اسم الكاتب: سحر خواتمي

فصول خاصّة

من سيعرفها مثلي؟

عمــر  |  نوفمبر 2012 أنهيت عملي وتوجَّهت مباشرة إلى بيت خالتي حسناء، وقبل أن أصل اتصلتُّ بها لأتأكَّد بشكلٍ غير مباشر من أنَّ سلام ليست في المنزل. كنت على مدار الأيام السابقة أنسِّق كلماتي قدر الإمكان وأبحث عن الطريقة الأنسب لشرح الموضوع. وقفت أمام المنزل، وتوكَّلت على الله، ثمَّ طرقت الباب.   أهلاً خالتي. أهلاً يا حبيبي، تفضَّل، أين زوجتك؟ هي زيارة سريعة، أودّ أن أطمئنَّ عليكم. أهلاً وسهلاً بك متى شئت، هل تشرب الشاي أم القهوة؟ شكراً، لقد شربت كثيراً من المنبِّهات اليوم. سأحضر لك بعض العصير. جلسنا معاً في غرفة المعيشة، وبعدما تبادلنا بعض الأحاديث الروتينيَّة، انتقلتُ إلى صلب الموضوع وقلت لها:   خالتي، سأكون صريحاً، هناك أمرٌ أودُّ مناقشته معك. صمتُّ قليلاً، ثمَّ أردفتُ:   الأمر متعلِّقٌ بسلام. نظرتْ خالتي نحوي بقلقٍ، وقالت:   عسى خيراً! لا تقلقي! خيرٌ إن شاء الله، لكن أودُّ أن أعرف وجهة نظرك حول بعض الأمور. تفضّل يا بنيّ. كما تعلمين، فإنَّ سلام قد رفضت كرم مرَّاتٍ عديدة. هل سبَّب لكَ هذا الرفض أي إحراج مع أهل زوجتك؟ لا إطلاقاً، هذه حياتها، ولا مشكلة في الرفض، وفي كلِّ الأحوال هي ما تزال صغيرة ولست داعماً لفكرة ارتباطها الآن. رغم أنِّي لا أوافقك الرأي، لكن أكمل ما عندك. حسناً.. بصراحة، فإنَّ صديقاً لي تحدَّث معي منذ فترة حول رغبته في طلب يد سلام. من هو؟ هل أعرفه؟ لا أعتقد أنَّك تعرفينه، اسمه آدم. ابتسمت خالتي، بل لعلَّها ضحكت بصوتٍ منخفضٍ وقالت:   أنا التي أعرفه، آدم الشابّ الأسمر والطويل، أليس كذلك؟ أجبتها مستغرباً:   نعم هو! فسألتني:   وما المشكلة؟ تنهَّدتُ ثمَّ أجبتها:   لا أشعر أنَّ سلام قادرة على اتِّخاذ قرارٍ صائب حول اختيار شريك حياتها. عمر، هلَّا أوضحت أكثر! صمتُّ ولاحظتْ خالتي ارتباكي، فالأمر محرج للغاية، كيف سأخبرها أنَّ سلام معجبة بآدم، وأنِّي لا أجده شخصاً مناسباً لها، وأخشى أنَّها قد توافق على الارتباط به بعجلةٍ واندفاعٍ وهي غير مدركة للعواقب! قاطعتْ خالتي تساؤلاتي تلك وهي تقول:   إذن، فصاحب أكبر صورةٍ في معرض سلام، قد أقبل بالفعل. ابتلعتُ ريقي بصعوبةٍ، وسألتها:   خالتي! ماذا تعرفين عن آدم؟ أجابتني ببساطةٍ:   أعرف أنَّه الشخص الوحيد الذي استطاع أن يلفت انتباه ابنتي المدلَّلة سلام، لا أعتقد أنَّها تحبّه، لكنَّها معجبة به بشدَّة، أليس كذلك؟ لماذا لم تسأليني عنه إذن؟ عمَّ سأسألك؟ ألم تشعري بالقلق حيال الأمر؟ ربتتْ خالتي على كتفي وهي تجيب:   عن أيِّ قلقٍ تتحدَّث؟! لقد كنتُ سعيدة باكتشاف ذلك. لا أخفيك أنَّها قد بالغت بحجم وتوضُّع صورة آدم في المعرض، لكن ومع ذلك، فقد كانت الصورة جميلة. قطّبت حاجبيّ كما لو أنِّي أحتاج إلى توضيحٍ أكثر، نظرتْ خالتي إليّ بحنانٍ ثمَّ قالت:   عمر! ما المشكلة بالضبط؟ اسألني بوضوح. حسناً، دعينا نبدأ من البداية. أيّ بداية تقصد بالضبط؟ المعرض؟ زيارة المدينة القديمة؟ الساعة الضائعة؟ أم حفل زفافك؟ أنتِ تعلمين التفاصيل، هل أخبرتك سلام بمدى إعجابها به؟! لا إطلاقاً، هي لم تخبرني إلى الآن بشكلٍ صريح. دعني أسألك، منذ أيام عادت سلام مرتبكةً من مكتبك، على ما يبدو أنَّك أخبرتها بنيَّة آدم في طلب يدها، هل هذا ما جعلها مضطربة؟ نعم هذا ما حدث. أخذت خالتي نفساً عميقاً، ثمَّ قالت:   هذا جيد. نظرت إليها باستغرابٍ مجدَّداً ولسان حالي يقول: “ما الجيد في الأمر؟” لم تجبني خالتي على الفور، جلبتْ كأساً وصبَّت لي بعض العصير، ومن ثمَّ جلست وراحت تتحدَّث برويَّة وهدوء:   اسمعني يا عمر، رغم أنَّ سلام لم ترتد المدرسة، وكان تعليمها منزليّاً، لكنّها كانت اجتماعيَّة، ولديها دائرة أصدقاء في كندا، حين أصبحت سلام في سنِّ يافعة، كنتُ قريبةً منها، وواضحةً وصريحةً، فهمتْ سلام في سنٍّ مبكرةٍ أنَّ الشُّبَّان المسلمين هم المرشَّحون فقط للإعجاب أو الحبِّ سمِّه ما شئت. كان لا بدّ من توضيح هذه الفكرة وتأكيدها مع كلّ فرصة متاحة، كنتُ أخشى عليها من كسرة القلب، وضياع الدين، فأنا لا أستطيع أن أراهن على حبٍّ يجعل شابّاً يسلم إسلاماً حقيقيّاً، ولذلك لا أجد ضرورة في أن تقحم سلام نفسها في تحدٍّ كهذا. وحين التحقت سلام بالجامعة، وكبرت دائرة معارفها، وزملائها وأصدقائها، كنتُ مترقبة على الدوام؛ من سيلفت نظرها؟ ومتى؟ وأين؟ من أي بلد؟ كيف ستكون أخلاقه؟ وتربيته؟ وبيئته؟ والتزامه؟ أنهت سلام دراستها ولم أشعر أنَّها قد وقعت في حبِّ أيٍّ ممن التقت بهم. عمر! ليس من السهل أن تضبط الفتاة مشاعرها وهي محاطة بأجواء مائعة للغاية، لا تنسَ أنّ صديقاتها ومنذ سن الخامسة عشر، صادقن الشبّان، وعِشنَ قصص حبٍّ. لا يمكن المقارنة بين فتاةٍ تعيش في مجتمعٍ محافظ وأخرى في مجتمعٍ متحرِّرٍ، فالأولى جلّ من حولها من الفتيات يخضن التجربة ذاتها، ويتحدَّثن حول مغامراتٍ متشابهة ومتقاربة؛ هل رأيتِ هذا الشاب الوسيم؟ يا إلهي كم أحبّ هذا المطرب! تقابلت اليوم مع ابن الجيران عند الدكّان، كم كان شهماً حين دفع عنِّي الحساب! وما إلى ذلك… أمَّا من تعيش في مجتمعٍ غربيّ متحرٍّر، فبإمكانك إطلاق العنان لمخيلتك عن مغامرات من حولها من الفتيات. هل فهمت لماذا لا أراها صغيرةً على الارتباط؟ يا عمر، تأخير الزواج هو أمرٌ دخيل على مجتمعاتنا، ومنحىً غير طبيعيٍّ للشبّان والشابّات، أوصلنا إليه تعقيد الحياة، وغلاء المعيشة، وتعسير الزواج، والتعامل مع اليافعين كما لو أنَّهم أطفال، وعدم تجهيز فئة الشباب لفكرة الاستقلالية والمسؤولية في سنٍّ مبكرة، في حين أنَّنا لسنا مضطرين لكلّ ذلك! بكل الأحوال، إنَّ ارتفاع متوسط سنّ الزواج أمرٌ جرى على الأغلبيّة، لذا فالفتاة وقريناتها لن يشعرن بالضغط في مجتمعنا كما لو كانت الفتاة في بلدٍ أجنبيّ ومتحرِّرٍ، هي وحدها من تعفُّ نفسها، وهي وحدها من تتقي الله. لم تمسك يوماً بيد شابّ، ولم تسمع كلام غزل، وببساطة لم تجرِّب أن تُحِب وتُحَب. هل تفهمني عمر؟ أومأت برأسي بالإيجاب، فأردفتْ خالتي كلامها:   طيلة تلك السنوات، لم يكن الأمر بهذه السهولة، أن أستشفَّ مشاعر سلام من كلماتها، وانفعالاتها، لكن مع الوقت أصبح لديّ خبرة جيدة، لذا وحين ظهر آدم، شعرتُ بإعجابها به عن طريق كلماتٍ مقتضبةٍ وتعليقاتٍ بسيطةٍ صدرتْ منها بعفويةٍ عن شابٍّ هو صديق عمر، ركبتْ معه في سيارته يوم الزفاف، وبَّخها لأنَّها كانت تلتقط الصور بتهوُّرٍ وكادت أن تؤذي نفسها! يجيد رقصة “الدبكة” بمهارةٍ وخفَّة لا مثيل لها، شابٌّ رافق عمر وتابع مباراة لكرة القدم في أحد مقاهي المدينة القديمة، وهو ذاته الذي أعاد إليها ساعتها الضائعة، كنتُ أنتظر الإشارة التالية لتتأكَّد شكوكي، وبالفعل لم يمضِ بعدها وقتٌ طويلٌ حتّى قرَّرت سلام إنشاء معرضها، واختارت لصورته أفضل ركنٍ في المعرض، لا بل وضعت شمساً على زاويتها. يا إلهي كم هي عفوية هذه الفتاة؟! نظرتْ خالتي نحوي، لتجدني محتاراً للغاية، فسألتني:

