اسم الكاتب: سحر خواتمي

قصص قصيرة

مدرسة الجسور الآمنة

وصلتُ إلى مكتب المدير عند العاشرة صباحاً. ليست المرّة الأولى التي أنتقل فيها إلى مدرسةٍ جديدة، لكنّها المرّة الأولى التي ألتحق فيها بمدرسةٍ متميّزةٍ إلى هذا الحدّ. استقبلني المدير بلطفٍ وحفاوة، وبعدها اصطحبني إلى مكتبي، صعدنا الدرج وعندما وصلنا وجدتُ لافتةً على جانب الباب تحمل اسمي: الأستاذة هناء، الخبيرة والمرشدة الاجتماعيّة لمدرسة الجسور الآمنة. أعطاني المدير المفتاح وهو يقول: هذا هو مكتبك يا آنسة هناء، أدواتك المكتبيّة محزومةٌ في هذا الصندوق، أمّا جهاز الحاسب فسيصل غداً، وحينها تستطيعين تفعيل حسابك وبريدك الإلكترونيّ. ابتسمتُ وأنا أشكره، فأكمل كلامه: دعيني أعرّفك الآن على المدرسة من خلال جولةٍ قصيرة. ومضينا نتجوّل بين أروقة المدرسة، بينما راح المدير يشرح لي قائلاً: في مدرسة “الجسور الآمنة”، كلّ شيءٍ مدروسٌ بدقّةٍ وعناية، شعار المدرسة هو: “سنحافظ على شعلةٍ مستدامةٍ لمستقبلٍ أكثر إشراقاً للأجيال القادمة”. نحن نُعنى بكلّ ما يمتّ للبيئة بصلة، بدءاً من ترشيد استهلاك الماء، والكهرباء، والموارد، مروراً بحملات تبادل الكتب والأدوات بين التلاميذ، وانتهاءً بفرز النفايات لإعادة تدويرها. صُممت المباني التابعة للمدرسة لتكون صديقةً للبيئة، نحن نستهلك أقلّ قدرٍ من الوقود الأحفوري، ونعتمد بشكلٍ كبيرٍ على الطاقة النظيفة. بعدها مررنا أمام عدّة فصولٍ دراسيّة، فأردف كلامه وهو يشير نحوها: في الفصول الدراسية، يستخدم المعلّمون والتلاميذ الوسائل الأقلّ حاجةً للطاقة، ويوفّر الورق قدر الإمكان. نحن نسعى في مدرسة “الجسور الآمنة” لتأمين جسرٍ آمنٍ للأجيال المقبلة، ولأجل ذلك، لا نستخدم البلاستيك إلا عند الضرورة. انظري حولك في المدرسة، سترين أنّ كلّ الأدوات مصنوعةٌ من الخشب أو الورق أو الزجاج، وإذا لزم الأمر نستعين بالأدوات المصنوعة من البلاستيك القابل للتحلل. بعدها جلسنا في غرفةٍ مجهّزةٍ بالمعدّات التقنيّة الحديثة والذكيّة، وراح المدير يشرح لي مهامي وواجباتي في المدرسة: آنسة هناء، كما تحدّثنا مسبقاً، تتمحور مهامك الأساسيّة في مدرستنا حول النقاط التالية: تقديم الدعم النفسيّ والعاطفيّ للتلاميذ، وتوعيتهم بقضايا المجتمع، والعمل على تحسين العلاقات الاجتماعيّة داخل المدرسة، وتوجيه تلاميذ الصفوف المتقدّمة في اختيار مسارهم الدراسيّ والمهنيّ، وتوفير الدعم اللازم للتلاميذ ذوي الاحتياجات الخاصّة. إضافةً إلى ذلك، سأوكل إليك مهمّة محدّدة كلّ شهر، ودعني أبدأ من هذه النقطة. صمتَ قليلاً ثمّ تابع كلامه: إنّ رؤية المدرسة في توجيه التلاميذ نحو العمل الجماعيّ لحماية البيئة وتحسين جودة الحياة هي رؤية حقيقية وعمليّة، وكي نضمن سلامة وسلاسة هذه العمليّة يتوجّب علينا أن نتتبع ونقيس استعداد التلاميذ وتفاعلهم مع رسالتنا باستمرار. لقد أجرينا الأسبوع الماضي استفتاءً، حصل بعض التلاميذ من خلاله على تقييم سيءٍ، ذلك التقييم يعكس عدم فهمهم لرسالة المدرسة وعدم اندماجهم مع مبادئها. ومهمّتك الأولى هي أن تطّلعي على نتائج ذلك الاستفتاءٍ وتمعني النظر في ظروف وشخصيّة هؤلاء التلاميذ، وحالما تنتهين من هذه المهمّة سنعقد إجتماعاً ونناقش الأمر، وأتوقّع منكِ أن تعرضي عليّ تحليلك واقتراحاتك. وفي اليوم التالي، وصلتُ باكراً، فرأيتُ مشهداً مذهلاً لم أعتد عليه، فالتلاميذ أغلبهم يأتون