجرد سلسلة روايات عابرة، بل هي دعوة للتأمل في حياتنا، أحلامنا، والتحديات التي تواجهنا. إنها تجربة تستحق القراءة والمشاركة. وإذا كنت تبحث عن روايات تجعلك تشعر وتفكر وتتفاعل مع أحداثها وكأنها جزء من حياتك، فإن “فيء الغمام” هي الخيار الأمثل. هذه الروايات ليست مجرد كتب للقراءة، بل هي تجارب حية تنتظرك لاكتشافها. بقلم: د. فادي عمروش

مراجعات أدبية

عن سلسلة فيء الغمام بقلم: نسمة ممدوح

بداخل كل منا جمانة عليه أن يكتشفها ويحفظها، وجميعنا بحاجة لسلام يريح نفوسنا، وجود في عواطفنا، وكلنا نحلم بزينة تجمل حياتنا، وأسيد يحمينا، ومع ذلك نحن بحاجة لأن نزن كل هذا بدقة، وأن نتذكر دومًا بأن أبناء آدم يختلفون ولو تشابهوا، كلهم آدم ولكن ليس كل آدم كمثله، ولكل آدم حواؤه التي خلقت لأجله، خلقت لتكون سلامه ومسرته وجومانته وأنيسته وقمر لياليه، ولكل آدم وحواء قصتهما الخاصة التي لا تصلح إلا لهما، ولهما فقط. “فيء الغمام” هي قصة من قصص كثيرة، حياة واحدة برؤى متعددة، تحمل المعنى الحقيقي لتأثير الفراشة، ومع ذلك فهي تصور تأثير سرب من الفراشات لا فراشة واحدة، فراشة تؤثر في أخرى وتتأثر بثالثة، وفراشة تتأثر بماضيها وتؤثر في مستقبلها، حلم يعترض حلم، وحلم يلد حلم، حيوات كثيرة ومتشابكة ومتداخلة، وما يزيدها جمالًا هو واقعيتها وقربها منا. شخوص فيء الغمام طبيعيون، حقيقيون، ستجدهم من حولك، وستجدهم في نفسك، قرأت العديد من روايات فيء الغمام في مراحل مختلفة، اكتمال، قيد التطوير، مسودة، مجرد فكرة، روايات كُتِبَت على مهل بشغف حقيقي ورؤية واضحة وأفكار ناضجة، شخصيات تم تكوينها وبناءها بعناية حتى لتحسبها موجودة من حولك، تقرأ فيء الغمام فتشعر وتفكر وتنشغل وتتألم وتفرح وتأمل، فيء الغمام هي أروع عمل كُتب بأقلام شابة صادفني خلال عشر سنوات مضت، روايات لم تُكتب بارتجال، ولم تُكتب بعدد الصفحات، روايات أبت دور النشر التي تتطلع للربح فقط، روايات كُتبت اليوم لتبقى لسنوات طويلة. ستحب فيء الغمام، وستذكر شخصياتها كل يوم، ستسمي من حولك بأسمائهم، وستذكر مواقفهم وردود أفعالهم ومشاعرهم حين تتعامل مع من حولك، ستصحبك فيء الغمام في رحلة طويلة وجميلة وعميقة، ستحاكي رغبة البشر في المعرفة والتلصص المشروع على حياة أناس آخرين، لن تنتهك الحرمات ولكنك ستعرف وتشعر بالكثير. أتمنى ان تستمر روايات فيء الغمام وأن تحافظ على أجمل ما فيها: إتقان، شغف، عمق وواقعية. نسمة ممدوح