فصول خاصّة

طيفٌ بعيدٌ

آدم  |  سبتمبر 2024 انتهى دوامي، وبينما أنا في طريق العودة، اتَّصلتُ بسلام لأرى إن كانت بحاجةٍ إلى شيءٍ ما أجلبه معي، فأجابتني أنها تحتاج فقط إلى “وصولي حالاً”، فهي غاضبة من حِسان، لم أسهب كثيراً، وحين وصلت سألتها: ما الخطب؟ فأجابتني: الموضوع ذاته! حسناً دعيني أتصرَّف، سأتحدَّث إليه! توجَّهت إلى غرفته، فنقرت الباب قائلاً: أنا بابا، افتح لي! وبالفعل، فتح لي الباب، فدخلت لأجده حزيناً تخيِّم الكآبة عليه، قلت في نفسي: سبحان الله ها هو ذا المشهد يتكرَّر بحذافيره! مضى أكثر من عشرين عاماً، كنتُ حينها أكثر تمرُّداً وأشدّ عناداً من حِسان، لذا قرَّرت أن أترفَّق به، فأنا أشعر بما يشعر به، وأفهمه، وعليّ أن أحتويه اليوم كما تمنَّيت لو احتواني والداي في تلك الأيام. أقفلت باب الغرفة كي لا تقاطعنا جوري، وجلست على الأريكة الصغيرة في غرفة حِسان، وحين أقبل وجلس أمامي، سألته: أما تزال حزيناً؟ أنا لا أفهم سبب اعتراضكما؟ لماذا تقفان عائقاً في وجه أحلامي؟ لن يقف أحدٌ في وجه أحلامك! إذن سألتحق بالفريق الرسمي لأحترف كرة القدم. لكنَّنا لا ندعم هذه الفكرة إطلاقاً. أرأيت؟! ها أنت ذا تقف عائقاً في وجه أحلامي حِسان يا بنيّ! تعلَّم أن تسأل قبل أن تجادل، افهم وجهة نظر من يحاورك، ولا تلقِ الاتِّهامات جزافاً! على الأقل اسألني: “ما السبب؟” تنهَّد بغضبٍ، ثمَّ سأل بتململٍ: وما السبب؟ دعني أشرح لك الأمر برويَّةٍ. تفضَّل! إنَّ لقرار التحاقك بالفريق الرسميّ والاحتراف تبعات؛ أولها التفرُّغ للتدريب والتمارين، وأخشى أن يؤثِّر ذلك على مستواك وطموحك الدراسي، والأمر الآخر هو أنَّك قد تجعل من هذا المجال مهنتك في الحياة، وهذا ما لا نحبِّذه يا بني، لذا ما الفائدة التي ستجنيها إن التحقت بالفريق الرسمي؟ ستتعلَّق بكرة القدم أكثر وأكثر، وتهدر وقتاً وجهداً في التدريب، وبالتالي ستحصر أحلامك وطموحاتك بها! وما الضير في ذلك؟ أنا لا أفهمك يا أبي! ما المشكلة في أن أصبح لاعب كرة قدم؟ توجَّهتُ نحو الخزانة التي في غرفته، والتي نضع فيها بعض مجلَّدات الصور، وأخرجت أحدها، رحت أقلِّب فيه إلى أن وجدتها، جلست مجدَّداً إلى جوار حِسان وأشرت إلى الصورة وأنا أقول: أنت تعرف هذه الصورة، أليس كذلك؟ نعم، إنَّها لك، حين كنتَ في المدرسة. نعم، هذا صحيح. عندما كنت في عمرك، كان حلمي أن أحترف كرة القدم، وكما حدث معك، عرض علي مدربي أن أحترفها، لكنَّ جدَّتك رفضت الأمر برمَّته، وسألتها السؤال ذاته: “ما الضير في أن أصبح لاعب كرة قدم؟”، لم تشرح جدَّتك السبب لي، ولعلَّها شرحت باقتضاب، لكنِّي لم أفهم حينها دوافع رفضها، فحزنت كثيراً، وبقيت لسنواتٍ ألومها. هل رأيت؟ هل تودُّ تكرار التجربة ذاتها معي؟ بالطبع لا! أنا هنا لأشرح لك الأسباب التي أدركتها فيما بعد. لم يعجبه كلامي، فأشاح وجهه غاضباً، لكنِّي تابعت قائلاً: اسمعني حِسان، نختلف نحن البشر عن بعضنا البعض كما ترى، لكلٍّ منَّا قدرات ومهارات وكفاءات واهتمامات خاصَّة به. نخوض الحياة، فيتوسَّع أفقنا وتتعمَّق خبراتنا، نتعلَّم وندرس لنرفع مستوى كفاءتنا، نخالط الناس ونكتشف مجالاتٍ جديدة ومعارف وثقافاتٍ متنوعة، فنركِّز اهتماماتنا بما ينفعنا، وننمي مهاراتنا بالقدر الذي نحتاج إليه. وكما تعلَم، على الشخص في وقتٍ ما أن يختار عمله ومهنته، وهنا بالضبط وقبل الشروع في تحديد اختصاصنا المهني، علينا أن نطرح على أنفسنا ثلاثة أسئلة، أولها: ما مهاراتي؟ أين شغفي؟ ماذا أحب؟ ماذا أجيد؟… استدار نحوي وقاطعني مباشرةً وهو يقول: هذا السؤال بسيط وجوابي هو: “كرة القدم”. أعلم، لكن لنفرض أنَّ لدي مهارات أخرى، عليّ إذن أن أفكِّر، أيّ مجال من تلك المجالات أودّ أن أحترفه، وأجعله مهنتي، وأيّ المجالات سأتركها في حيز الهوايات. وفي هذه الحال، عليّ أن أكون صادقاً مع نفسي، ولا سيَّما إن كنتُ على يقين بأنَّ لديّ المقومات الكافية لخوض المجال الأكثر تحدِّياً، والدعم اللازم للاستمرارية فيه.. لم أفهمك. حِسان! أنت في الأساس لم تطَّلع على أنواع العلوم المتعدِّدة، ولا يمكنك أن تكتشف شغفك الحقيقي الآن ما لم تجرِّبها كلها، وتطلَّع على مجالات الحياة التي ستعرض عليك أثناء الدراسة، لذا سأنتقل إلى السؤال الثاني. نظرت إليه لأتأكَّد من أنَّه ما يزال يصغي إليّ، ثمَّ أردفت: لتكون واثقاً من قرارك، عليك أن تبحث وتسأل: هل مهتني وكسبي للمال من هذه المهنة حلال؟ انتفض وسألني: وما الحرام في كرة القدم؟ أنا لا أقصد كرة القدم، إنَّما أشرح لك الخطوات فقط. لنفترض أنِّي أعمل في مجال المحاسبة، هذا لا يعني أنَّ كلَّ الوظائف تناسبني، فعليَّ ألا أعمل في بنوك تتعامل بالرِّبا على سبيل المثال. لنفترض اخترت المجال الطبي، عليَّ ألا أخوض في أمورٍ فيها شبهات، فمثلاً أبتعد عن إجراء عمليات لا توافق أحكام الشريعة، وقِس على ذلك. مجدَّداً، ما الحرام في كرة القدم؟ إن كنتَ قد بحثتَ وسألتَ بالفعل ووجدت أنَّ كسب المال عن طريق لعب كرة القدم حلال! حينها ننتقل إلى السؤال الثالث: هل نتاج عملي سينفع الناس ويعود عليهم بالفائدة؟ نعم، إمتاع الناس وإبهاجهم لا يقلُّ أهمية عن أي عملٍ آخر. حسناً، هلَّا ذكرت لي فوائد أخرى؟ الرياضة جيدة للصحة. ماذا بعد؟ صمت، فنهضتُ ورحت أتجوَّل في الغرفة، ثمَّ سألته: حِسان، انظر حولك… هل ترى ما سخَّره الله لك؟ العقل، والصحة، والأسرة، والعلم، والقدرة المادية والجسدية والنفسية، والأرض، والسماء، والمطر، والغيوم، والبحر، والقمر، والشمس…. أكلّ هذا سخره الله لك، كي تلعب كرة القدم فقط؟ لم يجبني، صمتُ قليلاً، فتذكَّرت في تلك اللحظة الجملة التي قالها لي يمان يوماً: “آدم، ستقف يوم القيامة، وتُسأل عن عمرك فيما أفنيته، وعن مالك من أين اكتسبته، وعن جسمك فيما أبليته، قل لي: هل سيكون ردُّك: كرة القدم.. كرة القدم.. كرة القدم..؟ هل ستكون فخوراً بهذه الإجابات؟ أنتَ خليفة هنا في الأرض، ألا تفهم؟!” توجَّهت نحوه مجدَّداً، أخذتُ نفساً عميقاً ووضعت يديّ على كتفيه وقلتُ له برفقٍ: أنتَ خليفة هنا في الأرض، لذا يجب أن تستغلَّ قدراتك، وتقدِّم أفضل ما عندك في المكان الصحيح. ما سعر فلان؟ ومتى وأين ومَن اشتراه؟ كم عدد أهدافه؟ والبطولات التي فاز بها؟ كم عدد الميداليات التي حصل عليها؟ ومتى سيعتزل وماذا سيفعل بعد الاعتزال؟ من اشترى هذا النادي؟ وما الشركات الممولة والراعية؟ وأسئلة كثيرة لا حصر لها… هل ترضى بأن تحجِّم قدراتك العقلية على هذه الأمور فقط؟ هل سيقتصر تأثيرك في الحياة على إمتاع شريحة معينة من الناس؟ مهلاً مهلاً! أنتَ تظلم كرة القدم كثيراً، من قال إنَّها تقتصر على تلك الأمور؟! التخطيط والتكتيك، ودراسة وفهم تحركات الطرف الآخر، كلّها من المهارات الجيدة في الحياة. قاطعته وقلت له بحزمٍ: اكتسبها من كرة القدم حين تمارسها على أنَّها هواية، اكتسبها وطبِّقها، مَن منعك عنها؟ لطالما شعرت بالحزن على حاله، ذلك الشخص الذي إن سألته: “ما هوايتك؟” تلعثم ولم يجد إجابةً