إلى المدرسة مشياً على الأقدام، أو على درّاجاتهم الهوائيّة، التي خُصّص لها موقفٌ فسيحٌ لركنها بترتيبٍ وانتظام. توجّهت إلى مكتبي، فوجدت بأنّ جهاز الحاسب قد وصل بالفعل. أمضيت عدّة ساعاتٍ إلى أن أتممت تفعيل حسابي وبريدي الإلكتروني، وحينها وصلتني رسالةٌ من المدير، أرسل فيها رابطاً لنتائج الاستفتاء الذى حدّثني عنه. أسرعت مباشرةً للاطلاع عليه. مرّت أسابيع وأنا منغمسةٌ في دراسة الاستفتاء ونتائجه إلى أن اكتمل التقرير، فأرسلت للمدير بريداً إلكترونيّاً لأعلمه بالأمر. الأستاذ حسّان المحترم، تحيّة طيّبة وبعد، أنهيت للتوّ التقرير الأوّل لمهمّتي الأولى في مدرسة “الجسور الآمنة”. استغرق تحضير التقرير شهراً كاملاً من الدراسة والتمحيص والبحث. حاولت خلال هذا الشهر التقرّب من التلاميذ والتعرف إليهم عن كثب، وبالفعل نجحت في إجراء العديد من الحوارات الغنيّة معهم، وبالذات هؤلاء الذين حصلوا على تقييمٍ سيّءٍ في مسألة التنمية المستدامة. وعلى إثر ذلك وضعت مقترحاتٍ وخطواتٍ عمليّة لتدريبهم على الفكرة وجوهرها، وستجد تلك المقترحات في الملف المرفق الذي سنناقشه في موعدنا القادم. على أيّ حال، هناك أمرٌ لفت انتباهي أودّ الإشارة إليه. ففي بعض الأحيان عندما نضع المكبرة للبحث في قضيةٍ ما، تنكشفُ لنا مشكلاتٌ لم نكن نعلم بوجودها، أو بجدّيتها على الأقل، وهذا ما حدث معي. تقتضي رسالة المدرسة تأمين مستقبلٍ زاهرٍ للأجيال القادمة، وبالفعل، خلال تواجدي في المدرسة، رأيت مظاهر وصوراً تعكس رؤية المدرسة وأهدافها، فالتلاميذ يحترمون قواعد المدرسة، لا يأكلون إلا طعاماً صحيّاً وعلى قدر حاجتهم، ولا يرمون النفايات إلا في مكانها الصحيح، لا يهدرون الموارد، ويحافظون على كلّ قطرة ماء، وشحنة كهرباء، ونسمة هواء، لكنّي في المقابل لمستُ تناقضاً غريباً ودعني أشرح لك الأمر. حضرة المدير: هل تعلم بأنّ تلاميذنا غير قادرين على تركيب جملةٍ واحدةٍ صحيحةٍ في اللغة العربية؟ حين يتحدّثون يمزجون أربع لغاتٍ بل ربما أكثر، فلا تفهم من حديثهم سوى السياق العامّ والذي يدلّ في كلّ الأحوال على أفكارٍ وتوجّهات لا تمتّ لثقافتنا ولا لمجتمعنا بصلة! اللغة يا سيدي ليست أداةً فحسب، إنّما هي ثقافةٌ وفكرٌ وأفعالٌ ومواقف وسِمات. كيف سيحمل هذا الجيل إرثنا وتاريخنا وعراقتنا وهم لا يتحدثون بلغتنا؟ ولا يفهمون منطقنا؟ ولا يستسيغون ثقافتنا؟ ولا تعجبهم طريقة تفكيرنا؟ أدركُ بأنّ لكلّ زمنٍ سمته الخاصّة، وأؤمن بمبدأ التطوير والتغيير عبر الأجيال، لكن ما يحدث في هذه الأيام هو طمسٌ لملامحنا، ومسحٌ لشيمنا، وتشويهٌ لجمالنا. هناك تعمّدٌ واضحٌ لتحويل المنطق العربيّ والدينيّ الذي نشأنا عليه وتوارثناه على مدى قرون إلى مسمّياتٍ أجنبيّة رائجة. فحتّى أخلاقنا ومناقبنا التي يتمتّعون بها يغلّفونها بمفاهيم عالميّة، ليبعدوا عنهم سبّة التخلّف. هل يعقلُ أن نصبّ كلّ اهتمامنا على جودة الطعام والشراب والهواء، ونهمل جودة التربية والأخلاق؟ وأنا هنا لا أقللّ من شأن وأهمية رسالتكم وما حقّقتموه من منجزاتٍ، على العكس تماماً، فأنا معجبةٌ أشدّ الإعجاب بمنهجية المدرسة وأدائها المتميّز، وأتمنى لو تحذو جميع المرافق التعليميّة والاجتماعيّة حذوكم، لكنّني أتساءل: كيف نبني جسراً آمناً لعبور الأجيال المقبلة، بجيلٍ لا ينتمي إلى نفسه بالأساس؟ أطلتُ عليك، فاعذرني! تحيّاتي، الآنسة هناء.   بقلم: سحر خواتمي