قصص قصيرة

مدرسة الجسور الآمنة

وصلتُ إلى مكتب المدير عند العاشرة صباحاً. ليست المرّة الأولى التي أنتقل فيها إلى مدرسةٍ جديدة، لكنّها المرّة الأولى التي ألتحق فيها بمدرسةٍ متميّزةٍ إلى هذا الحدّ. استقبلني المدير بلطفٍ وحفاوة، وبعدها اصطحبني إلى مكتبي، صعدنا الدرج وعندما وصلنا وجدتُ لافتةً على جانب الباب تحمل اسمي: الأستاذة هناء، الخبيرة والمرشدة الاجتماعيّة لمدرسة الجسور الآمنة. أعطاني المدير المفتاح وهو يقول: هذا هو مكتبك يا آنسة هناء، أدواتك المكتبيّة محزومةٌ في هذا الصندوق، أمّا جهاز الحاسب فسيصل غداً، وحينها تستطيعين تفعيل حسابك وبريدك الإلكترونيّ. ابتسمتُ وأنا أشكره، فأكمل كلامه: دعيني أعرّفك الآن على المدرسة من خلال جولةٍ قصيرة. ومضينا نتجوّل بين أروقة المدرسة، بينما راح المدير يشرح لي قائلاً: في مدرسة “الجسور الآمنة”، كلّ شيءٍ مدروسٌ بدقّةٍ وعناية، شعار المدرسة هو: “سنحافظ على شعلةٍ مستدامةٍ لمستقبلٍ أكثر إشراقاً للأجيال القادمة”. نحن نُعنى بكلّ ما يمتّ للبيئة بصلة، بدءاً من ترشيد استهلاك الماء، والكهرباء، والموارد، مروراً بحملات تبادل الكتب والأدوات بين التلاميذ، وانتهاءً بفرز النفايات لإعادة تدويرها. صُممت المباني التابعة للمدرسة لتكون صديقةً للبيئة، نحن نستهلك أقلّ قدرٍ من الوقود الأحفوري، ونعتمد بشكلٍ كبيرٍ على الطاقة النظيفة. بعدها مررنا أمام عدّة فصولٍ دراسيّة، فأردف كلامه وهو يشير نحوها: في الفصول الدراسية، يستخدم المعلّمون والتلاميذ الوسائل الأقلّ حاجةً للطاقة، ويوفّر الورق قدر الإمكان. نحن نسعى في مدرسة “الجسور الآمنة” لتأمين جسرٍ آمنٍ للأجيال المقبلة، ولأجل ذلك، لا نستخدم البلاستيك إلا عند الضرورة. انظري حولك في المدرسة، سترين أنّ كلّ الأدوات مصنوعةٌ من الخشب أو الورق أو الزجاج، وإذا لزم الأمر نستعين بالأدوات المصنوعة من البلاستيك القابل للتحلل. بعدها جلسنا في غرفةٍ مجهّزةٍ بالمعدّات التقنيّة الحديثة والذكيّة، وراح المدير يشرح لي مهامي وواجباتي في المدرسة: آنسة هناء، كما تحدّثنا مسبقاً، تتمحور مهامك الأساسيّة في مدرستنا حول النقاط التالية: تقديم الدعم النفسيّ والعاطفيّ للتلاميذ، وتوعيتهم بقضايا المجتمع، والعمل على تحسين العلاقات الاجتماعيّة داخل المدرسة، وتوجيه تلاميذ الصفوف المتقدّمة في اختيار مسارهم الدراسيّ والمهنيّ، وتوفير الدعم اللازم للتلاميذ ذوي الاحتياجات الخاصّة. إضافةً إلى ذلك، سأوكل إليك مهمّة محدّدة كلّ شهر، ودعني أبدأ من هذه النقطة. صمتَ قليلاً ثمّ تابع كلامه: إنّ رؤية المدرسة في توجيه التلاميذ نحو العمل الجماعيّ لحماية البيئة وتحسين جودة الحياة هي رؤية حقيقية وعمليّة، وكي نضمن سلامة وسلاسة هذه العمليّة يتوجّب علينا أن نتتبع ونقيس استعداد التلاميذ وتفاعلهم مع رسالتنا باستمرار. لقد أجرينا الأسبوع الماضي استفتاءً، حصل بعض التلاميذ من خلاله على تقييم سيءٍ، ذلك التقييم يعكس عدم فهمهم لرسالة المدرسة وعدم اندماجهم مع مبادئها. ومهمّتك الأولى هي أن تطّلعي على نتائج ذلك الاستفتاءٍ وتمعني النظر في ظروف وشخصيّة هؤلاء التلاميذ، وحالما تنتهين من هذه المهمّة سنعقد إجتماعاً ونناقش الأمر، وأتوقّع منكِ أن تعرضي عليّ تحليلك واقتراحاتك. وفي اليوم التالي، وصلتُ باكراً، فرأيتُ مشهداً مذهلاً لم أعتد عليه، فالتلاميذ أغلبهم يأتون إلى المدرسة مشياً