مراجعات أدبية

مراجعة رواية هناك عند القمّة بقلم: مزنة كمال

  “أحكم إغلاق الباب وإلا فلن تستطيع المضي” نعم يا عزيزتيّ الكاتبتين، سحر وهبة، فالأبواب المواربة تحمل الكثير من الاحتمالات، ومن المتاعب أيضاً.   ربما علينا أن نحظى بصداقة راقية كالتي حظيت بها جمان وجود معاً لنتمكن من إغلاق الأبواب جيداً، فالألم مهما كبر في الماضي، إذا أحسنا التعامل معه، سيجنبنا الكثير من الندم في الحاضر. (ووجع ساعة ولا كل ساعة).   أهنئ في البداية الكاتبتين سحر وهبة على إطلاق مشروعهما الجميل الذي شهدت بنفسي بداياته قبل أعوام عديدة، وما عانتاه خلال كل تلك السنين من جهد وصبر ومثابرة للوصول إلى ما وصلتا إليه اليوم، مع فكرة مميزة هي الأولى، بحسب معرفتي، في طرح الكتب للقارئ وسهولة الوصول إليها. مبارك لكما.   رواية (هناك عند القمة)، رواية خفيفة لطيفة، تشعرك منذ البدء أنك أمام رسام دقيق يرسم لك تفاصيل الشخصيات بحذر ومهارة وتمهل، فتبدو لك الملامح شيئا فشيئا، تقرأ المزيد ولا تكتفي، تغوص في عمق الشخصية لتجد أنها ليست مجرد كلام على ورق، بل ذات عمق إنساني كبير. إنها رواية (شخصيات)، وما يعنيه ذلك من تتبع خيوط العلاقات الإنسانية فيها، وكلما قرأت أكثر، اكتشفت أنك صرت متورطاً و مهتماً أكثر، ومنغعلا بما تقدمه الرواية ببراعة من مشاعر الفرح، والأمل، والخيبة، والغضب، والألم. تمكنت الكاتبتان من بناء الرواية على قيمنا العربية الإسلامية، وقدمتا ذلك بطريقة ذكية خفيفة موظفة لخدمة الحدث. صحيح أن الرواية بأسلويها ولغتها وأفكارها تناسب اليافعين، لكنها يمكن أن تثير فضول الراشدين أيضا لمتابعة القراءة باستمتاع وابتهاج. اقرأها مهما كان عمرك، فستجد فيها ما يلامس روحك. في رأيي فإن المجموعة الروائية تسد ثغرة في المكتبة العربية للأدب الذي يركز على العلاقات الإنسانية والعاطفية بما تأسست عليه من الجمع بين الأخلاق الإنسانية، والأدب الرفيع. ولأن الرواية ذات حس واقعي، فإن القارئ لن يخرج منها بالنهايات الوردية السعيدة التي يظل يتوقع حدوثها، فتُرضي آماله، ولكنه سيعايش أثر الصدمة والخيبة حين يحدث ما لا يتوقعه، وهي الخيبة ذاتها الحقيقية التي يعيشها الإنسان في واقعه عندما لا يكون ما يريد، ولا يحدث مما يحلم به ويتمناه. ماذا أنت فاعل؟ أنت تريد وتحلم، والحياة لا تقدم لك ما تحلم، تتحداك، تحفزك، تحطمك، فماذا أنت فاعل؟ أبارك للكاتبتين العزيزتين مرة أخرى، وأدعو لهما بالتوفيق.     بقلم: مزنة كمال