Judy
مراجعات أدبية

مراجعة رواية صاحب الظّل الطويل

رواية “صاحب الظلّ الطويل”، هي رواية صدرت عام 1912 لجين وبستر، وتدور القصة حول فتاةٍ تُدعى جيروشا أبوت –جودي كما تحبّ أن تسمّي نفسها- تربّت وعاشت في ميتمٍ إلى أن أتى ذلك اليوم، حين أُعجب أحد أوصياء الميتم بمقالٍ كتبته جودي، فقرر أن يتكفّل بها ويدعمها لاستكمال دراستها الجامعيّة. لم يطلعها الوصيّ على اسمه، واكتفى باسم جون سميث، كما لم يقابلها، إلا أنّ جودي لمحت ظلّه وهو يغادر الميتم، فاختارت أن تسمّيه: صاحب الظلّ الطويل. كان طلب السيد سميث الوحيد أن تكتب له جودي بانتظامٍ، فتخبره عن تقدّمها ويومياتها، ويطّلع بذلك على تطور مهاراتها الكتابيّة. وبالفعل تغادر جودي الميتم، وتواجه العالم للمرّة الأولى، فتحاول جاهدةً ألا تثير الشكوك حول ماضيها، الذي ارتأت أن تخفيه، فتعيش جودي تجارب جديدةً ومثيرةً، وتتوطد علاقتها مع زميلَتيها: سالي وجوليا. تبدأ جودي بعدها باكتشاف الحياة خارج السكن الجامعي على نطاقٍ أوسع. وذات يوم تقابلُ السيد جيرفس بندلتون في السكن الجامعي، والذي جاء لزيارة ابنة أخيه جوليا، تتكرر زياراته وتنشأ بين جودي وجيرفس صداقة لطيفة، ومع الوقت تدرك بأنّها تحمل لجيرفس مشاعر خاصّة، وأنّه يبادلها الشعور ذاته. مع اقتراب التخرّج، تشعر جودي بأنّ أوامر السيد سميث باتت متضاربةً مع طموحاتها ومشاعرها، وبأنّها عاجزة عن الموازنة بين ولائها للسيد سميث، ورغبتها بالاستقلال والاعتماد على نفسها ماديّاً، فتبدأ بالتذمّر، فنراها تتقلّب بين الغضب والحزن، والتمرّد والندم. الرواية غنيّة بالمشاعر الوجدانية المؤثّرة، وأتت تفاصيلها شائقة ومُبهجة بفضل روح جودي المرحة ونظرتها المتفائلة في الحياة. أمّا عن أسلوب الرسائل فقد ناسب القصّةَ، إذ عكس بدقّة شعور جودي وهي ترسل الرسالة تلو الأخرى دون أن تتلقى أيّ رد، فتمضي الأيام ويزداد فضولها وفضول القارئ معها حول معرفة: من يكون صاحب الظلّ الطويل!! تتشابك الأحداث، وبعد التخرج يعرض جيرفس الزواج على جودي فتقع في حيرةٍ من أمرها، فهي لا تقوى على مصارحته بماضيها. ماذا ستفعل؟ هل ستوافق؟ وماذا عن التفاوت الاجتماعيّ بينهما؟ تأتي الخاتمة مجيبةً على تلك الأسئلة، برسالةٍ من جودي إلى صاحب الظلّ الطويل. مقارنة بين تجربة قراءة الرّواية ومشاهدة الأنمي   من المعروف أنّ تجربتَي القراءة والمشاهدة غالباً ما تنطويان على انطباعاتٍ مختلفة، سيما إن سبقت القراءةُ المشاهدة، إذ يشكّل القارئ في مخيلته الأحداث، والشخصيات، والأماكن، ثمّ وحين يشاهد الأنمي ولا تنطبق تلك الصور على الشكل الذي يقدّمه الأنمي، قد يشعر بخيبة أمل. وفي حالتي: أتت المشاهدة أولاً ومن ثمّ القراءة، فحصل الأنمي على الانطباع الأقوى، وظلّ راسخاً في مخيلتي، فبقيت جودي هي جودي التي ظهرت في الأنمي، وجيرفس هو ذاته، كذلك الأمر مع سالي وجوليا، لذا أتت الرسائل في الرواية داعمةً للانطباعات السابقة، بل وبتركيزٍ أعلى على الحالة الوجدانية لجودي. تجلّى الفارق الأساسي بين الأنمي والرواية في سرعة أحداث الرّواية، إذ كانت مبنيةً على رسائل جودي فقط، أمّا في الأنمي أتت التفاصيل أغنى وأوفر، نظراً لتواجد الحوار، والمشاهد المدعومة بالرسائل التي كانت تكتبها جودي، فنسمعها بصوتها أثناء الكتابة. مراجعة الرسالة الأخيرة في الرّواية   بالرغم من أنّ رسائل جودي في الرواية كانت غنيّةً ومؤثرة وشائقة، إلا أنّ الرسالة الأخيرة جاءت باردة جدّاً، وبقالبٍ لا يتلائم مع الحالة، ولا مع لحظة الختام. برأيي المتواضع، كان بإمكان الكاتبة أن تبدع أكثر في هذه الرسالة على وجه الخصوص. وللأسف كلما عاودتُ قراءة تلك الرسالة، شعرتُ بخيبة أمل. وكما هو متوقّع، لم يهنأ لي بال إلا بعد أن أعدتُ كتابة الرسالة الأخيرة بطريقتي الخاصّة، أعلم أنّني لا أملك الحقّ لفعل ذلك، لكن قد يشفع لي شبهي بشخصيّة جودي –كما تدّعي صديقاتي- أن أتقمّص شخصيّتها ولو برسالة! بقلم: سحر خواتمي لوك ويلو السابع من أوكتوبر عزيزي يا صاحب الظلّ الطويل، يبدو الأمر غريباً، أن أراسلك مجدداً بعد الذي حدث، لكنّي أرغب بأن أودّعك بشكلٍ لائق، فكما تعلم لم يمضِ لقاؤنا الأوّل على النحو الذي رسمته في مخيلتي أبداً، لذا ارتأيتُ أن أرسل كلمات الوداع عبر رسالة، لتكون خاتمةً ملائمةً لعلاقة وصيٍّ بالفتاة التي تكفّل بها. لا أعلم لِم ظننتُ أنّي بلقائك سأقابل أباً، أباً يحتويني ويغمرني بحنانٍ كما يغمر الآباء أبناءهم، فذاك الشعور -وكما تعلم- لم أجرّبه في حياتي. اعتقدتُ أن أسمع منك كلماتٍ تقوّي بها عزيمتي، وتشعرني بأنّك لم تندم على قرار دعمك لي، فتقول لي بوقارٍ: “أحسنتِ يا ابنتي، أنا فخورٌ بك!” لكن لم يحدّث أيٌّ من ذلك! ليتلاشى بذلك المشهد الذي حلمت