على الأقدام، أو على درّاجاتهم الهوائيّة، التي خُصّص لها موقفٌ فسيحٌ لركنها بترتيبٍ وانتظام. توجّهت إلى مكتبي، فوجدت بأنّ جهاز الحاسب قد وصل بالفعل. أمضيت عدّة ساعاتٍ إلى أن أتممت تفعيل حسابي وبريدي الإلكتروني، وحينها وصلتني رسالةٌ من المدير، أرسل فيها رابطاً لنتائج الاستفتاء الذى حدّثني عنه. أسرعت مباشرةً للاطلاع عليه. مرّت أسابيع وأنا منغمسةٌ في دراسة الاستفتاء ونتائجه إلى أن اكتمل التقرير، فأرسلت للمدير بريداً إلكترونيّاً لأعلمه بالأمر. الأستاذ حسّان المحترم، تحيّة طيّبة وبعد، أنهيت للتوّ التقرير الأوّل لمهمّتي الأولى في مدرسة “الجسور الآمنة”. استغرق تحضير التقرير شهراً كاملاً من الدراسة والتمحيص والبحث. حاولت خلال هذا الشهر التقرّب من التلاميذ والتعرف إليهم عن كثب، وبالفعل نجحت في إجراء العديد من الحوارات الغنيّة معهم، وبالذات هؤلاء الذين حصلوا على تقييمٍ سيّءٍ في مسألة التنمية المستدامة. وعلى إثر ذلك وضعت مقترحاتٍ وخطواتٍ عمليّة لتدريبهم على الفكرة وجوهرها، وستجد تلك المقترحات في الملف المرفق الذي سنناقشه في موعدنا القادم. على أيّ حال، هناك أمرٌ لفت انتباهي أودّ الإشارة إليه. ففي بعض الأحيان عندما نضع المكبرة للبحث في قضيةٍ ما، تنكشفُ لنا مشكلاتٌ لم نكن نعلم بوجودها، أو بجدّيتها على الأقل، وهذا ما حدث معي. تقتضي رسالة المدرسة تأمين مستقبلٍ زاهرٍ للأجيال القادمة، وبالفعل، خلال تواجدي في المدرسة، رأيت مظاهر وصوراً تعكس رؤية المدرسة وأهدافها، فالتلاميذ يحترمون قواعد المدرسة، لا يأكلون إلا طعاماً صحيّاً وعلى قدر حاجتهم، ولا يرمون النفايات إلا في مكانها الصحيح، لا يهدرون الموارد، ويحافظون على كلّ قطرة ماء، وشحنة كهرباء، ونسمة هواء، لكنّي في المقابل لمستُ تناقضاً غريباً ودعني أشرح لك الأمر. حضرة المدير: هل تعلم بأنّ تلاميذنا غير قادرين على تركيب جملةٍ واحدةٍ صحيحةٍ في اللغة العربية؟ حين يتحدّثون يمزجون أربع لغاتٍ بل ربما أكثر، فلا تفهم من حديثهم سوى السياق العامّ والذي يدلّ في كلّ الأحوال على أفكارٍ وتوجّهات لا تمتّ لثقافتنا ولا لمجتمعنا بصلة! اللغة يا سيدي ليست أداةً فحسب، إنّما هي ثقافةٌ وفكرٌ وأفعالٌ ومواقف وسِمات. كيف سيحمل هذا الجيل إرثنا وتاريخنا وعراقتنا وهم لا يتحدثون بلغتنا؟ ولا يفهمون منطقنا؟ ولا يستسيغون ثقافتنا؟ ولا تعجبهم طريقة تفكيرنا؟ أدركُ بأنّ لكلّ زمنٍ سمته الخاصّة، وأؤمن بمبدأ التطوير والتغيير عبر الأجيال، لكن ما يحدث في هذه الأيام هو طمسٌ لملامحنا، ومسحٌ لشيمنا، وتشويهٌ لجمالنا. هناك تعمّدٌ واضحٌ لتحويل المنطق العربيّ والدينيّ الذي نشأنا عليه وتوارثناه على مدى قرون إلى مسمّياتٍ أجنبيّة رائجة. فحتّى أخلاقنا ومناقبنا التي يتمتّعون بها يغلّفونها بمفاهيم عالميّة، ليبعدوا عنهم سبّة التخلّف. هل يعقلُ أن نصبّ كلّ اهتمامنا على جودة الطعام والشراب والهواء، ونهمل جودة التربية والأخلاق؟ وأنا هنا لا أقللّ من شأن وأهمية رسالتكم وما حقّقتموه من منجزاتٍ، على العكس تماماً، فأنا معجبةٌ أشدّ الإعجاب بمنهجية المدرسة وأدائها المتميّز، وأتمنى لو تحذو جميع المرافق التعليميّة والاجتماعيّة حذوكم، لكنّني أتساءل: كيف نبني جسراً آمناً لعبور الأجيال المقبلة، بجيلٍ لا ينتمي إلى نفسه بالأساس؟ أطلتُ عليك، فاعذرني! تحيّاتي، الآنسة هناء.   بقلم: سحر خواتمي

Scroll to Top