مراجعات أدبية

إطلاق روايات فيء الغمام بقلم: د.فادي عمروش

لا أؤمن عادة بدور النشر فهي تأخذ الحقوق وتترك المؤلفين متحسرين على عدم وصول نتاجهم الذي تعبوا عليه سنوات دون أن يقرؤه أحد، ليس هذا فحسب وانما لا يصلهم الا الفتات من المبيعات في سوق لا يوجد فيه مبيعات أصلاً. لقد تابعت بشغف على مر السنين جهود الكاتبتين هبة وسحر في صياغة هذه الروايات، وكنت دائماً أجيب بأن أفضل دار نشر هي تلك التي تتيح الكتب للجمهور مجاناً، بدلاً من ترك المجال للقرصنة. فلماذا لا نمنح الجمهور فرصة قراءة الروايات مجاناً ونترك الحكم له؟ وللأمانة، استجابت الكاتبتان لهذا المقترح بكل تقدير، حيث تم إتاحة الروايات مجاناً عبر الموقع الرسمي للرواية، في التعليق الأول. تأخذنا روايات “فيء الغمام” في رحلة أدبية تمزج بين الأمل والألم، حيث تجسد تجارب حياتية واقعية تعكس الصراع بين السعي لتحقيق الأحلام ومواجهة التحديات. ما يميز هذه السلسلة هو قدرتها على تقديم سبع قصص متوازية تتداخل فيها حياة الشخصيات وتتشابك، ومع ذلك تحتفظ كل رواية بقصتها الخاصة، وكأنها جزء من فسيفساء تتكشف تدريجياً لتشكل صورة معقدة وغنية عن “الوطن”، الذي يعكس واقع العديد من البلدان العربية. الكاتبتان لا تكتفيان بسرد الأحداث، بل تغمران القارئ في عمق النفس البشرية، حيث يعيش مع الشخصيات كل لحظة، يشعر بآلامها، يشاركها آمالها، ويتعاطف مع نقاط ضعفها وقوتها. الشخوص هنا ليست مجرد شخصيات خيالية، بل هي نماذج حقيقية نلتقي بها يومياً، وربما نجد فيها انعكاسات من ذواتنا. هذا البعد الواقعي يعزز من تأثير الرواية، حيث يجد القارئ نفسه متورطاً عاطفياً وفكرياً في مصائر هؤلاء الأشخاص. يضيف إلى عمق وتميز روايات “فيء الغمام” بناؤها الدقيق والمدروس، حيث كتبت بأسلوب يتسم بالإتقان والشغف الحقيقي. الروايات ليست ناضجة فقط من حيث الأفكار، بل أيضاً من حيث بناء الشخصيات والحبكة. كل كلمة وجملة وضعت بعناية، مما يجعل القراءة تجربة غنية وممتعة. “فيء الغمام” ليست مجرد سلسلة روايات عابرة، بل هي دعوة للتأمل في حياتنا، أحلامنا، والتحديات التي تواجهنا. إنها تجربة تستحق القراءة والمشاركة. وإذا كنت تبحث عن روايات تجعلك تشعر وتفكر وتتفاعل مع أحداثها وكأنها جزء من حياتك، فإن “فيء الغمام” هي الخيار الأمثل. هذه الروايات ليست مجرد كتب للقراءة، بل هي تجارب حية تنتظرك لاكتشافها. بقلم: د. فادي عمروش

مراجعات أدبية

عن سلسلة فيء الغمام بقلم: نسمة ممدوح

بداخل كل منا جمانة عليه أن يكتشفها ويحفظها، وجميعنا بحاجة لسلام يريح نفوسنا، وجود في عواطفنا، وكلنا نحلم بزينة تجمل حياتنا، وأسيد يحمينا، ومع ذلك نحن بحاجة لأن نزن كل هذا بدقة، وأن نتذكر دومًا بأن أبناء آدم يختلفون ولو تشابهوا، كلهم آدم ولكن ليس كل آدم كمثله، ولكل آدم حواؤه التي خلقت لأجله، خلقت لتكون سلامه ومسرته وجومانته وأنيسته وقمر لياليه، ولكل آدم وحواء قصتهما الخاصة التي لا تصلح إلا لهما، ولهما فقط. “فيء الغمام” هي قصة من قصص كثيرة، حياة واحدة برؤى متعددة، تحمل المعنى الحقيقي لتأثير الفراشة، ومع ذلك فهي تصور تأثير سرب من الفراشات لا فراشة واحدة، فراشة تؤثر في أخرى وتتأثر بثالثة، وفراشة تتأثر بماضيها وتؤثر في مستقبلها، حلم يعترض حلم، وحلم يلد حلم، حيوات كثيرة ومتشابكة ومتداخلة، وما يزيدها جمالًا هو واقعيتها وقربها منا. شخوص فيء الغمام طبيعيون، حقيقيون، ستجدهم من حولك، وستجدهم في نفسك، قرأت العديد من روايات فيء الغمام في مراحل مختلفة، اكتمال، قيد التطوير، مسودة، مجرد فكرة، روايات كُتِبَت على مهل بشغف حقيقي ورؤية واضحة وأفكار ناضجة، شخصيات تم تكوينها وبناءها بعناية حتى لتحسبها موجودة من حولك، تقرأ فيء الغمام فتشعر وتفكر وتنشغل وتتألم وتفرح وتأمل، فيء الغمام هي أروع عمل كُتب بأقلام شابة صادفني خلال عشر سنوات مضت، روايات لم تُكتب بارتجال، ولم تُكتب بعدد الصفحات، روايات أبت دور النشر التي تتطلع للربح فقط، روايات كُتبت اليوم لتبقى لسنوات طويلة. ستحب فيء الغمام، وستذكر شخصياتها كل يوم، ستسمي من حولك بأسمائهم، وستذكر مواقفهم وردود أفعالهم ومشاعرهم حين تتعامل مع من حولك، ستصحبك فيء الغمام في رحلة طويلة وجميلة وعميقة، ستحاكي رغبة البشر في المعرفة والتلصص المشروع على حياة أناس آخرين، لن تنتهك الحرمات ولكنك ستعرف وتشعر بالكثير. أتمنى ان تستمر روايات فيء الغمام وأن تحافظ على أجمل ما فيها: إتقان، شغف، عمق وواقعية. نسمة ممدوح