به، وتنهار أمامي الصورة التي تخيّلتها، فتقع كبرجٍ مرتفع، برجٍ بنيته لبنة لبنة، بتفاصيل وملامح لا تطابق الواقع بتاتاً. لكن مهلاً! إن وضع أحدنا آمالاً في أمرٍ ما، ومن ثمّ تكسّرت جميعها، هل بالضرورة أن يندرج ذلك تحت مسمّى: “خيبة الأمل”؟! أتعلم؟! حينما التقيتك البارحة، راودتني أسئلةٌ عديدة، لكنّي امتنعت عن طرحها بسبب حالتك الصحيّة، فلم أشعر بأنّ الوقت مناسب. وحتى لو التقينا مجدداً، لا أعتقد بأنّي سأطرح عليك أيّاً منها، لذا اسمح لي بأن أسردهم في رسالتي الأخيرة هذه بصدقٍ وشفافية، تماماً كما اعتدت في سنواتي السابقة، أن أسألك وأسألك دون تحفظٍ أو تردد، دون كللٍ أو ملل، ودعني أحكي لك عمّا عجزت عن قوله حين رأيتك وجهاً لوجه، لعلّ روحي تهدأ وتسكن بعض الشيء. عزيزي هلّا أجبتني، وقلت لي: أي اضطرابٍ أحدثته في عالمي؟! اشرح لي، فأنا عاجزة عن الفهم! كيف تكون حاضراً وغائباً في آنٍ معاً؟ أخبرني، قل لي أرجوك، فأنا مشوشة، وفقدت قدرتي على ربط الأحداث والكلمات  والمشاعر. كيف تكون الشخص الذي يعطي، ويغدق، ويمنح، وفي الوقت ذاته، يسلب، ويحوز دون إذنٍ أو استئذان؟! نعم، لقد سلبت قلبي، واستحوذت على مشاعري، ومع ذلك تظاهرتَ بأنّك تعطي دون مقابل، ولا تطالب سوى برسالةٍ كلّ شهر! هذا ليس عدلاً، أليس كذلك؟ ثمّ أريد أن أعرف: لماذا أتيتَ إلى السكن الجامعي في بادئ الأمر؟ هل دفعك فضولك لرؤية تلك الفتاة المختلفة عمّا اعتدت عليه؟ تلك التي ترسل رسائل عفوية ولا تكفّ عن الثرثرة، أم أنّك رغبت بالنظر عن كثب، لتتأكّد بأنّ قرارك بدعم تلك الفتاة كان صائباً، وبأنّك لا تضيّع مالك هدراً؟ أخبرني بدّقة أرجوك: متى تحوّلت مشاعرك؟ ومتى بدأت تدركها؟ قل لي وفكّر مليّاً وأجبني: من أين أتت الشرارة الأولى لذاك التحوّل: أهي رسائل جودي؟ أم جودي نفسها التي قابلتها وتعاملت معها وجهاً لوجه؟ أجبني ولا تقلق، إذ لا يوجد خيارٌ أطمح إليه أكثر من الآخر، إلا أنّني أتطلّع لمعرفة أسبابك، سيّما إن كانت مختلفة عمّا اقترحته لك. تتوالد الآن ببالي أسئلة أكثر وأكثر، وأجد نفسي عاجزةً عن ملاحقتها وتدوينها، وقلبي يخفق ويأبى أن يستقر، فتارةً أذكر لهفتي نحو معرفة من هو صاحب الظلّ الطويل، وتارةً يغشاني الألم والحزن مما أصابك من وهنٍ ومرض ومما تعانيه الآن، وتارةً أذكر لحظة لقائنا … أرأيت؟! لقد توقفت عن الكتابة لبضع