قصص قصيرة

مدرسة الجسور الآمنة

وصلتُ إلى مكتب المدير عند العاشرة صباحاً. ليست المرّة الأولى التي أنتقل فيها إلى مدرسةٍ جديدة، لكنّها المرّة الأولى التي ألتحق فيها بمدرسةٍ متميّزةٍ إلى هذا الحدّ. استقبلني المدير بلطفٍ وحفاوة، وبعدها اصطحبني إلى مكتبي، صعدنا الدرج وعندما وصلنا وجدتُ لافتةً على جانب الباب تحمل اسمي: الأستاذة هناء، الخبيرة والمرشدة الاجتماعيّة لمدرسة الجسور الآمنة. أعطاني المدير المفتاح وهو يقول: هذا هو مكتبك يا آنسة هناء، أدواتك المكتبيّة محزومةٌ في هذا الصندوق، أمّا جهاز الحاسب فسيصل غداً، وحينها تستطيعين تفعيل حسابك وبريدك الإلكترونيّ. ابتسمتُ وأنا أشكره، فأكمل كلامه: دعيني أعرّفك الآن على المدرسة من خلال جولةٍ قصيرة. ومضينا نتجوّل بين أروقة المدرسة، بينما راح المدير يشرح لي قائلاً: في مدرسة “الجسور الآمنة”، كلّ شيءٍ مدروسٌ بدقّةٍ وعناية، شعار المدرسة هو: “سنحافظ على شعلةٍ مستدامةٍ لمستقبلٍ أكثر إشراقاً للأجيال القادمة”. نحن نُعنى بكلّ ما يمتّ للبيئة بصلة، بدءاً من ترشيد استهلاك الماء، والكهرباء، والموارد، مروراً بحملات تبادل الكتب والأدوات بين التلاميذ، وانتهاءً بفرز النفايات لإعادة تدويرها. صُممت المباني التابعة للمدرسة لتكون صديقةً للبيئة، نحن نستهلك أقلّ قدرٍ من الوقود الأحفوري، ونعتمد بشكلٍ كبيرٍ على الطاقة النظيفة. بعدها مررنا أمام عدّة فصولٍ دراسيّة، فأردف كلامه وهو يشير نحوها: في الفصول الدراسية، يستخدم المعلّمون والتلاميذ الوسائل الأقلّ حاجةً للطاقة، ويوفّر الورق قدر الإمكان. نحن نسعى في مدرسة “الجسور الآمنة” لتأمين جسرٍ آمنٍ للأجيال المقبلة، ولأجل ذلك، لا نستخدم البلاستيك إلا عند الضرورة. انظري حولك في المدرسة، سترين أنّ كلّ الأدوات مصنوعةٌ من الخشب أو الورق أو الزجاج، وإذا لزم الأمر نستعين بالأدوات المصنوعة من البلاستيك القابل للتحلل. بعدها جلسنا في غرفةٍ مجهّزةٍ بالمعدّات التقنيّة الحديثة والذكيّة، وراح المدير يشرح لي مهامي وواجباتي في المدرسة: آنسة هناء، كما تحدّثنا مسبقاً، تتمحور مهامك الأساسيّة في مدرستنا حول النقاط التالية: تقديم الدعم النفسيّ والعاطفيّ للتلاميذ، وتوعيتهم بقضايا المجتمع، والعمل على تحسين العلاقات الاجتماعيّة داخل المدرسة، وتوجيه تلاميذ الصفوف المتقدّمة في اختيار مسارهم الدراسيّ والمهنيّ، وتوفير الدعم اللازم للتلاميذ ذوي الاحتياجات الخاصّة. إضافةً إلى ذلك، سأوكل إليك مهمّة محدّدة كلّ شهر، ودعني أبدأ من هذه النقطة. صمتَ قليلاً ثمّ تابع كلامه: إنّ رؤية المدرسة في توجيه التلاميذ نحو العمل الجماعيّ لحماية البيئة وتحسين جودة الحياة هي رؤية حقيقية وعمليّة، وكي نضمن سلامة وسلاسة هذه العمليّة يتوجّب علينا أن نتتبع ونقيس استعداد التلاميذ وتفاعلهم مع رسالتنا باستمرار. لقد أجرينا الأسبوع الماضي استفتاءً، حصل بعض التلاميذ من خلاله على تقييم سيءٍ، ذلك التقييم يعكس عدم فهمهم لرسالة المدرسة وعدم اندماجهم مع مبادئها. ومهمّتك الأولى هي أن تطّلعي على نتائج ذلك الاستفتاءٍ وتمعني النظر في ظروف وشخصيّة هؤلاء التلاميذ، وحالما تنتهين من هذه المهمّة سنعقد إجتماعاً ونناقش الأمر، وأتوقّع منكِ أن تعرضي عليّ تحليلك واقتراحاتك. وفي اليوم التالي، وصلتُ باكراً، فرأيتُ مشهداً مذهلاً لم أعتد عليه، فالتلاميذ أغلبهم يأتون إلى المدرسة مشياً على الأقدام، أو على درّاجاتهم الهوائيّة، التي خُصّص لها موقفٌ فسيحٌ لركنها بترتيبٍ وانتظام. توجّهت إلى مكتبي، فوجدت بأنّ جهاز الحاسب قد وصل بالفعل. أمضيت عدّة ساعاتٍ إلى أن أتممت تفعيل حسابي وبريدي الإلكتروني، وحينها وصلتني رسالةٌ من المدير، أرسل فيها رابطاً لنتائج الاستفتاء الذى حدّثني عنه. أسرعت مباشرةً للاطلاع عليه. مرّت أسابيع وأنا منغمسةٌ في دراسة الاستفتاء ونتائجه إلى أن اكتمل التقرير، فأرسلت للمدير بريداً إلكترونيّاً لأعلمه بالأمر. الأستاذ حسّان المحترم، تحيّة طيّبة وبعد، أنهيت للتوّ التقرير الأوّل لمهمّتي الأولى في مدرسة “الجسور الآمنة”. استغرق تحضير التقرير شهراً كاملاً من الدراسة والتمحيص والبحث. حاولت خلال هذا الشهر التقرّب من التلاميذ والتعرف إليهم عن كثب، وبالفعل نجحت في إجراء العديد من الحوارات الغنيّة معهم، وبالذات هؤلاء الذين حصلوا على تقييمٍ سيّءٍ في مسألة التنمية المستدامة. وعلى إثر ذلك وضعت مقترحاتٍ وخطواتٍ عمليّة لتدريبهم على الفكرة وجوهرها، وستجد تلك المقترحات في الملف المرفق الذي سنناقشه في موعدنا القادم. على أيّ حال، هناك أمرٌ لفت انتباهي أودّ الإشارة إليه. ففي بعض الأحيان عندما نضع المكبرة للبحث في قضيةٍ ما، تنكشفُ لنا مشكلاتٌ لم نكن نعلم بوجودها، أو بجدّيتها على الأقل، وهذا ما حدث معي. تقتضي رسالة المدرسة تأمين مستقبلٍ زاهرٍ للأجيال القادمة، وبالفعل، خلال تواجدي في المدرسة، رأيت مظاهر وصوراً تعكس رؤية المدرسة وأهدافها، فالتلاميذ يحترمون قواعد المدرسة، لا يأكلون إلا طعاماً صحيّاً وعلى قدر حاجتهم، ولا يرمون النفايات إلا في مكانها الصحيح، لا يهدرون الموارد، ويحافظون على كلّ قطرة ماء، وشحنة كهرباء، ونسمة هواء، لكنّي في المقابل لمستُ تناقضاً غريباً ودعني أشرح لك الأمر. حضرة المدير: هل تعلم بأنّ تلاميذنا غير قادرين على تركيب جملةٍ واحدةٍ صحيحةٍ في اللغة العربية؟ حين يتحدّثون يمزجون أربع لغاتٍ بل ربما أكثر، فلا تفهم من حديثهم سوى السياق العامّ والذي يدلّ في كلّ الأحوال على أفكارٍ وتوجّهات لا تمتّ لثقافتنا ولا لمجتمعنا بصلة! اللغة يا سيدي ليست أداةً فحسب، إنّما هي ثقافةٌ وفكرٌ وأفعالٌ ومواقف وسِمات. كيف سيحمل هذا الجيل إرثنا وتاريخنا وعراقتنا وهم لا يتحدثون بلغتنا؟ ولا يفهمون منطقنا؟ ولا يستسيغون ثقافتنا؟ ولا تعجبهم طريقة تفكيرنا؟ أدركُ بأنّ لكلّ زمنٍ سمته الخاصّة، وأؤمن بمبدأ التطوير والتغيير عبر الأجيال، لكن ما يحدث في هذه الأيام هو طمسٌ لملامحنا، ومسحٌ لشيمنا، وتشويهٌ لجمالنا. هناك تعمّدٌ واضحٌ لتحويل المنطق العربيّ والدينيّ الذي نشأنا عليه وتوارثناه على مدى قرون إلى مسمّياتٍ أجنبيّة رائجة. فحتّى أخلاقنا ومناقبنا التي يتمتّعون بها يغلّفونها بمفاهيم عالميّة، ليبعدوا عنهم سبّة التخلّف. هل يعقلُ أن نصبّ كلّ اهتمامنا على جودة الطعام والشراب والهواء، ونهمل جودة التربية والأخلاق؟ وأنا هنا لا أقللّ من شأن وأهمية رسالتكم وما حقّقتموه من منجزاتٍ، على العكس تماماً، فأنا معجبةٌ أشدّ الإعجاب بمنهجية المدرسة وأدائها المتميّز، وأتمنى لو تحذو جميع المرافق التعليميّة والاجتماعيّة حذوكم، لكنّني أتساءل: كيف نبني جسراً آمناً لعبور الأجيال المقبلة، بجيلٍ لا ينتمي إلى نفسه بالأساس؟ أطلتُ عليك، فاعذرني! تحيّاتي، الآنسة هناء.   بقلم: سحر خواتمي

Judy
مراجعات أدبية

مراجعة رواية صاحب الظّل الطويل

رواية “صاحب الظلّ الطويل”، هي رواية صدرت عام 1912 لجين وبستر، وتدور القصة حول فتاةٍ تُدعى جيروشا أبوت –جودي كما تحبّ أن تسمّي نفسها- تربّت وعاشت في ميتمٍ إلى أن أتى ذلك اليوم، حين أُعجب أحد أوصياء الميتم بمقالٍ كتبته جودي، فقرر أن يتكفّل بها ويدعمها لاستكمال دراستها الجامعيّة. لم يطلعها الوصيّ على اسمه، واكتفى باسم جون سميث، كما لم يقابلها، إلا أنّ جودي لمحت ظلّه وهو يغادر الميتم، فاختارت أن تسمّيه: صاحب الظلّ الطويل. كان طلب السيد سميث الوحيد أن تكتب له جودي بانتظامٍ، فتخبره عن تقدّمها ويومياتها، ويطّلع بذلك على تطور مهاراتها الكتابيّة. وبالفعل تغادر جودي الميتم، وتواجه العالم للمرّة الأولى، فتحاول جاهدةً ألا تثير الشكوك حول ماضيها، الذي ارتأت أن تخفيه، فتعيش جودي تجارب جديدةً ومثيرةً، وتتوطد علاقتها مع زميلَتيها: سالي وجوليا. تبدأ جودي بعدها باكتشاف الحياة خارج السكن الجامعي على نطاقٍ أوسع. وذات يوم تقابلُ السيد جيرفس بندلتون في السكن الجامعي، والذي جاء لزيارة ابنة أخيه جوليا، تتكرر زياراته وتنشأ بين جودي وجيرفس صداقة لطيفة، ومع الوقت تدرك بأنّها تحمل لجيرفس مشاعر خاصّة، وأنّه يبادلها الشعور ذاته. مع اقتراب التخرّج، تشعر جودي بأنّ أوامر السيد سميث باتت متضاربةً مع طموحاتها ومشاعرها، وبأنّها عاجزة عن الموازنة بين ولائها للسيد سميث، ورغبتها بالاستقلال والاعتماد على نفسها ماديّاً، فتبدأ بالتذمّر، فنراها تتقلّب بين الغضب والحزن، والتمرّد والندم. الرواية غنيّة بالمشاعر الوجدانية المؤثّرة، وأتت تفاصيلها شائقة ومُبهجة بفضل روح جودي المرحة ونظرتها المتفائلة في الحياة. أمّا عن أسلوب الرسائل فقد ناسب القصّةَ، إذ عكس بدقّة شعور جودي وهي ترسل الرسالة تلو الأخرى دون أن تتلقى أيّ رد، فتمضي الأيام ويزداد فضولها وفضول القارئ معها حول معرفة: من يكون صاحب الظلّ الطويل!! تتشابك الأحداث، وبعد التخرج يعرض جيرفس الزواج على جودي فتقع في حيرةٍ من أمرها، فهي لا تقوى على مصارحته بماضيها. ماذا ستفعل؟ هل ستوافق؟ وماذا عن التفاوت الاجتماعيّ بينهما؟ تأتي الخاتمة مجيبةً على تلك الأسئلة، برسالةٍ من جودي إلى صاحب الظلّ الطويل. مقارنة بين تجربة قراءة الرّواية ومشاهدة الأنمي   من المعروف أنّ تجربتَي القراءة والمشاهدة غالباً ما تنطويان على انطباعاتٍ مختلفة، سيما إن سبقت القراءةُ المشاهدة، إذ يشكّل القارئ في مخيلته الأحداث، والشخصيات، والأماكن، ثمّ وحين يشاهد الأنمي ولا تنطبق تلك الصور على الشكل الذي يقدّمه الأنمي، قد يشعر بخيبة أمل. وفي حالتي: أتت المشاهدة أولاً ومن ثمّ القراءة، فحصل الأنمي على الانطباع الأقوى، وظلّ راسخاً في مخيلتي، فبقيت جودي هي جودي التي ظهرت في الأنمي، وجيرفس هو ذاته، كذلك الأمر مع سالي وجوليا، لذا أتت الرسائل في الرواية داعمةً للانطباعات السابقة، بل وبتركيزٍ أعلى على الحالة الوجدانية لجودي. تجلّى الفارق الأساسي بين الأنمي والرواية في سرعة أحداث الرّواية، إذ كانت مبنيةً على رسائل جودي فقط، أمّا في الأنمي أتت التفاصيل أغنى وأوفر، نظراً لتواجد الحوار، والمشاهد المدعومة بالرسائل التي كانت تكتبها جودي، فنسمعها بصوتها أثناء الكتابة. مراجعة الرسالة الأخيرة في الرّواية   بالرغم من أنّ رسائل جودي في الرواية كانت غنيّةً ومؤثرة وشائقة، إلا أنّ الرسالة الأخيرة جاءت باردة جدّاً، وبقالبٍ لا يتلائم مع الحالة، ولا مع لحظة الختام. برأيي المتواضع، كان بإمكان الكاتبة أن تبدع أكثر في هذه الرسالة على وجه الخصوص. وللأسف كلما عاودتُ قراءة تلك الرسالة، شعرتُ بخيبة أمل. وكما هو متوقّع، لم يهنأ لي بال إلا بعد أن أعدتُ كتابة الرسالة الأخيرة بطريقتي الخاصّة، أعلم أنّني لا أملك الحقّ لفعل ذلك، لكن قد يشفع لي شبهي بشخصيّة جودي –كما تدّعي صديقاتي- أن أتقمّص شخصيّتها ولو برسالة! بقلم: سحر خواتمي لوك ويلو السابع من أوكتوبر عزيزي يا صاحب الظلّ الطويل، يبدو الأمر غريباً، أن أراسلك مجدداً بعد الذي حدث، لكنّي أرغب بأن أودّعك بشكلٍ لائق، فكما تعلم لم يمضِ لقاؤنا الأوّل على النحو الذي رسمته في مخيلتي أبداً، لذا ارتأيتُ أن أرسل كلمات الوداع عبر رسالة، لتكون خاتمةً ملائمةً لعلاقة وصيٍّ بالفتاة التي تكفّل بها. لا أعلم لِم ظننتُ أنّي بلقائك سأقابل أباً، أباً يحتويني ويغمرني بحنانٍ كما يغمر الآباء أبناءهم، فذاك الشعور -وكما تعلم- لم أجرّبه في حياتي. اعتقدتُ أن أسمع منك كلماتٍ تقوّي بها عزيمتي، وتشعرني بأنّك لم تندم على قرار دعمك لي، فتقول لي بوقارٍ: “أحسنتِ يا ابنتي، أنا فخورٌ بك!” لكن لم يحدّث أيٌّ من ذلك! ليتلاشى بذلك المشهد الذي حلمت به، وتنهار أمامي الصورة التي تخيّلتها، فتقع كبرجٍ مرتفع، برجٍ بنيته لبنة لبنة، بتفاصيل وملامح لا تطابق الواقع بتاتاً. لكن مهلاً! إن وضع أحدنا آمالاً في أمرٍ ما، ومن ثمّ تكسّرت جميعها، هل بالضرورة أن يندرج ذلك تحت مسمّى: “خيبة الأمل”؟! أتعلم؟! حينما التقيتك البارحة، راودتني أسئلةٌ عديدة، لكنّي امتنعت عن طرحها بسبب حالتك الصحيّة، فلم أشعر بأنّ الوقت مناسب. وحتى لو التقينا مجدداً، لا أعتقد بأنّي سأطرح عليك أيّاً منها، لذا اسمح لي بأن أسردهم في رسالتي الأخيرة هذه بصدقٍ وشفافية، تماماً كما اعتدت في سنواتي السابقة، أن أسألك وأسألك دون تحفظٍ أو تردد، دون كللٍ أو ملل، ودعني أحكي لك عمّا عجزت عن قوله حين رأيتك وجهاً لوجه، لعلّ روحي تهدأ وتسكن بعض الشيء. عزيزي هلّا أجبتني، وقلت لي: أي اضطرابٍ أحدثته في عالمي؟! اشرح لي، فأنا عاجزة عن الفهم! كيف تكون حاضراً وغائباً في آنٍ معاً؟ أخبرني، قل لي أرجوك، فأنا مشوشة، وفقدت قدرتي على ربط الأحداث والكلمات  والمشاعر. كيف تكون الشخص الذي يعطي، ويغدق، ويمنح، وفي الوقت ذاته، يسلب، ويحوز دون إذنٍ أو استئذان؟! نعم، لقد سلبت قلبي، واستحوذت على مشاعري، ومع ذلك تظاهرتَ بأنّك تعطي دون مقابل، ولا تطالب سوى برسالةٍ كلّ شهر! هذا ليس عدلاً، أليس كذلك؟ ثمّ أريد أن أعرف: لماذا أتيتَ إلى السكن الجامعي في بادئ الأمر؟ هل دفعك فضولك لرؤية تلك الفتاة المختلفة عمّا اعتدت عليه؟ تلك التي ترسل رسائل عفوية ولا تكفّ عن الثرثرة، أم أنّك رغبت بالنظر عن كثب، لتتأكّد بأنّ قرارك بدعم تلك الفتاة كان صائباً، وبأنّك لا تضيّع مالك هدراً؟ أخبرني بدّقة أرجوك: متى تحوّلت مشاعرك؟ ومتى بدأت تدركها؟ قل لي وفكّر مليّاً وأجبني: من أين أتت الشرارة الأولى لذاك التحوّل: أهي رسائل جودي؟ أم جودي نفسها التي قابلتها وتعاملت معها وجهاً لوجه؟ أجبني ولا تقلق، إذ لا يوجد خيارٌ أطمح إليه أكثر من الآخر، إلا أنّني أتطلّع لمعرفة أسبابك، سيّما إن كانت مختلفة عمّا اقترحته لك. تتوالد الآن ببالي أسئلة أكثر وأكثر، وأجد نفسي عاجزةً عن ملاحقتها وتدوينها، وقلبي يخفق ويأبى أن يستقر، فتارةً أذكر لهفتي نحو معرفة من هو صاحب الظلّ الطويل، وتارةً يغشاني الألم والحزن مما أصابك من وهنٍ ومرض ومما تعانيه الآن، وتارةً أذكر لحظة لقائنا … أرأيت؟! لقد توقفت عن الكتابة لبضع