Moon-colors
قصص قصيرة

على محاذاة الشاطئ

في إحدى الليالي الصيفيّة، كنتُ أمشي على محاذاة الشاطئ، بدت السماء مرتصّةً بالنيازك والأجرام المتهاوية، تلمع النجوم في أرجائها كعيون المتربّصين، ويتوسطها البدر بضيائه الشاحب، الذي انعكس على ماء البحر الكدر ممّا أضفى على تلك الليلة صبابةً وكمداً. كان الطريق موحشاً وكئيباً، تتوزع على جانبيه شجيراتٌ صغيرة، تتلاطم أغصانها باضطرابٍ مع كلّ هبّة ريحٍ، وتحيط بالشجيرات أحواضٌ ضخمة تكسوها أزهارٌ ذات ألوانٍ غريبة، تفوح منها رائحةٌ واخزة، وبينما كنتُ أتحاشى النظر إليها، سمعت أزيزاً مفزعاً، فانقبض قلبي…   ثمّ تنبّهت أنّه إشعارٌ لرسالةٍ قد وصلتني عبر هاتفي، فتحت الرسالة وقرأتها بتمعّنٍ، ومن ثمّ أعدت هاتفي إلى جيبي ورفعت رأسي، فوجدت السماء وقد بدت كقبّةٍ مزدانةٍ بالأحجار الكريمة، تلمع النجوم في أرجائها كاللآلئ والمرجان، ويتوسطها البدر بضيائه الناصع، الذي انعكس على ماء البحر الصافي ممّا أضفى على تلك الليلة سكينةً وطمأنينةً. كان الطريق فسيحاً وهادئاً، تتوزع على جانبيه شجيراتٌ صغيرة، تتراقص أغصانها بتناغمٍ مع كلّ نسمةٍ عليلةٍ، وتحيط بالشجيرات أحواضٌ واسعة تكسوها أزهارٌ ذات ألوانٍ فريدة، يفوح منها شذىً آخّاذ، وبينما كنت أتأمّلها بابتهاج، سمعت لحناً جميلاً، فانشرح صدري…   ثمّ تنبّهت أنّه إشعارٌ لرسالةٍ قد وصلتني عبر هاتفي، فتحت الرسالة وقرأتها بتمعّنٍ، ومن ثمّ أعدت هاتفي إلى جيبي وحين رفعت رأسي، وجدت السماء مظلمةً وكالحة، لا نجوم فيها ولا قمر، اختفى الشاطئ وتلاشى الشجر.   تابعت المسير برويّة وتأنٍّ، وكلّي ثقة بأنّ رسالةً جديدةً ستومض قريباً. ______________________________________________ بقلم: سحر خواتمي | نُشرت ضمن كتاب “حكايات البحر والشمس والشاطئ” عبر دار كُتبنا عام 2024