Moon-colors
قصص قصيرة

على محاذاة الشاطئ

في إحدى الليالي الصيفيّة، كنتُ أمشي على محاذاة الشاطئ، بدت السماء مرتصّةً بالنيازك والأجرام المتهاوية، تلمع النجوم في أرجائها كعيون المتربّصين، ويتوسطها البدر بضيائه الشاحب، الذي انعكس على ماء البحر الكدر ممّا أضفى على تلك الليلة صبابةً وكمداً. كان الطريق موحشاً وكئيباً، تتوزع على جانبيه شجيراتٌ صغيرة، تتلاطم أغصانها باضطرابٍ مع كلّ هبّة ريحٍ، وتحيط بالشجيرات أحواضٌ ضخمة تكسوها أزهارٌ ذات ألوانٍ غريبة، تفوح منها رائحةٌ واخزة، وبينما كنتُ أتحاشى النظر إليها، سمعت أزيزاً مفزعاً، فانقبض قلبي…   ثمّ تنبّهت أنّه إشعارٌ لرسالةٍ قد وصلتني عبر هاتفي، فتحت الرسالة وقرأتها بتمعّنٍ، ومن ثمّ أعدت هاتفي إلى جيبي ورفعت رأسي، فوجدت السماء وقد بدت كقبّةٍ مزدانةٍ بالأحجار الكريمة، تلمع النجوم في أرجائها كاللآلئ والمرجان، ويتوسطها البدر بضيائه الناصع، الذي انعكس على ماء البحر الصافي ممّا أضفى على تلك الليلة سكينةً وطمأنينةً. كان الطريق فسيحاً وهادئاً، تتوزع على جانبيه شجيراتٌ صغيرة، تتراقص أغصانها بتناغمٍ مع كلّ نسمةٍ عليلةٍ، وتحيط بالشجيرات أحواضٌ واسعة تكسوها أزهارٌ ذات ألوانٍ فريدة، يفوح منها شذىً آخّاذ، وبينما كنت أتأمّلها بابتهاج، سمعت لحناً جميلاً، فانشرح صدري…   ثمّ تنبّهت أنّه إشعارٌ لرسالةٍ قد وصلتني عبر هاتفي، فتحت الرسالة وقرأتها بتمعّنٍ، ومن ثمّ أعدت هاتفي إلى جيبي وحين رفعت رأسي، وجدت السماء مظلمةً وكالحة، لا نجوم فيها ولا قمر، اختفى الشاطئ وتلاشى الشجر.   تابعت المسير برويّة وتأنٍّ، وكلّي ثقة بأنّ رسالةً جديدةً ستومض قريباً. ______________________________________________ بقلم: سحر خواتمي | نُشرت ضمن كتاب “حكايات البحر والشمس والشاطئ” عبر دار كُتبنا عام 2024

قصص قصيرة

ذهبتْ ولم تعد

الأربعاء 23 مايو 2012 عدتُ منذ قليل إلى المنزل بعد يومٍ شاقٍ من العمل، تناولت طعام العشاء مع والديّ وها أنا ذا في غرفتي، لا جديد لليوم، أنا متعبة للغاية، سأصلّي العشاء وأنام. الخميس 24 مايو 2012 كان اليوم ممتعاً جدّاً، قابلتُ صديقتي من أيام المدرسة، تحدّثنا طويلاً ومن ثمّ عدت إلى المنزل مشياً على الأقدام. حضّرتْ لي والدتي وجبتي المفضّلة: البطاطس المشوية. الجمعة 25 مايو 2012     السبت 26 مايو 2012 لم أكتب البارحة، دعتنا خالتي إلى زيارتها، أمضيتُ وقتاً ممتعاً، واستمتعت بملاعبة أطفالها. واليوم ذهبت للتسوق مع والدتي، وأخيراً اشتريت الحقيبة البيضاء التي أرغب بها، في طريق عودتنا مررنا على محلٍ لبيع المثلجات، كانت لذيذة للغاية. الأحد 27 مايو 2012 ذهبت اليوم إلى دوامي وأنا أحمل حقيبتي الجديدة، كنتُ أمشي كما لو أنّني فراشة، هناك في المكتب أبدت زميلاتي إعجابهنّ بها، الجميع يقول لي أنّ لي ذوقاً خاصّاً ومميّزاً في اختيار الحقائب. في طريق عودتي، لمحت أحدهم في سيارة الأجرة، كان يشبهه كثيراً، أتراه هو؟! خفق قلبي بشدّة، لم نتقابل منذ أكثر من شهر. يا ترى ماذا يفعل الآن؟ الاثنين 28 مايو 2012 يا له من يومٍ حزين! كنتُ قاسيةً مع صديقتي هدى، حدث سوء فهمٍ بيننا فغضبتْ، لم أستطع أن أتراجع عن موقفي، وعادت كلّ منّا إلى بيتها حزينة، هل عليّ أنا أتصل بها؟ أم أنتظر إلى صباح الغد؟ كيف سأغفو وأنا بهذه الحال؟! أنا أكتب الآن بعد ساعة، لقد اتصلت بهدى واعتذرت إليها، أشعر براحةٍ كبيرة. الثلاثاء 29 مايو 2012 أمضيت اليوم في المنزل، لم أذهب إلى العمل، أنا مريضة. الأربعاء 30 مايو 2012 تحسّنت حالتي، لكن مع ذلك لم أذهب إلى العمل، تعتني بي والدتي كما لو أنّني طفلة صغيرة. الخميس 31 مايو 2012 ذهبت اليوم إلى الدوام، أخيراً! أنا مدعوة إلى حفل زفاف قريبتنا، سأذهب إلى مصففة الشعر بعد قليل، أشعر بحماسٍ شديد، أحبّ الحفلات. الجمعة 1 يونيو 2012 عدنا البارحة من حفل الزفاف بعد منتصف الليل، لم أستطع النوم جيداً، وحين غفوت رأيت كثيراً من الأحلام، وبالطبع، كان هو أحدّ أبطالها. ترى ماذا يفعل الآن؟ السبت 2 يونيو 2012 لستُ بمزاجٍ جيّد، لقد أضعت صلاة المغرب اليوم، أشعر بالسوء حيال ذلك. الأحد 3 يونيو 2012     الاثنين 4 يونيو 2012 لم أكتب البارحة، فقد كنت منشغلةً بمساعدة والدتي في تنظيف المنزل. واليوم أمضيت طيلة الوقت وأنا أنتقي ماذا سألبس وماذا سأقول وكيف سأردّ، أعلم بأنّ لقائنا سيكون بعد غدٍ، لكنّني متوترة للغاية، ففي المرّة السابقة شعرتُ بأنّه يلمّح برغبته في الحديث معي بموضوعٍ خاصّ، يا إلهي! عليّ أن أكون مستعدّة. الثلاثاء 5 يونيو 2012 وأخيراً تسلّمنا الرواتب، لقد تأخّرت الشركة في صرفها لهذا الشهر، سأذهب بعد قليلٍ لشراء هاتفٍ ذكّي، إنّه الأوّل بالنسبة لي، لطالما تمنّيت الحصول عليه، سأستطيع من خلاله تصفح الإنترنت، وإجراء محادثاتٍ مع صديقاتي، وتنصيب كثيرٍ من التطبيقات المفيدة. والآن إلى متجر الهواتف الذكية.. الأربعاء 6 يونيو 2012     الخميس 7 يونيو 2012     الجمعة 8 يونيو 2012     السبت 9 يونيو 2012     الأحد 10 يونيو 2012     الإثنين 11 يونيو 2012     2013 2014 2015 2016 2017 2018 2019 2020 2021 2022 2023 2024 ______________________________________________ بقلم: سحر خواتمي

قصص قصيرة

طوابق

في مدخل المبنى الكبير في مركز المدينة، استقلّت السيدة نجاة المصعد وطلبت الطابق العاشر، هناك حيث عيادة الطبيب، وقبل أن يغلق المصعد بابه دخلت سمية المصعد وألقت السلام، فردّت السيدة نجاة بلطفٍ، بينما ظلّ الرجل الواقف بجانب السيدة نجاة صامتاً. طلبت سمية الطابق العشرين، وبدأت رحلة الصعود. تحرّك المصعد قرابة الخمس طوابق وبعدها أصدر صوتاً غريباً وتوقّف في مكانه! بدا القلق جليّاً على وجه السيدة نجاة، فحاولت سمية طمأنتها، وقالت: لا بد وأنّه عطلٌ بسيط، لا تقلقي يا خالة. ردّت السيدة نجاة: وهل سننتظر طويلاً هنا؟ أجابتها سميّة: دعيني أتواصل مع الموظف المسؤول وأعلمه بما حصل معنا. وبالفعل، تواصلت سميّة مع الموظف من خلال لوحة المصعد وأخبرته بما حدث، ليردّ الموظّف بدوره ويخبرها بأنّه سيرسل طاقماً لحلّ المشكلة بأسرع ما يمكن. وبعد انتظار خمس دقائق، قالت السيدة نجاة: أرجو ألا يتأخروا، لديّ موعدٌ عند الطبيب. أجابتها سميّة: سيصلون قريباً، لا عليكِ. أتعتقدين ذلك بالفعل؟ نعم، هم لا يتأخرون بالعادة. هل يتعطّل هذا المصعد بشكلٍ متكرر؟ لا أعلم، فهذه المرّة الأولى التي أتواجد فيها هنا. آه فهمت. لم أنتِ لوحدك يا بنيتي؟ قد تحدث أمور خطيرة، أترين؟ ها نحن عالقون في المصعد ولا ندري متى سنخرج! ابتسمت سمية، فأكملت السيدة نجاة أسئلتها: هل لديكِ موعدٌ عند الطبيب؟ لا، أتيت قاصدةً محل الزينة. تعلمين هذا المبنى كبير، وهناك محالٌ تجاريّة في الطابق العشرين. آه جميل، وهل الزينة لحفلة خطوبتك؟ ضحكت الفتاة ثمّ أجابتها: لا أزال صغيرةً على الارتباط، وأحتاج الزينة لحفلة عيد ميلادي في الأسبوع القادم. أتمنى لك عاماً سعيداً يا… اسمي سمية. اسمٌ جميل، وأنا اسمي نجاة، وينادونني أم عزمي. ابتسمت الفتاة، ثمّ ساد الصمت، وبعد مرور ربع ساعة، قالت السيدة نجاة للفتاة: هلّا اتصلتِ بوالدك، كي يطلب المساعدة من أناسٍ آخرين، يبدو ألا فائدة من هذا الطاقم. بودي لو ألبّي طلبك يا خالة، لكنّي لا أعرف رقم والدي للأسف. أوه آسفة يا بنيتي، أهو مسافر؟ في الحقيقة لا أعلم. نظرت السيدة نجاة باستغرابٍ نحو الفتاة، كما لو أنّها تحتاج لتوضيحٍ أكثر، لكن في تلك اللحظة تحرّك المصعد، وأكمل طريقه. وعند الطابق السابع توقّف المصعد فخرج الرجل الذي يقف بجانب السيدة نجاة، بينما أكملت السيدة والفتاة طريقهما نحو الطوابق العليا. توجّه الرجل نحو مكتبٍ للمحاماة في ذلك الطابق، طرق الباب ودخل بعد أن نزع السماعة التي كانت على أذنه، ثمّ سأل السكرتيرة: هل الأستاذ فاروق في الداخل، لديّ موعد معه؟ نعم هو بالداخل ينتظرك منذ نصف ساعة، لعلّك كنت عالقاً في المصعد الذي تعطّل؟ أكانت نصف ساعةٍ حقاً؟ ظننتها بضع دقائقٍ فحسب، يبدو أنّ نشرة الأخبار شغلتني فلم أشعر بالوقت. لا عليك، تفضّل إلى المكتب، فالأستاذ فاروق بانتظارك. دخل الرجل، وبعدما ألقى السلام فتح حقيبته وأخرج منها أوراقاً. استلمها الأستاذ فاروق ثمّ قال: بعد أسبوعٍ من الآن، ستصبح ابنتك في سنٍّ قانونية، ويحقّ لها أن تراكَ وتقابلكَ متى شاءت. ابتسم الرجل ابتسامةً حزينة، فقال له السيد فاروق: سيلتمّ شملك قريباً مع ابنتك، ويوماً ما ستعثر على والدتك، أنا متأكدٌ من ذلك يا سيد عزمي! ______________________________________________ بقلم: سحر خواتمي  

Scroll to Top