قصص قصيرة

ذهبتْ ولم تعد

الأربعاء 23 مايو 2012 عدتُ منذ قليل إلى المنزل بعد يومٍ شاقٍ من العمل، تناولت طعام العشاء مع والديّ وها أنا ذا في غرفتي، لا جديد لليوم، أنا متعبة للغاية، سأصلّي العشاء وأنام. الخميس 24 مايو 2012 كان اليوم ممتعاً جدّاً، قابلتُ صديقتي من أيام المدرسة، تحدّثنا طويلاً ومن ثمّ عدت إلى المنزل مشياً على الأقدام. حضّرتْ لي والدتي وجبتي المفضّلة: البطاطس المشوية. الجمعة 25 مايو 2012     السبت 26 مايو 2012 لم أكتب البارحة، دعتنا خالتي إلى زيارتها، أمضيتُ وقتاً ممتعاً، واستمتعت بملاعبة أطفالها. واليوم ذهبت للتسوق مع والدتي، وأخيراً اشتريت الحقيبة البيضاء التي أرغب بها، في طريق عودتنا مررنا على محلٍ لبيع المثلجات، كانت لذيذة للغاية. الأحد 27 مايو 2012 ذهبت اليوم إلى دوامي وأنا أحمل حقيبتي الجديدة، كنتُ أمشي كما لو أنّني فراشة، هناك في المكتب أبدت زميلاتي إعجابهنّ بها، الجميع يقول لي أنّ لي ذوقاً خاصّاً ومميّزاً في اختيار الحقائب. في طريق عودتي، لمحت أحدهم في سيارة الأجرة، كان يشبهه كثيراً، أتراه هو؟! خفق قلبي بشدّة، لم نتقابل منذ أكثر من شهر. يا ترى ماذا يفعل الآن؟ الاثنين 28 مايو 2012 يا له من يومٍ حزين! كنتُ قاسيةً مع صديقتي هدى، حدث سوء فهمٍ بيننا فغضبتْ، لم أستطع أن أتراجع عن موقفي، وعادت كلّ منّا إلى بيتها حزينة، هل عليّ أنا أتصل بها؟ أم أنتظر إلى صباح الغد؟ كيف سأغفو وأنا بهذه الحال؟! أنا أكتب الآن بعد ساعة، لقد اتصلت بهدى واعتذرت إليها، أشعر براحةٍ كبيرة. الثلاثاء 29 مايو 2012 أمضيت اليوم في المنزل، لم أذهب إلى العمل، أنا مريضة. الأربعاء 30 مايو 2012 تحسّنت حالتي، لكن مع ذلك لم أذهب إلى العمل، تعتني بي والدتي كما لو أنّني طفلة صغيرة. الخميس 31 مايو 2012 ذهبت اليوم إلى الدوام، أخيراً! أنا مدعوة إلى حفل زفاف قريبتنا، سأذهب إلى مصففة الشعر بعد قليل، أشعر بحماسٍ شديد، أحبّ الحفلات. الجمعة 1 يونيو 2012 عدنا البارحة من حفل الزفاف بعد منتصف الليل، لم أستطع النوم جيداً، وحين غفوت رأيت كثيراً من الأحلام، وبالطبع، كان هو أحدّ أبطالها. ترى ماذا يفعل الآن؟ السبت 2 يونيو 2012 لستُ بمزاجٍ جيّد، لقد أضعت صلاة المغرب اليوم، أشعر بالسوء حيال ذلك. الأحد 3 يونيو 2012     الاثنين 4 يونيو 2012 لم أكتب البارحة، فقد كنت منشغلةً بمساعدة والدتي في تنظيف المنزل. واليوم أمضيت طيلة الوقت وأنا أنتقي ماذا سألبس وماذا سأقول وكيف سأردّ، أعلم بأنّ لقائنا سيكون بعد غدٍ، لكنّني متوترة للغاية، ففي المرّة السابقة شعرتُ بأنّه يلمّح برغبته في الحديث معي بموضوعٍ خاصّ، يا إلهي! عليّ أن أكون مستعدّة. الثلاثاء 5 يونيو 2012 وأخيراً تسلّمنا الرواتب، لقد تأخّرت الشركة في صرفها لهذا الشهر، سأذهب بعد قليلٍ لشراء هاتفٍ ذكّي، إنّه الأوّل بالنسبة لي، لطالما تمنّيت الحصول عليه، سأستطيع من خلاله تصفح الإنترنت، وإجراء محادثاتٍ مع صديقاتي، وتنصيب كثيرٍ من التطبيقات المفيدة. والآن إلى متجر الهواتف الذكية.. الأربعاء 6 يونيو 2012     الخميس 7 يونيو 2012     الجمعة 8 يونيو 2012     السبت 9 يونيو 2012     الأحد 10 يونيو 2012     الإثنين 11 يونيو 2012     2013 2014 2015 2016 2017 2018 2019 2020 2021 2022 2023 2024 ______________________________________________ بقلم: سحر خواتمي

قصص قصيرة

طوابق

في مدخل المبنى الكبير في مركز المدينة، استقلّت السيدة نجاة المصعد وطلبت الطابق العاشر، هناك حيث عيادة الطبيب، وقبل أن يغلق المصعد بابه دخلت سمية المصعد وألقت السلام، فردّت السيدة نجاة بلطفٍ، بينما ظلّ الرجل الواقف بجانب السيدة نجاة صامتاً. طلبت سمية الطابق العشرين، وبدأت رحلة الصعود. تحرّك المصعد قرابة الخمس طوابق وبعدها أصدر صوتاً غريباً وتوقّف في مكانه! بدا القلق جليّاً على وجه السيدة نجاة، فحاولت سمية طمأنتها، وقالت: لا بد وأنّه عطلٌ بسيط، لا تقلقي يا خالة. ردّت السيدة نجاة: وهل سننتظر طويلاً هنا؟ أجابتها سميّة: دعيني أتواصل مع الموظف المسؤول وأعلمه بما حصل معنا. وبالفعل، تواصلت سميّة مع الموظف من خلال لوحة المصعد وأخبرته بما حدث، ليردّ الموظّف بدوره ويخبرها بأنّه سيرسل طاقماً لحلّ المشكلة بأسرع ما يمكن. وبعد انتظار خمس دقائق، قالت السيدة نجاة: أرجو ألا يتأخروا، لديّ موعدٌ عند الطبيب. أجابتها سميّة: سيصلون قريباً، لا عليكِ. أتعتقدين ذلك بالفعل؟ نعم، هم لا يتأخرون بالعادة. هل يتعطّل هذا المصعد بشكلٍ متكرر؟ لا أعلم، فهذه المرّة الأولى التي أتواجد فيها هنا. آه فهمت. لم أنتِ لوحدك يا بنيتي؟ قد تحدث أمور خطيرة، أترين؟ ها نحن عالقون في المصعد ولا ندري متى سنخرج! ابتسمت سمية، فأكملت السيدة نجاة أسئلتها: هل لديكِ موعدٌ عند الطبيب؟ لا، أتيت قاصدةً محل الزينة. تعلمين هذا المبنى كبير، وهناك محالٌ تجاريّة في الطابق العشرين. آه جميل، وهل الزينة لحفلة خطوبتك؟ ضحكت الفتاة ثمّ أجابتها: لا أزال صغيرةً على الارتباط، وأحتاج الزينة لحفلة عيد ميلادي في الأسبوع القادم. أتمنى لك عاماً سعيداً يا… اسمي سمية. اسمٌ جميل، وأنا اسمي نجاة، وينادونني أم عزمي. ابتسمت الفتاة، ثمّ ساد الصمت، وبعد مرور ربع ساعة، قالت السيدة نجاة للفتاة: هلّا اتصلتِ بوالدك، كي يطلب المساعدة من أناسٍ آخرين، يبدو ألا فائدة من هذا الطاقم. بودي لو ألبّي طلبك يا خالة، لكنّي لا أعرف رقم والدي للأسف. أوه آسفة يا بنيتي، أهو مسافر؟ في الحقيقة لا أعلم. نظرت السيدة نجاة باستغرابٍ نحو الفتاة، كما لو أنّها تحتاج لتوضيحٍ أكثر، لكن في تلك اللحظة تحرّك المصعد، وأكمل طريقه. وعند الطابق السابع توقّف المصعد فخرج الرجل الذي يقف بجانب السيدة نجاة، بينما أكملت السيدة والفتاة طريقهما نحو الطوابق العليا. توجّه الرجل نحو مكتبٍ للمحاماة في ذلك الطابق، طرق الباب ودخل بعد أن نزع السماعة التي كانت على أذنه، ثمّ سأل السكرتيرة: هل الأستاذ فاروق في الداخل، لديّ موعد معه؟ نعم هو بالداخل ينتظرك منذ نصف ساعة، لعلّك كنت عالقاً في المصعد الذي تعطّل؟ أكانت نصف ساعةٍ حقاً؟ ظننتها بضع دقائقٍ فحسب، يبدو أنّ نشرة الأخبار شغلتني فلم أشعر بالوقت. لا عليك، تفضّل إلى المكتب، فالأستاذ فاروق بانتظارك. دخل الرجل، وبعدما ألقى السلام فتح حقيبته وأخرج منها أوراقاً. استلمها الأستاذ فاروق ثمّ قال: بعد أسبوعٍ من الآن، ستصبح ابنتك في سنٍّ قانونية، ويحقّ لها أن تراكَ وتقابلكَ متى شاءت. ابتسم الرجل ابتسامةً حزينة، فقال له السيد فاروق: سيلتمّ شملك قريباً مع ابنتك، ويوماً ما ستعثر على والدتك، أنا متأكدٌ من ذلك يا سيد عزمي! ______________________________________________ بقلم: سحر خواتمي  

Scroll to Top